المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذاهب فكرية معاصرة (الديمقراطية،الشيوعية،العلمانية،العقلانية،القومية والوطنية،الإنسانية،الإلحاد)


الواثق بالله
10-16-2007, 07:26 PM
كتاب أنصح بقرائته لذوي الإختصاص والهواة ولكل من يريد أن يتعرف على هذه المناهج

والمخالفة للمفهوم الإسلامي والتي طرحها العدو الكافر كبديل لشرع الله تبارك وتعالى...

كتاب في غاية الأهمية ..

اسم الكتاب
مذاهب فكرية معاصرة (الديمقراطية،الشيوعية،العلمانية،العقلانية،القو مية والوطنية،الإنسانية،الإلحاد)

المؤلف : محمد قطب
http://saaid.net/book/open.php?cat=89&book=843

البيان
10-18-2007, 07:02 PM
بارك الله فيك أخي الواثق بالله وجزاك الله خيرا على ماتقدمه ...وسأحاول نسخ الكتاب هنا ليسهل على
القاريء قرائته .. وبالله التوفيق :

محمد قطب
مذاهب فكرية معاصرة




الديمقراطية
الشيوعية
العلمانية
العقلانية
القومية والوطنية
الإنسانية
الإلحاد




موقع الصحوة
http://www.sahwah.net


بسم الله الرحمن الرحيم

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} [سورة الأنعام 6/153]

صدق الله العظيم

مقدمة
تسيطر اليوم أوروبا " " بكل قوتها على العالم كله.
ومع السيطرة تتسرب مجموعة من الأفكار والمذاهب والمعتقدات، بل الخرافات كذلك– كخرافة الطبيعة الخالقة، والمادة الأزلية الأبدية المتطورة – فتنصب فى أذهان الشعوب التى غلبت عليها أوروبا ، إما عن طريق التسرب التلقائى الذى ينشأ من تقليد المغلوب للغالب ليضمن تبعيته له وعدم خروجه على طاعته .
ولم تكن سيطرة أوروبا – بكل قوتها – هى السبب الوحيد فى الحقيقة لهذا التسرب التقائى أو ذلك الغزو الفكرى، إنما كان هناك سبب لا يقل أهمية عن هذه السيطرة إن لم يكن– فى نظرنا– أهم، هو غياب البديل الذى يمكن أن يأخذ مكان هذه الأفكار والمذاهب والخرافات إذا تبين عدم جدارتها بالاتباع، بل الذى يحول أصلاً دون التوجه إليها واتباعها فى حالة وجوده، ونعنى به الإسلام .. ذلك أن غيابه يعطى هذه المذاهب والأفكار فى نفوس الناس حجية الأمر الواقع وثقل الأمر الواقع . أى أنها تصبح فى حس الناس جديرة بالاتباع لا لجدارتها الذاتية، ولا لأنها فى ذاتها صحيحة، ولكن فقط لأنها موجودة بالفعل، والبديل غري موجود !
ولن نتعرض فى هذا الكتاب لأسباب غياب هذا البديل، ولا للنتائج الخطيرة التى نتجت عن غيابه بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للعالم كله " ". إنما أردنا فى هذا الكتاب أن نتعرض لهذه الأفكار والمذاهب ذاتها، فنعرضها عرضاً موضوعياً نبين فيه ما تحتوى عليه من حقائق وما تحتوى عليه من أباطيل، ونبين فيه– أهم من ذلك – الظروف التى أدت إلى نشأتها وتشكلها على هذه الصورة، فإن كثيراً من الناس الذين يأخذونها على أنها أمر واقع، لا يسألون أنفسهم كيف نشأت، وما الظروف التى جعلتها تأخذ هذه الصورة، كأنهم يعتقدون– من ثقلة الأمر الواقع على حسهم – أنها ذات وجود طبيعى، وأن الصورة التى هى عليها هى الصورة الطبيعية لهذا المذهب أو ذاك، ولا يضعون فى حسابهم أن ظروفاً محلية بحتة فى أوروبا هى التى جعلت الفكر الأوروبى يتجه هذه المتجهات، ويسلك هذه المسالك، وأنه لو كانت هناك ظروف مختلفة، لاعتنقت أوروبا أفكاراً ومذاهب من نوع آخر .
بعبارة أخرى إن هذه الأفكار والمذاهب هى انعكاس لظروف محلية بحتة فى أوروبا ، وليست كما هى فى حس الأوروبيين ومن يدور فى فلكهم من الشعوب المغلوبة " قيما " قائمة بذاتها، ولا أفكاراً " إنسانية " تنبع نبعاً ذاتياً من كيان " الإنسان " بوصفه إنساناً . ولم يكن من الحتم أن تعتنقها أوروبا ذاتها– لو أتيحت لها ظروف أفضل – وليس من الحتم أن يعتنقها أحد فى خارج أوروبا ما دامت ظروفه غير ظروف القوم هناك .
وهذا الكتاب لم يكتب للمسلمين وحدهم، وإن كان المسلمون يستطيعون أن يفيدوا منه مزيداً من المعرفة بدينهم، على قول الفاروق عمر رضى الله عنه : " لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية ! " فمعرفة المسلمين بانحرافات الجاهلية المعاصرة تزيدهم معرفة بكمال الدين المنزل من عند الله .
ولكنى كتبته لكل من يرغب أن يعرف شيئاً عن هذه المذاهب المنتشرة فى الأرض اليوم، وأسباب نشأتها وتشكلها على هذه الصورة . ولم أقصد به أن يكون دراسة متخصصة، ولكنى حاولت أن أضع فيه القدر المناسب من المعلومات، الذى يلقى ضوءاً معقولاً على هذه المذاهب والأفكار .
ولم أتحدث عن كل المذاهب المعاصرة، فلم يكن قصدى الاستقصاء، إنما رضت لأبرز هذه المذاهب وأكثرها انتشاراً فى عالمنا المعاصر، فاخترت منها : الديمقراطية والشيوعية والعلمانية والعقلانية والقومية والوطنية والإنسانية الإلحاد .
فإن كنت قد قصرت فيما بذلت من الجهد فهذا هو العجز البشرى، وأن كنت قد وفقت فمن الله التوفيق .

محمد قطب

التمهيد الأول
الدين والكنيسة
نبذة تاريخية
أولاً : تحريف الدين :
لم تعرف أوروبا قط دين الله المنزل على حقيقته الربانية .
إنما عرفت صورة محرفة من صنع الكنيسة الأوروبية لا صلة لها بالأصل المنزل، الذى أرسل المسيح ليبلغه لبنى إسرائيل : {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ...} [سورة آل 3/49]
وإذا استثنينا أفراداً قلائل، متناثرين على طول التاريخ المسيحى من بعثة عيسى عليه السلام إلى بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الجماهير الأوروبية ظلت تستقى دينها من رجال الدين من البابوات والكرادلة، ومن المجامع المقدسة وشراح الأناجيل المحرفة، وتعتبرهم مرجعاً لا يرقى إليه الشك ولا يجوز أن يناقش ! فاتخذوهم– على الحقيقة لا على المجاز – أرباباً من دون الله :
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [سورة التوبة 9/31]
وفى القرون الثلاثة الأولى من ميلاد المسيح كان الأباطرة وثنيين لا يؤمنون بدين منزل، فكانوا يضطهدون النصارى من صح اعتقاده منهم ومن انحرف وحرف، يسومونهم سوء العذاب، ويشردونهم فى الأرض، حتى اتخذ فريق منهم الأديرة والملاجئ فى أطراف الأرض فراراً من العذاب .
وفى القرن الرابع تغير الأمر حين اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية وفرضها على الإمبراطورية . ولكن الدين الذى فرضه قسطنطين هو– باعتراف المؤرخين والمفكرين الغربيين أنفسهم– شئ آخر غير الدين الذى بشر به المسيح .
يقول درابر الأمريكى فى كتابه " الدين والعلم "
" ودخلت الوثنية والشرك فى النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية فى الدولة الرومية بتظاهرهم بالنصرانية . ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يوماً من الأيام .. وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره فى الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً فى آخر عمره (سنة 337م) .
" إن الجماعة النصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها . وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء .. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية إذ قضى على منافسه " الوثنية " قضاء باتا، ونشر عقائده خالصة بغير غش ..
" وإن هذا الإمبراطور الذى كان عبداً للدنيا، والذى لم تكن عقائده الدنين تساوى شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية، ولمصلحة الحزبين المتنافسين – النصرانى والوثنى – أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى إن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة . ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة ! وسيخلص الدين النصرانى عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها " "
ويقول فشر المؤرخ الانجليزى :
" إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آباءها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا له منعاً من قديم العادات والتقاليد والمعتقدات " !! " بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدد الآلهة الراسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط، وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها " " !!
ويقول رينان الفيلسوف الفرنسى :
" إنه ينبغى لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقى كما كان يفهمه هو أن نبحث فى تلك التفاسير والشروح الكاذبة التى شوهت وجه التعليم المسيحى حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام . ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذى لم يفهم تعليم المسيح بل حمله على محمل آخر ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسين وتعاليم العهد القديم . وبولس كما لا يخفى كان رسولاً للأمم، أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره ن فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحى فأفسده . ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس . وأما تعليم المسيح الأصلى الحقيقى فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح احدى حلقات سلسلة الوحى التى أولها منذ ابتداء العالم وآخرها فى عصرنا الحالى، والمستمسكة بها جميع الكنائس، وإن أولئك الشراح والمفسرين يدعون المسيح إلها دون أن يقيموا على ذلك الحجة، ويستندون فى دعواهم على أقوال وردت فى خمسة أسفار : موسى والزبور، وأعمال الرسل ورسائلهم، وتأليف أباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل على أن المسيح هو الله " "
ويقول برنتن :
" إن المسيحية الظافرة فى مجمع نيقية – وهى العقيدة الرسمية فى أعظم إمبراطورية فى العالم – مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين فى الجليل " " ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائى عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتا " "
ويقول المؤرخ الإنجليزى ويلز :
" وظهر لوقت معلم آخر عظيم يعده كثير من الثقات العصريين المؤسس الحقيقى للمسيحية وهو شاول الطرطوسى أو بولس .. والراجح أنه كان يهودى المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك، ولا مراء فى أنه تعلم على أساتذة من اليهود بيد أنه كان متبحراً فى لاهوتيات الإسكندرية الهلينية .. وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفى للمدارس الهلنستية ن وبأساليب الرواقيين، كان صاحب نظرية دينية ومعلماً يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصرى بزمن طويل .. ومن الراجح جداً أنه تأثر بالمثرائية إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرانية . ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعاً بفكرة لا تظهر قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهى فكرة الشخص الضحية الذى يقدم فرباناً لله كفارة عن الخطيئة . فما بشر به يسوع كان ميلاداً جديداً للروح الإنسانية . أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة . ديانة الكاهن والمذبح وسفك الدماء لاسترضاء الإله " "
ويقول أيضاً :
" وفى أثناء ذلك الأمد غير المحدد كان يحدث فيما يبدو قدر جسيم من ضرب بعينه من الثيوكرازيا (أى التوحيد والمطابقة بين الىلهة المختلفة) بين النحلة المسيحية والعقيدة المثرائية التى تكاد تضارعها فى سعة انشترها بين سواد الشعب، ونحلة سيرابيس إيزيس حورس …
" على أن ما أسهمت به نحلة الاسكندرية فى الفكر المسيحى والطقوس المسيحية كان أعظم قدراً أو يكاد .. إذ كان طبيعياً أن يجد المسيحيون فى شخصية حورس (الذى كان ابناً لسيرابيس وهو سيرابيس فى نفس الوقت) شبيهاً مرشداً لهم فيما يبذلون من جهود عنيفة لتفهم ما خلفه لهم القديس بولس من خفايا … " " "
وتكفينا هذه الشهادات من مؤرخى الغرب ومفكريه، لندرك مدى التحريف والتشويه الذى أدخله بولس والمجامع المقدسة من بعده على العقيدة الصحيحة التى جاء بها رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام .
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)} [سورة المائدة 5/116-117]
صدق الله العظيم
على أن التحريف الذى وقع فى العقيدة من جعل الإله الواحد ثلاثة أقانيم، وتأليه عيسى عليه السلام وادعاء بنوته لله تعالى، وتأليه مريم وروح القدس جبريل عليه السلام، واختراع قصة الصلب والفداء، وعبادة الصليب وعبادة التماثيل والأوثان .. الخ … الخ .. هذا التحريف على بشاعته لم يكن هو التحريف الوحيد الذى أدخلته الكنيسة والمجامع المقدسة على دين الله المنزل، بل أضافت الكنيسة انحرافاً آخر لا يقل سوءاً ولا تشويهاً للدين المنزل من عند الله، وذلك بعزل العقيدة عن الشرعة واتخاذ الدين عقيدة فقط، وترك القانون الرومانى يحكم الحياة .
إن الدين المنزل من عند الله كان دائماً عقيدة وشريعة فى ذات الوقت : عقيدة فى الله الواحد الفرد الصمد، الذى لا شريك له ولا ولد، وتنظيمات تنظم حياة الناس فى الأرض فى إطار أوامر الله ونواهيه .
فأما العقيدة فقد جاءت واحدة ى جميع الرسالات السماوية لأنها– بطبيعتها – غير قابلة للتغيير ولا التبديل . فالله سبحانه واحد . وكل الرسل المرسلين من عند اله جاءوا بعقيدة التوحيد– عقيدة الحق – فقالوا لأقوامهم كما يحكى القرآن الكريم عنهم : " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " أما الشريعة وما تخويه من تنظيمات فقد تغيرت–بحسب أحوال الأقوام الذين أرسل المرسلون إليهم، وانحرافاتهم الخاصة التى كانوا واقعين فيها– حتى اكتمل الدين فى الوحى المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزل قوله تعالى : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [سورة المائدة 5/3] ولكنها – أى الشريعة – كانت دائماً هناك ! كانت موجودة فى كل رسالة أنزلت على رسول من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً . وقد أشار القرآن إلى بعض تفصيلاتها فى مثل قوله تعالى:
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا " " أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ" "} [سورة هود 11/84-87]
وقوله : {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131)} [سورة الشعراء 26/123-131]
وقوله : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)} [سورة الشعراء 26/160-166]
وما كانت الرسالة المنزلة على عيسى ابن مريم بدعا من الرسالات فى هذا الشأن . بل ينص القرآن الكريم نصاً صريحاً على أن عيسى ابن مريم جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة – وهى حافلة بالتشريعات التفصيلية فى كثير من شؤون الحياة – وليحل لبنى إسرائيل بعض الذى كان قد حرم عليهم من باب العقوبة على ما اجترحوا من السيئات :
{وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)} [سورة آل 3/50]
كما ينص على أن الله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً، وأمر كل قوم أن يحكموا بمقتضى الشرع الذى نزل عليهم وإلا فهم كافرون وظالمون وفاسقون، حتى يأنتى الرسول الأخير صلى الله عليه وسلم فيحتكموا جميعاً إلى شريعته .
{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [سورة المائدة 5/44-50]
ورغم أن وجوب تحاكم النصارى إلى ما جاء فى التوراة والإنجيل من تشريعات واضح تمام الوضوح فى الكتب المتداولة بين أيديهم بالرغم من كل ما حدث فيها من تحريف، فإن الكنيسة زعمت أن القانون الرومانى – قانون قيصر – له شرعية تبيح اتباعه وهو يحكم بغير ما أنزل الله، ونسبت هذا الزعم إلى السيد المسيح، كما نسبت إليه من قبل أنه قال إنه إله وإنه ابن اله .. سواء بسواء !
جاء فى أناجيلهم هذه القصة :
" ذهب الفريسيون وتشاوروا لكى يصطادوه (أى السيد المسيح) بكلمة، فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين : يا معلم ؟ إنك صادق وتعلم طريق اله بالحق ولا تبالى بأحد، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس فقل لنا ماذا تظن ؟ أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا ؟ فعلم يسوع خبثهم وقال : لماذا تجربوننى يا مراءون ؟ أرونى معاملة الجزية . فقدموا له ديناراً فقال لهم : لمن هذه الصورة والكتابة ؟ قالوا له : لقيصر ؟ فقال لهم : أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله ؟ فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا " "
وليس لنا من سبيل إلى الجزم فى أمر هذه القصة، هل حدثت بهذه الصورة أم يغيرها أم لم تحدث على الإطلاق . وإن كنا أقرب إلى الشك فيها منا إلى إثباتها . ولكنا نفترض جدلاً أن القصة حدثت على هذا النحو، وأن المسيح تكلم بهذه الألفاظ، فهل يمكن أن يكون قصده منها هو إعطاء الشرعية لأمر قيصر الذى لا يؤمن بالله ورسوله ولا يتحاكم إلى شريعة الله، وقسمة شؤون الحياة بين قيصر وبين الله سبحانه وتعالى بحيث يكون لقيصر نطاق يتصرف فيه على هواه ويطاع فيما يأمر به، وتكون بقية الشؤون – التى لا يهتم بها القيصر – هى النطاق المتروك لله ؟!
وما الشرك إذن فى أجلى صوره ؟!
إن هذا المعنى يستحيل أن يخطر فى بال المؤمن العادى الذى يؤمن بلا إله إلا الله . فكيف بنبى مرسل من عند الله ؟!
إن أقصى ما يمكن أن تدل عليه القصة – على فرض صحتها جدلاً – أن المسيح عليه السلام يقول لهم : إننا لم نؤمر الآن بقتال قيصر، فإذا فرض عليكم الجزية – ولا قبل لكم اليوم برد سطوته عنكم – فادفعوا له الجزية حتى يأتى اليوم الذى يؤذن لكم فيه بالقتال لإخضاع قيصر لشريعة الله . وهذا كما قيل للمؤمنين فى مكة : {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [سورة النساء 4/77] حتى جاءهم الإذن بالقتال فى قوله تعالى : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)} [سورة الحـج 22/39] ثم جاء الأمر بالقتال لإخضاع الأرض كلها لشريعة الله : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [سورة الأنفال 8/39]
ولكن الكنيسة حملت هذه القصة – على فرض صحتها – فوق ما تحتمل، وزعمت أن معناها أن من حق قيصر أن يحكم عالم الأرض على أن يحكم الله عالم السماء، أو أن الأبدان لقيصر يفعل بها ما يشاء فى الحياة الدنيا، ولله الأرواح فى الآخرة ! وهكذا سمحت للعالم المسيحى أن يحكمه القانون الرومانى فى كل شؤونه ما عدا " الأحوال الشخصية " من زواج وطلاق .. الخ .. وأن ينحصر سلطان الله على عباده فى مشاعر الخشوع والتقوى والشعائر التعبدية .. والأحوال الشخصية التى لا يهتم بها قيصر إذا ما تركت لشريعة الله ! … وتم بذلك فصل العقيدة عن الشريعة، وتم المسخ الكامل لدين الله !
هذا الدين – بهذه الصورة – لم يكن صالحاً للحياة .
فما يلح دين تشوه عقيدته على هذا النحو، ثم تفصل الشريعة فيه عن العقيدة وتحصر فى أضيق نطاق.
إن الدين يأتى لإصلاح الأرض وإقامة حياة الناس بالقسط .
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)} [سورة الأعراف 7/85]
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56)} [سورة الأعراف 7/55-56]
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد 57/25]
وهذا الإصلاح الذى يقيمه الدين فى الأرض ينشأ من انصياع الناس لحقيقة ضخمة هى حقيقة التوحيد، بكل أبعادها وكل مقتضياتها، فتنضبط بها حركة النفس وحركة الحياة البشرة على السواء .
التوحيد هو " الميزان " الذى يضبط النفس والحياة .
فالإنسان عابد بفطرته ..
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [سورة الأعراف 7/172]
وقد تهتدى النفس بميثاق الفطرة وقد تضل . ولكنها – بما أودع فى فطرتها – تظل دائماً تبحث عن الإله … تبحث عن " المعبود " "
ومن ثم فإن الإنسان لابد أن يعبد .. يعبد الله أو يعبد شيئاً غير الله .
وليس الفارق بين إنسان وإنسان أن هذا يعبد وهذا لا يعبد . إنما الفارق فى المعبود : أهو الله سبحانه وتعالى، المستحق للعبادة، أم غيره من الآلهة التى لا واقع لها فى الحقيقة .
وتتعدد المعبودات من دون الله وتختلف باختلاف الزمان والمكان، واختلاف مبلغ الجاهلية من " العلم " الأرضى وتتوحد عبادة الله فلا تتغير طبيعتها باختلاف الزمان والمكان " " .
كان الناس فى جاهلياتهم المختلفة يعبدون " الأب " أو يعبدون " الطوطم " أو يعبدون " قوى الطبيعة " المختلفة من رعد وبرق وريح ومطر، ويعبدون الأفلاك من شمس وقمر ونجوم، أو يعبدون الأصنام والأوثان، أو يعبدون البشر من الأنبياء والقديسين والأحبار والرهبان، أو يعبدون الطبيعة .. ثم عبد الإنسان ذاته فى الجاهلية المعاصرة، ثم تعددت المعبودات فصار اسمها الوطن أو الدولة أو القومية أو المذهب أو الحزب أو الزعيم … أو الجنس أو الإنتاج المادى أو الدولار " " !
كلها معبودات يتخذها الناس أرباباً من دون الله، وتتحكم فى حياتهم فيسيرون على مقتضى ما تأمرهم به فى الوهم أو الحقيقة .
وفى جميع تلك الأحوال يكون الناس عابدين لأربابهم وخاضعين لما تأمرهم به تلك الأرباب .
أما فى حالة الهدى فيعبد الناس اله وحده بلا شريك، ويتبعون أوامره ونواهيه، أى : يحكمون بما أنزل الله .
ويختلف الأمر اختلافاً بيناً ما بين هذه العبادة وتلك، أمر النفس وأمر الحياة سواء .
فأما النفس فما أبعد الفارق بين أن تعبد الوهم وأن تعبد الحقيقة !
{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ} [سورة فاطر 35/19-22]
هل يستوى من يخبط فى الظلمات خبط عشواء يبحث عن شئ يظنه ظناً ولا وجود له فى الحقيقة، ومن يمشى على النور إلى وجهة يعلمها ويتوخاها ويسير قاصداً إليها ؟
{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)} [سورة الملك 67/22]
أيهما أضبط حركة وأيسر مسيراً ؟!
أيهما أروح نفساً وأكثر طمأنينة ؟!
ثم إن النفس البشرية فى رحلتها على الأرض لتواجه أسئلة ترد – لا محالة – على الفطرة وتلطب الجواب .
من خالق هذا الكون ؟
من أين جئنا ؟
إلى أين نذهب بعد الموت ؟
من يدير الكون وينشئ الأحداث ؟
لأى شئ نعيش ؟
أفمن يملك دليل الرحلة يدله إلى معالم الطريق أهدى أم من يخبط خبط عشواء بلا دليل ؟
أيهما أضبط حركة وأكثر طمأنينة .. من له غاية موحدة يهدف إليها يحدوه حاد واحد إليها، أم من له غايات متعددة متضاربة يحدوه إليها حداة مختلفون كل يدعو إلى طريق ؟
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} [سورة الزمر 39/29]
{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)} [سورة يوسف 12/39]
ثم .. أيهما أكثر كرامة ؟!
من يعبد الله الحق، ويتحرر – من ثم – من عبادة الأرباب الزائفة كلها . ويستعلى عليها، ويحس بوجوده الإيجابى تجاهها، سواء كانت بشراً طاغين فى الأرض بغير الحق، أو كانت " قوى " مادية أو معنوية، أو كانت " حتميات " زائفة كالحتمية المادية أو الحتمية الاقتصادية أو الحتمية التاريخية، أو كانت أهواء وشهوات ذاتية .. أم من يعبد هذه الأرباب الزائفة المتفرقة ويخضع لسلطانها فتستعبده بذلك السلطان ؟!
ثم .. أيهما أكثر كرامة ؟!
من يعبد الإله الذى يكرمه ابتداء ويمنحه الوجود ويمنحه المكانة العالية .
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)} [سورة الإسراء 17/70]
أم من يعبد الآلهة التى تستعبد أصحابها فتذلها وتسلبها الإرادة وتسلبها الوجود ؟
ذلك أمر " النفس " مع عقيدة التوحيد .
الاستبصار والأمن والكرامة وتوحد الهدف وتوحد الطريق .
وإن النفس التى تعبد الله الحق، وتطمئن بذكره وعبادته، وتعرف دليل رحلتها على الأرض، من أين وإلى أين، لتتوحد طاقتها وتترتب ذراتها كما تترتب ذرات الحديد فى قطعة المغناطيس، فتصبح طاقة كونية هائلة بدلاً من أن تصبح بدداً ضائعاً فى التيه .
أما الحياة البشرية – حياة المجموع البشرى – فميزانها كذلك هو التوحيد .
من الذى يرسم للبشرية منهج الحياة ؟ من الذى يقول هذا حلال وهذا حرام ؟ هذا مباح وهذا غير مباح ؟ هذا حسن وهذا قبيح ؟ هذا طيب وهذا خبيث ؟!
إنه – من جهة – حق الإله الحقيقى على عباده، وليس حق الآلهة المدعاة، فبما أنه هو الخالق فهو – سبحانه – صاحب الأمر : {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف 7/54]
ثم أنه – من جهة أخرى – حق العليم الخبير، وليس حق الجهال المحدودى الأفاق : {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)} [سورة البقرة 2/216]
وفى عقيدة التوحيد تكون الحاكمية – أى حق التحليل والتحريم والإباحة والمنع – لله وحده دون شريك .
وفى الجاهلية تكون الحاكمية للبشر، مع الله، بخلط شئ من التشريع الإلهى مع شئ من التشريع البشرى، أو من دون الله، بنبذ التشريع الربانى جملة واتخاذ شرائع كلها من صنع البشر، سواء كان البشر فرداً حاكماً بأمره، أو فرداً حاكماً بمشورة طائفة غيره من البشر، أو كانوا كل البشر على السواء ..
وكل ذلك إشراك مع الله وكفر بالله " ":
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [سورة الشورى 42/21]
{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [سورة الأعراف 7/3]
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)} [سورة المائدة 5/44]
ويختلف الأمر اختلافاً بيناً ما بين عقيدة التوحيد، التى تجعل الحاكمية لله، وعقائد الشرك والكفر التى تجعل الحاكمية للبشر مع الله أو من دون الله .
يختلف أولاً من ناحية الكرامة البشرية، ويختلف ثانياً من ناحية الواقع البشرى . فأما من ناحية الكرامة البشرية ففى عقيدة التوحيد، التى تجعل الحاكمية لله، يكون الناس عبيداً لله وحده – وهو الكريم المركم – متحررين من كل عبودية لغير الله، مستعلين بوجودهم على الطواغيت . وفى عقائد الشرك والكفر، التى تجعل الحاكمية للبشر مع الله أو من دون الله، يكون بعض البشر أرباباً وهم المالكون المسيطرون المشرعون، وبعضهم عبيداً لأولئك الأرباب . وهم الذين يقع عليهم سلطان الطواغيت .
وأما من ناحية الواقع البشرى فالعدل والرشد هو طابع الحياة فى ظل عقيدة التوحيد التى تجعل الحاكمية لله، والظلم والتخبط هو طابع الحياة فى ظل عقائد الشرك والكفر التى تجعل الحاكمية للبشر مع الله أو من دون الله .
فأما الظلم فينشأ – دائماً – فى الجاهلية من كون الذين يشرعون – سواء كانوا فرداً أو طبقة " " يشرعون لمصلحتهم الخاصة على سحاب مصالح الآخرين .
وأما التخبط فينشأ من عجز البشر عن الإحاطة بالأمر سمن كل جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والمادية والروحية .. الخ، وعجزهم عن رؤية النتائج المستقبلة المترتبة على أعمالهم الحاضرة فمهما قدروا وتخيلوا فإن الواقع العملى يأتى دائماً مخالفاً لما قدروه وتخيلوه فى بعض جوانبه أو فى كل جوانبه، وتنبت دائماً مشاكل جديدة من الحلول المبتسرة التى يواجهون بها مشاكلهم، لم تكن فى حسبان الذين وضعوا هذه الحلول . وهكذا تظل الحلقة المفرغة : مشكلات قائمة، وحلول مبتسرة تنبت منها مشكلات جديدة توضع لها حلول مبتسرة جديدة ‍وهذا إذا أحسنا الظن بواضعى الحلول وافترضنا أنهم مخلصون فى وضع ما يضعون من حلول وأنهم لا يخططون لإيقاع البشرية فى الخبال لغايات شريرة " "
بينما تقوم شريعة الله على العدل، لأن الله –س سبحانه – ليست له مصلحة ذاتية يطلبها من وراء تلك الشريعة، وهو الغنى الحميد، مالك الملك كله الذى لا تنفد خزائنه . إنما يريد الله الخير لعباده والبر بهم والزكاة والطهر والنظافة والارتفاع .
{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)} [سورة النساء 4/27]
كما أن شريعة الله تتسم بالرشد، لأن منزلها – سبحانه – هو اللطيف الخبير، الذى يعلم حقيقة النفس البشرية التى خلقها {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [سورة الملك 67/14] ويعلم ما يصلحها وما يصلح لها، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة الذى لا يند عن علمه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض، والذى يحيط علمه بالماضى والحاضر والمستقبل فى كل لحظة من لحظات هذا الوجود كله، فينزل التشريعات التى يعلم – سبحانه – أنه يتحقق منها الخير ولا يقع منها الشر، والتى تكون فى كل لحظة مناسبة لما نزلت من أجله .
والتوحيد يشمل ذلك كله .. يشمل العقيدة التى تستقيم بها النفس، والشريعة التى تستقيم بها الحياة .
إذ التوحيد – الذى يقوم عليه الدين المنزل من عند الله – هو توحيد الله فى ذاته وتوحيده فى صفاته وأفعاله . ومن صفاته التى ينفرد بها – سبحانه – أنه صاحب الخلق وصاحب الأمر كما مر بنا فى آية الأعراف .
{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف 7/54]
وأن الحكم – أى الحاكمية – له وحده فى كل شئ .
{إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40)} [سورة يوسف 12/40]
أما الشرك – المقابل للتوحيد – فهو يقع إما فى العبادة – بمعنى التوجه لغير الله بالشعائر التعبدية مع الله أو من دون الله – وإما فى الاتباع – بمعنى التحريم والتحليل والمنع والإباحة من دون الله وبغير إذن من الله – أو فيهما جميعاً كما فى آية النحل :
{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [سورة النحل 16/35]
والتوحيد هو الذى يصلح الأرض، والشرك هو الذى يحدث الفساد الذى ينهى الله عباده عنه :
{وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56)} [سورة الأعراف 7/56]
إذا علمنا ذلك لكه، وهو من بديهيات الدين المنزل من عند الله، استطعنا أن ندرك مدى التحريف البشع الذى أحدثته الكنيسة فى دين الله المنزل على عيسى ابن مريم، سواء فى تشويه العقيدة بقضية التثليت وتأليه عيسى عليه السلام، أو بفضل العقيدة فى ذلك الدين عن الشريعة، وتقديمه للناس عقيدة منفصلة خلواً من التشريع إلا القليل، واستطعنا أن ندرك مدى الشرك – فى العقيدة والاتباع معاً – الذى أدخلته الكنيسة على دين التوحيد الذى يلتقى فيه الرسل جميعاً من أولهم إلى خاتمهم عليه الصلاة والسلام.
{شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [سورة الشورى 42/13]
ذلك الشرك الذى أشار القرآن إلى أحد طرفيه فى هاتين الآيتين :
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [سورة المائدة 5/72]
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [سورة المائدة 5/73]
وأشار إلى طرفيه معاً فى هاتين الآيتين :
{وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [سورة التوبة 9/30-31]
وأخيراً نستطيع أن ندرك أن ذلك الدين – بصورته المشوهة تلك – لم يكن صالحاً للحياة .
ومع ذلك فإن الكنيسة ورجالها لم يكتفوا بهذه الخطيئة الكبرى فى حق الدين السماوى، إنما أضافت إليها خطايا أخرى ومنكرات ‍‍!

ثانياً: طغيان الكنيسة ورجال الدين :
حولت الكنيسة دين الله المنزل إلى روحانيات صرفة أو روحانيات غالبة بقصره على شعائر التعبد ومشاعر التبتل والخشوع والتقوى، وإبعاد الجانب الذى يحكم الحياة العملية – أى الشريعة – إلا قليلاً منه، وترك هذا الجانب لقيصر، ويتصرف فيه بمقتضى القانون الرومانى غير متقيد بما أنزل الله .
وكان المظنون أن تكون مهمتها تعميق الجانب الروحى – الذى قصرت الدين عليه – وأن تكون وسيلتها إلى ذلك هى التربية الروحية التى تربط القلوب بالله، لتحبه وتخشاه .
ولكن الكنيسة لم تكتف بهذا الجانب – المنطقى مع تصورها وتصويرها للدين – بل مارست سلطاناً " دنيوياً" هائلاً يتنافى مع هذا التصور، ولا يفسره شئ فى حقيقة الواقع إلا رغبة الطغيان !
بل إنها – حتى فى الجانب الروحى البحت – قد مارست طغيانها الهائل، فأبت أن تتصل قلوب المؤمنين بربهم مباشرة بلا وسيط، وأصرت أن تكون هى وحدها – ولا سواها – الواسطة التى تتصل القلوب عن طريقها بالله !
ويجدر بنا أن نفصل هذا الطغيان إلى أبوابه المختلفة التى مارستها الكنيسة على العقول والأرواح والأبدان، مستغلة سلطانها على القلوب، الذى يصاحب الجانب الروحى عادة فى حياة الناس .
ونحتاج فى هذا الشأن أن نتحدث أولاً عن " رجال الدين " ثم نتحدث بعد ذلك عن طغيان رجال الدين، الذى اتخذ مظاهر متعددة أهمها :
الطغيان الروحى .
الطغيان العقلى والفكرى .
الطغيان المالى .
الطغيان السياسى .
الطغيان العلمى .
(1) رجال الدين :
لكل دين – سماوى أو غير سماوى – رجال يقومون بتلقين الدين للناس، وتعليمهم إياه، ويكونون – فى نظر الناس على الأقل – ألصق بأمور الدين وأعرف بها من سواد الناس الذين يكتفون – عادة – بممارسة ما يتلقونه من أولئك المعلمين دون تعمق فيه . وإذا كان هذا شأن كل دين – سماوى أو غير سماوى – فإن الدين المنزل من عند الله يفترق فى هذا الشأن عن الأديان المصنوعة على يد البشر فى خصلتين اثنتين على أقل تقدير .
الأولى : أن يكون الذين يعلمون الدين للناس أقرب فى سلوكهم إلى حقيقة هذا الدين ومقتضياته أى أكثر وعياً وأكثر إخلاصاً وأقرب إلى الله، كما كان المهاجرون والأنصار بالنسبة للجيل الأول من المسلمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
والثانية : أن يكونوا متفقهين فى أمر الدين ليجيبوا الناس على أسئلتهم التى تخطر لهم بشأنه، سواء فى الجانب التعبدى المتصل بالعقيدة والشعائر، أو الجانب العملى المتصل بالشريعة .
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [سورة التوبة 9/122]
وأمر طبيعى أن يكون مثل هؤلاء الرجال موضع التقدير والاحترام من بقية الناس، ولكنهم – بحكم طبيعة الدين المنزل من عند الله – لا يكونون موضع التقديس . أولاً : لأنهم يعلمون الدين الحق، والدين الحق يجعل التقديس لله وحده وليس لأحد من البشر، وثانياً : لأنهم يعلمون الدين بجانبيه : ما يتعلق منه بالعقيدة والشعائر وما يتعلق بتنظيم أمور الحياة الدنيا بمقتضى الشرع الربانى، فيخاطبون فى الناس جانبهم الروحى وجانبهم العقلى والعملى التطبيقى، فيظل ارتباط الناس بهم ارتباطاً واعياً لا سحر فيه ولا غموض ولا أسرار . ومن ثم لا يصبحون – فى حس الناس – وسطاء بينهم وبين الله، وإنما وسطاء بينهم وبين المعرفة الصحيحة بأمور الدين . وفرق بين الوساطتين كبير !
ومن ثم فلا يوجد فى الدين المنزل من يطلق عليهم " رجال الدين " إنما يوجد رجال صالحون من جهة، وعلماء وفقهاء فى الدين من جهة أخرى . وليس لهؤلاء ولا هؤلاء على الناس سلطان إلا سلطان المحبة والتقدير، ومكان القدوة الصالحة فى النفوس .
وحقيقة أن موسى عليه السلام – بوحى من ربه – قد ناط بكل سبط من أسباط بنى إسرائيل الاثنى عشر أعمالا معينة يتوارثونها بينهم، ومن بينها إقامة الشعائر والنسك مما أوجد فيهم كهانة وكهانا .. ولكن هذا كان أمرا تنظيميا فيما بين الأسباط لربط بنى إسرائيل بعضهم ببعض حتى لا يتفرقوا ولا يختلفوا فيما بينهم، ولم تكن كهانة للدين ذاته، أى وساطة بين بنى إسرائيل وبين الله .
أما الأديان الموضوعة فلها شأن آخر ..
إنها أولا أديان موضوعة لا تعرف الله الحق ولا تعرف الناس به . ومن ثم فإن مفهومها الدينى ليس هو المفهوم الصحيح، والقداسة فيها ليست وقفا على الله وحده كما ينبغى فى الدين الحق .
وهى ثانيا تتكئ على الجانب الروحى : جانب العقيدة والشعائر والنسك، أكثر بكثير من الجانب العقلى والعملى التطبيقى – إن اهتمت بهذا الأمر على الإطلاق – ومن ثم يصبح ارتباط الناس بهم ارتباطا روحيا ووجدانيا خاليا تقريبا من الوعى، أو – عند البسطاء من الجماهير – خاليا من الوعى على الإطلاق .
ومن هنا يصبح فى هذه الأديان كهان أو رجال دين يمارسون سلطانا روحيا هائلا على الجماهير، وتحيط بهم هالة من الغموض والأسرار .. ويصبحون هم الوسطاء بين الناس وإلههم الذى يعبدون !
وقد كان هذا هو شأن المسيحية المحرفة التى وضعتها الكنيسة الأوروبية .
إنها دين وضعى وإن تمسح بالمسيح عيسى ابن مريم وبالوحى الربانى . وزعم أنه من عند الله .
ومن ثم كانت له كهانة، وكان له رجال دين .. وكان هؤلاء الكهان – والبابا على رأسهم – وسطاء بين الناس وبين الله !
لقد حاولت الكنيسة أن تسند وجودها وسلطانها إلى المسيح عليه السلام، إما بتأويل كلمات قالها بالفعل تأويلا يناسب أهدافها، وإما باختراع كلمات لم يقلها وإلصاقها به، كما فعلت فى قضية البنوة والتألية، وإعطاء قانون قيصر شرعية كشريعة الله .
تزعم الكنيسة أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين : أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها . وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا فى السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا فى السموات " " وأنه قال : " أنى أهب سلطانى لكنيستى "
ورتبت الكنيسة على هذا لزعم أن المكان الذى مات فيه بطرس – وهو روما – لابد أن يكون مقرا للنفوذ الدينى الذى يبسط ذراعيه على الأرض كلها ممثلا فى الكنيسة، وإن ما تقوله الكنيسة – ولعلى رأسها البابا – واجب الطاعة لأنه من أمر الله .
ولكن القضية كلها قائمة على أساسين واهبين هاويين :
قائمة على أساس أن المسيح عليه السلام ذو طبيعتين إحداهما لاهوتية والأخرى ناسوتية، ومن ثم فهو إله وبشر فى ذات الوقت، وهو على هذه الهيئة وسيط بين البشر ذوى الطبيعة الناسوتية الخالصة والإله ذى الطبيعة اللاهوتية الخالصة !! فهو ليس رسولا يبلغ وحى الله للناس – كما هو فى الحقيقة – إنما هو حلقة وسيطة تمر بها مشاعر الناس وأعمالهم لكى تصل إلى الله، كما تمر من خلاله كلمة الله إلى الناس !
وقائمة – من بعد – على أساس أن الكنيسة هى وريثة المسيح، ومن ثم فإن لها ذات الوضع وذات السلطان الذى كان للمسيح، فهى مقدسة، و" قداسة " البابا – ومن يكل الأمر إليهم من الكرادلة وغيرهم – هم الوسطاء الذين تمر بهم مشاعر الناس وأعمالهم لكى تصل إلى الله، كما تمر من خلالهم كلمة الله إلى الناس !!
وكلا الأمرين لا يقوم على أساس فى دين الله ..
فالرسل فى دين الله هم رسل فحسب .
{قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (93)} [سورة الإسراء 17/93]
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [سورة آل 3/144]
{قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَي} [سورة الأنعام 6/50]
{قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)} [سورة الأعراف 7/188]
وعيسى ابن مريم عبد الله ورسوله :
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (173)} [سورة النساء 4/171-173]
إنما وقع الخلط عندهم من أنهم قالوا : " فى البدء كان الكلمة . والكلمة كان الله " .. فجعلوا كلمة الله هى اله ! وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون آدم كذلك هو الله – نستغفر الله – لأنه كلمة الله : {قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [سورة آل 3/59] ولأن الله نفخ فيه من روحه : {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} [سورة ص 38/72]
أما القولة التى نسبوها إلى المسيح وأولوها على هواهم فهى لا تعنى أن تكون هناك كنيسة بالمعنى الذى صار إليه الأمر فى الكنيسة الأوروبية ولا رجال دين لهم وجود متميز وسلطان على المؤمنين بذلك الدين . إنما هى على فرض صحتها لا تعنى أكثر من قول الله عن المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم : {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة المنافقون 63/8] فهى عزة يمنحها الله للمؤمنين بدينه، يعتزون بها فى الأرض على الكفار والمنافقين، وليست سلطانا ذاتيا يمارسونه على المؤمنين ! ولكن على هذا الفهم الخاطئ والتأويل المعوج سارت الأمور فى المسيحية المحرفة فصار لها كنيسة ورجال دين " " يرأسهم " قداسة " البابا ويرسمهم ذلك البابا أى يضعهم فى مناصبهم، وصار لهم على الناس ذلك السلطان المعروف فى التاريخ الأوروبى الذى لم يكن سلطانا عاديا، وإنما وصل إلى حد الطغيان المتعدد الألوان .
(2) طغيان رجال الدين :
(أ) الطغيان الروحى :
أشرنا من قبل إلى أن الطغيان الروحى هو من طبيعة الأديان الموضوعة التى تركز على الجانب الروحى . كذلك كان الأمر مع سحرة فرعون . وهم كهنته فى ذات الوقت .. الذين يروى القرآن عنهم .
{أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [سورة الأعراف 7/116]
وكذلك كان الأمر مع كهنة الديانات الوضعية القديمة كلها . فالكاهن محوط بالأسرار والغموض، على أساس أن له صلة خفية بالإله المعبود، ومن ثم ففيه عنصر إضافى غير بقية البشر العاديين يتيح له لك السلطان المرهوب على القلوب، لأنه يملك – فى حسهم – أن يستنزل رضا الرب وغضبه على السواء ..! وبعد قليل يصبح غضبه – فى حسهم – كأنما هو غضب الرب، وكذلك رضاه !
وإذا كان الأمر لم يصل فى المسيحية المحرفة إلى صورة السحر المادى لأن لها أصلا سماويا على أى حال، فقد كان دور رجال الدين فيها قريبا من دور الكهنة فى الديانات الوثنية الخالصة " " وكان لهم سلطان روحى طاغ على الناس بوصفهم الوسطاء بينهم وبين الله . فالطفل لا يعد مسيحيا حتى يعمد . والتعميد لا يتم إلا على يد الكاهن . ومن ثم تبدأ حياة المسيحى بتلك الوساطة الكهنونية التى تدخله – ابتداء – فى الدين . ثم يظل حياته كلها مرتبطا بالكاهن . هو الذى يزوجه، وهو الذى يصلى به صلاة الأحد فى الكنيسة ن وهو الذى يتقبل اعترافه بخطاياه ويتقبل توبته (وإلا فلا توبة ومن ثم لا غفران !) ثم هو الذى يصلى عليه فى النهاية حين يموت . فهو من مولده إلى مماته مرتبط بالكاهن ذلك الرباط الذى يمثل فى حسه الكوة المفتوحة على عالم الغيب، والصلة التى تصل قلبه بالله ! ولا يستطيع مهما كانت حرارة وجدانه أن يعقد صلة مباشرة بالله بعيدة عن سلطان الكاهن أو غير معرضة لتدخله فى أى وقت من الأوقات !
فإذا كان هذا سلطان الشماس الصغير فى القرية (الأبرشية) فما بالك بالأسقف وما بالك بالكردينال !؟
ثم ما بالك برئيس هؤلاء جميعا الذى يجلس على عرش البابوية هناك فى مقر السلطان ؟!
أو تعجب إذن إذا قيل لك إنه " قداسة " – البابا – وإنه المتحدث باسم الرب الإله فى الأرض .. وإنه مقدس الذات ومقدس الكلمات ؟!
ثم هل تعجب – من جهة أخرى – إذا رأيت رجال الدين قد طغوا فى الأرض بغير الحق، وقد أوتوا على القلوب ذلك السلطان ؟!
إن السلطان بطبيعته يطغى : {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)} [سورة العلق 96/6-7] ولا يحد من هذا الطغيان إلا تقوى الله وصدق الإيمان به : {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)} [سورة الحـج 22/41]
فإذا فرغت القلوب من التقوى .. فما الذى يمنع الطغيان ؟
ولقد كانت قلوب أكثرهم خالية من التقوى كما يشهد كتابهم ومؤرخوهم . عباد دنيا .. عباد مال ونساء وشهوات .. لذلك كان الدين بالنسبة إليهم حرفة يحترفونها، وسبيلا يلجونه ليوصلهم إلى المناصب ذات المكانة الرفيعة فى المجتمع وذات السلطان .
ولذلك كان طغيانهم من أبشع ألوان الطغيان فى التاريخ .. وكان حقا على أوروبا – حين تنورت – أن تخلع هذا السلطان الطاغى وتنسلخ منه، إحساسا بالكرامة وفرارا من الذل والهوان ..وإن كانت قد تحركت – فى هذا الأمر وفى غيره – حركات هوجاء بعيدة عن المنطق والرشد، أخرجتها من ضلال إلى ضلال .
يصف تشارلس ديكنز فى قصة المدينتين التى يتحدث فيها – بطريقة روائية – عن مقدمات الثورة الفرنسية والأحوال التى هيأت لقيامها، مشهدا من مشاهد ذلك الإذلال الروحى الذى كان يمارسه رجال الدين على الناس، أو الذل الروحى الذى كان يمارسه الناس لرجال الدين – وكلاهما سواء فى دلالته – فيصف شارعا من شوارع باريس وهى يومئذ غيرها اليوم .. والمطر ينهمر بقوة، والشارع مملوء بالطين والأقذار والوحل، وموكب الكاردينال على حصانه يمر فى الطريق، والناس محتشدة على الصفين ترقب ذلك المشهد بقلوب خائفة واجفة، وتنتظر اللحظة الهائلة التى يحاذى الموكب فيها رؤوسهم، فتهوى هذه الرؤوس خشوعا – أو مذلة !! – للموكب الموقر، وتظل تهوى حتى تلتصق بالأرض .. فى الوحل والطين والقاذورات !
بأبى أنت وأمى يا رسول الله !
" لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم " " "
" إنما أنا ابن إمرأة من مكة كانت تأكل القديد " " "
ولم يكن ذلك هو الباب الوحيد للطغيان الروحى الذى مارسته الكنيسة ورجال الدين .. فى صلب العقيدة المسيحية كانت هناك أبواب للطغيان ..
فهناك " الأسرار " التى لا يعلم تأويلها إلا الراسخون .. لا فى العلم ولكن فى الكهنوت !
أسرار التثليت .. والعشاء الربانى الذى يتحول فيه جسد المسيح إلى خبز ودماؤه إلى خمر ! وما إلى ذلك من معتقدات وطقوس .
ولئن كانت هذه القضية داخله فى الطغيان العقلى والفكرى – من حيث حظر التفكير فيها ومناقشتها، ووجوب التسليم الأعمى بها، وسنتكلم عنه بهذه الصفة هناك – فإننا نتحدث هنا عن جانبها الروحى . ذلك أنها عندهم من صلب العقيدة .. والمفروض فى العقيدة أن تكون خالصة بين القلب البشرى وبين الله لا يعترضها فى الطريق معترض، لأنها هى الصلة المباشرة التى تربط قلب المؤمن بالله .. إنما ينزل الله كلماته على رسله لتبين للناس حقيقة الألوهية .. ثم ينعقد الإيمان فى داخل القلب البشرى فيتجه مباشرة إلى الله .
وبصرف النظر عما فى تلك " العقيدة " من زيف ما أنزل الله به من سلطان، فإنها – عندهم – هى العقيدة ! بل هى العقيدة الصحيحة التى لا يقبل من أحد سواها ! وليس المفروض فى العقيدة الصحيحة أن تحتوى على أسرار مغلفة لا يعرف حقيقتها إلا فئة معينة من الناس محدودة العدد محدودة الذوات ! إنما كان يحدث هذا فى الديانات الوثنية السالفة، حيث الأوهام بديل من الحق، وحيث الأسرار تحيط بالأوهام، ليظل الناس خاضعين لها لا يفيقون من سحرها، ولا يتمردون على كهنتها الذين فى أيديهم – وحدهم – وصل القلوب بالأسرار، بطريقة خفية لا تدركها الأفهام ولا الأبصار !
وإذ كانت مسيحية الكنيسة فى حقيقتها دينا من صنع الكنيسة، أو من صنع بولس الذى قدمها لأوروبا فقد احتوت شيئا من طبيعة تلك الدينات الوثنية التى وضعها البشر من قبل، فتضمنت تلك الأسرار التى لا يملك مفتاحها إلا أصحاب القداسة العليا .. أو هكذا يقولون للناس ! فما يملك مفتاحها أحد فى الحقيقة لأنها وهم لا وجود له على الإطلاق !
ومارست الكنيسة طغيانها الروحى كاملا فى هذا الجانب، فقالت للناس : لن تؤمنوا بالله حتى تؤمنوا بتلك الأسرار .. ثم قالت لهم إن مفتاح تلك الأسرار عندنا نحن ولن نعطيه إلا لمن نختار !!
(ب) الطغيان العقلى والفكرى :
إذا عدنا لتلك الأسرار ذاتها، وموقف الكنيسة منها، وجدنا هذا الموقف ينطوى على لون آخر من الطغيان غير الطغيان الروحى .. مارسته الكنيسة لا على أرواح الناس هذه المرة ولكن على عقلوهم وأفكارهم، حين فرضت عليهم هذه الأسرار فرضا ومنعتهم من مناقشتها، واعتبرت المناقش فيها أو الشاك فى أمرها كافرا مهرطقا وجبت عليه ال***ة الأبدية .. وخرج من رضوان البابوية فخرج – من ثم – من رضوان اله !
ولقد كانت تلك الأسرار كلها منافية للمنطق ومنافية للعقل . ولا شك أن واضعيها كانوا يعلمون ذلك أو يحسونه على أقل تقدير، ويحسون أنها لو نوقشت – بالعقل والمنطق – فلن تصمد للنقاش ! وإذ كانوا يصرون عليها، وعلى أنها هى الحقيقة – تضليلا بوعى أو ضلالا منهم بغير وعى – فلك يكن أمامهم إلا أن يستخدموا سلطانهم الطاغى لمنع المناقشة فى هذه الأمور لكى لا تنكشف عن وهم لا وجود له إلا فى أذهان واضعيه أو لا وجود له حتى فى أذهان واضعيه !
ويذكرنى هذا بحق الاعتراض " الفيتو " الذى تمارسه الدول " الكبرى " فى الجاهلية المعاصرة ! فما إن تشعر إحدى تلك الدول أن نقاشا ما سيحرجها أو يكشف زيف موقفها وبعده عن الحق، حتى تبادر بإسكات الألسنة باستخدام " الفيتو " فيسكت المناقشون صاغرين !
ولئن كان هذا طغيانا تمارسه القوى الطغيانية التى تسمى نفسها الدول العظمى فى الجاهلية المعاصرة فقد كان طغيان الكنيسة فى جاهلية القرون الوسطى – المظلمة فى أوروبا " " " – أنكى وأشد، فقد كانت تمارسه فى أمر يمس العقيدة وهى ضرورة بشرية لا غنى عنها للبشر، الذين خلقوا – بفطرتهم – عابدين، والذين تظل فطرتهم – بما أودع الله فيها – تبحث عن الله لتتجه إليه بالعبادة وتقدسه فى علاه .
وحين كان أى عقل مفكر يتجرأ فيسأل – مجرد سؤال – عن ماهية هذه الأسرار، ولو كان سؤاله من أجل الإيمان بها أو الاطمئنان الذى يزيد الإيمان، كانت الكنيسة تسارع إلى زجره عن هذا الإثم الذى يهم به، والذى يوقعه لا شك فى المهالك ! وتقول له إن هذا أمر خارج عن نطاق العقل . إنما يسلم المؤمن به تسليما بغير نقاش !
وهنا وقفة ربما كانت ضرورية فى هذا الشأن .
فقد يخطر على البال قوله تعالى : " هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وآخر متشابهات . فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله . والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وما يكر إلا أولوا الألباب " وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى الله " " "
وقد تعرض هذه القضية من أساسها : هل الدين من شأن العقل أم من شأن الوجدان ؟ وما دور العقل فيه إن كان له دور على الإطلاق ؟ وهل عليه – من أجل الإيمان – أن يسلم تسليما أعمى بكل ما يأتيه عن طريق " الدين " أم له أن يناقش ويطلب الدليل ؟
ونبدأ أولا بالنص القرآنى فنجد فيه إشارة إلى المحكم والمتشابه . ويجمع المفسرون والعلماء على أن أصول العقيدة – وكذلك أحكام الشريعة – هى من المحكم الذى لا يدخل التشابه فيه . وأن الأمور المتشابهة – التى لم تحددها الآية، والتى اختلف المفسرون فى تحديدها، والتى منها على سبيل المثال الصورة المفصلة لأحوال الجنة وأحوال النار، وصفة العرش وما إلى ذلك من الأمور – وهم ليسوا فئة محددة كفئة رجال الكهنوت – لا يزعمون أن عندهم تأويلها، ولا أن تأويلها سر خاص بهم يحتجزونه عن الناس ثم يطالبونهم بالإيمان به بلا دليل . بل تنص الآية على أن الله وحده هو الذى يعلم تأويلها – أى حقيقتها – لأنه – سبحانه – هو العليم الخبير الذى يعلم كل شئ على إطلاقه، إنما الراسخون فى العلم يسلمون فقط بأن الآيات كلها – محكمها ومتشابهها – من عند الله، ويعلمون أن علم هذه المتشابهات هو عند الله وحده فيؤمنون بها على إطلاقها لأنها منزلة من عند الله، ولكنهم لا يزعمون لأنفسهم خصوصية فى التأويل، ولا يحتجزون لأنفسهم شيئا من العلم يحجبونه عن الناس .
وهذا أمر يختلف تمام الاختلاف عن موقف الكنيسة الأوروبية فى قضايا العقيدة . فقد جعلت تلك الأسرار من أصول العقيدة، ثم زعمت أن عندها وحدها مفاتيحها .. ثم قالت للناس : لن نعطيكم المفتاح ! ولكن عليكم أن تؤمنوا بها كما نقدمها لكم دون سؤال ولا نقاش ! وإلا فأنتم زائغو العقيدة مهرطقون .. وعليكم ال***ة إلى يوم الدين!
إن الكنيسة هنا وضعت نفسها فى موضع الإله، بل افترضت لنفسها على الناس ما لم يشأ الله سبحانه وتعالى أن يفترضه لنفسه على عباده رحمة بالناس ! فالله – وحده – هو الذى يحق له أن يتعبد عباده بأمور ليس من الضرورى أن يدركوا حكمتها، ليعلم – سبحانه – من يطيعه بالغيب . ولكنه – من رحمته – قد جعل ذلك فى أمور التعبد وليس فى أمور العقيدة التى جعلها الله سهلة وميسرة ومفتوحة بلا ألغاز ولا غموض، ليستوعبها كل قلب ويطمئن إليها كل قلب . أما الكنيسة فجعلت ذلك فى أمور العقيدة، وجعل لنفسها حقوقا أكثر مما افترض الله على العباد !
ثم نعرج على الحديث الشريف فنجد أن فيه نصيحة للبشر أن يتعرفوا على الله سبحانه من خلال آياته الدالة على وحدانيته، والدالة على تفرده فى كل شئ بلا شريك . وألا يحاولوا أن يتفكروا فى ذات الله لكيلا يضلوا ولا يهلكوا .
هل هو حجر على العقل البشرى أن يبحث وأن يناقش وأن يعرف ؟
كلا ! فالدعوة إلى التفكر واردة فى أول الحديث . " تفكروا فى آيات الله " إنما هو بيان لمنهج الصحيح للتفكير، ودعوة إلى صيانة العقل البشرى أن تتبدد طاقته فيما لا طائل وراءه !
فماذا يملك العقل البشرى أن يحيط به من ذات الله التى لا يحدها زمان ولا مكان ولا بدء ولا انتهاء ؟
وإلى أى شئ وصل العقل البشرى فى أمر الذات الإلهية حين خالف النصيحة ومضى يخبط فى الظلمات ؟ إلى أى شئ وصلت الفلسفة فى القديم أو الحديث، وإلى أى شئ وصل علم الكلام بعد المعاظلات الذهنية التى لا تؤدى إلى شئ إلا إجهاد الذهن بلا نتيجة ؟!
إن العقل ليعجز عن إدراك " الكنه " حتى فى أمور الكون المادى، فيكتفى بتسجيل الظواهر دون الدخول فى الكنه، فكيف بالخالق الذى لا تحده الحدود ؟
كلا ! إنها الصيانة وليست الحجر .. ومن خالف النصيحة فليضرب فى التيه !
أما العقيدة فمن ذا الذى حرج على العقل أن يدلى فيها بدلو ويكون فيها له نصيب ؟
فأما الإسلام فقد دعا العقل دعوة صريحة إلى التفكير والتدبر ليصل فى أمر العقيدة إلى اليقين .. بل نعى على الذين يرفضون التفكير، اتباعا للهوى، أو اتباعا لما ورثوه من عقائد الآباء والأجداد، أو إغلاقا للحس والبصيرة، عن التأمل والتفكير :
{بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [سورة الروم 30/29]
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170)} [سورة البقرة 2/170]
وجاء فى وصف عباد الرحمن نفى للصفة الذميمة عنهم وهى إغلاق الحس والبصيرة ن التفكير :
{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73)} [سورة الفرقان 25/73]
أى لم يوصدوا عقولهم عن التفكير الذى يؤدى إلى معرفة الحق .
كذلك يوصف المؤمنون بأنهم " أولو الألباب " وأنهم هم الذين يتفكرون فى خلق السماوات والأرض فيهديهم التفكر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وخلق السماوات والأرض بالحق لا بالباطل :
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)} [سورة آل 3/190-191]
كما ينبغى على الذين لا يتدبرون القرآن ولا يتفكرون فيما يحويه من الآيات :
{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)} [سورة النساء 4/82]
{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [سورة محمد 47/24]
والأدلة العقلية والجدل العقلى كثير فى القرآن :
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء 21/22]
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)} [سورة المؤمنون 23/91]
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35)} [سورة الطور 52/35]
ويشهد الترايخ أن " العقل " فى ظل الإسلام قد قام بنشاط فكرى ضخم فى كل اتجاه، ولكننا نعود فنسأل، لنحدد بالضبط جريمة الكنيسة الأوروبية فى الحجر على الفكر البشرى : ما دور الوجدان وما دور العقل فى قضية الإيمان ؟ وهل هناك أمور يختص بها الوجدان وليس للعقل فيها إلا التسليم ؟
إن الدين – كما نعرف صورته فى الوحى المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم – يخاطب الإنسان كله: وجدانه وعقله فى آن . وقد يكون الوجدان أوسع الأوعية البشرية التى تستوعب أمر العقيدة وقضية الإيمان . ولذلك فإن الخطاب الوجدانى هو الغالب فى السور المكية التى يتركز الحديث فيها على العقيدة . والقرآن يستثير الوجدان البشرى بالطرق على جميع نوافذ القلب والتوقيع على جميع أوتاره، ثم – بعد استثارته – يلقى إليه الحقيقة المتعلقة بالعقيدة، فينفعل بها القلب، وتصل منه إلى القرار .. ويكفينا مثال واحد من سورة الأنعام :
{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)} [سورة الأنعام 6/95-99]
ولكن هذا ليس معناه أن الوجدان يستقل بأمر العقيدة .. وليس معناه أن الدين يفرض على العقل – فى شأن العقيدة – أمورا لا يستسيغها ولا يتقبلها، ويطلب منه أن يسلم بها تسليما أعمى بل دليل .
فأما ما يتصل بالذات الإلهية فنعم .. لا يملك العقل أن يستوعب . والوجدان أقدر على الاستيعاب من العقل المقيد فى تصوره بحدود الزمان والمكان والبدء والانتهاء .
ولكن الدين لم يطالب الإنسان – من أجل أن يؤمن بالله – أن يتفكر فى الذات الإلهية التى يعجز عن الإحاطة بها، إنما طالبه بالتفكر فى آيات الله التى تستجيش النفس بدلالاتها الواضحة على تفرد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية، فيؤمن الإنسان بالله الواحد الذى لا شريك له، ثم تستقيم حياته بمقتضى ذلك الإيمان .
ومن ثم يشترك العقل والوجدان معا فى أمر العقيدة، كل يؤدى دوره على طريقته .. وفى النهاية يستقر الإيمان فى القلب، ويصبح حقيقة واقعة فى كيان الإنسان، تتبدى فى فكره وشعوره وسلوكه على السواء .
وإذن فادعاء الكنيسة أن العقل لا ينبغى له أن يسأل وأن يناقش فى أمر العقيدة، وإنما عليه أن يسلم تسليما أعمى ويترك الأمر للوجدان، وهو ادعاء ليس من طبيعة " الدين " كما أنزله الله . إنما كان هذا من مستلزمات الأديان الوثنية التى تحوى أوهاما لا يمكن أن يسيغها العقل لو فكر فيها، فتسكت صوت العقل وتمنعه من التفكير، بالسحر تارة، وبالتهديد بغضب الآلهة المدعاة تارات !
وإذا كان هذا الأمر – وهو إسكات صوت العقل ومنعه من التفكير – غير مستساغ حتى فى بداوة الإنسان أو ضلالة البشرية، فهو من باب أولى غير مستساغ فى دين تزعم الكنيسة أنه هو الدين المنزل من عند الله، وأنه يمثل مرحلة راشدة فى تاريخ البشرية !
ولو كانت هذه الأسرار من الدين حقا، ولو كانت من أمور العقيدة التى يلزم الإيمان بها، ما منع الله الناس أن يناقشوها بعقولهم ليتبينوا ما فيها من الحق ويؤمنوا به ! فإن الله لا يقول للناس – فى وحيه المنزل – آمنوا بى دون أن تفكروا وتعقلوا . ولا يقول لهم : إنى سأضع لكم الألغاز التى لا تسيغها عقولكم ثم أطالبكم أن تخروا عليها صما وعميانا لا تتفكرون ن وإلا طردتكم من رحمتى !
إنما يقول الله للناس من خلال القول الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } [سورة سبأ 34/46]
ويندد بهم حين لا يتفكرون ولا يتدبرون : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [سورة محمد 47/24]
ويناقش شبهاتهم، ويطالبهم بوضعها على محك المنطق السليم وأن يأتوا عليها بالبرهان .. حتى يتحصل لهم من الوعى ما ينفى كل شبهة ويجعل العقيدة مستقرة على يقين لا مجال فيه للتردد ولا للشك : {قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (64)} [سورة النمل 27/59-64]
ويرتب الإيمان على مجئ " البينات " وهى الأدلة الواضحة التى تبين الحق وتزيل الشك : {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي } [سورة غافر 40/66]
ويقيم الحجة على الناس قبل أن يطالبهم بالإيمان : {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [سورة النساء 4/165]
كلا ! لا يطلب الله من عباده التسليم الأعمى، إنما يطلب منهم التسليم البصير : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي} [سورة يوسف 12/108]
إنما كان الأرباب المزيفون – فى المجامع المقدسة وعلى " عرش " البابوية – هم الذين حرموا على العقل أن يفكر، وفرضوا عليه أن يسلم تسليما أعمى بأمور لا يستسيغها ولا يعقلها، وإلا كان من الكافرين !
ولم يكن للناس بد تحت هذا التهديد الطاغى ممن فى أيديهم – وحدهم – الوساطة بين الله وعباده – كما يزعمون ! – أن يسلموا تسليما أعمى بأسطورة التثليت وأسطورة العشاء الربانى وأسطورة الأب الذى صلب ولده فداء لخطيئة آدم .. وغيرها من الأساطير المفروضة عليهم، لكى يأمنوا غضب الوسطاء، المؤدى – فى وهمهم – إلى غضب الله، وأن يلتزموا بهذا الحجر البشع على العقول والأفكار عدة قرون .
ولكن ..هل كان من الممكن أن يستمر ذلك إلى الأبد دون أن تتمرد العقول المكبوتة وتدعو إلى حرية التفكير ؟!
(جـ) الطغيان المالى :
لم يكن " رجال الدين " من أهل التقوى والزهد كما يتوقع من القوم الذين حولوا الدين إلى روحانية غالبة ورهبانية وأمروا الناس أن يكتفوا بعيش الكفاف لكى يدخلوا الجنة ويجلسوا عن يمين الرب فى الآخرة ! وأبلغتهم أنه "من أراد الملكوت فخبز الشعير والنوم فى المزابل مع الكلاب كثير عليه " وأن " مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله " " " وأن " لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا فى مناطقكم، ولا فرودا لطريق، ولا ثوبين " " " ولا أحذية ولا عصا " " !
إنما كانت الكثرة منهم ممن فتنوا بالدنيا ونسوا الآخرة .
يقول " كرسون " فى كتاب " المشكلة الأخلاقية " .
" كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة، كل ذلك كان خيرا للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ . إما أساقفة البلاط والشخصيات الكهنوتية الكبيرة فقد كان لهم شئ آخر : البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء والشهرة فى المجالس الخاصة والعجلات والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب " " "
ويقول " ول ديورانت " :
" أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضى وأكبر السادة الإقطاعيين فى أوروبا . فقد كان دير " فلدا " مثلا يمتلك خمسة عشر ألف قصر صغير، وكان دير " سانت جول " يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان " ألكوين فيتور" " " سدا لعشرين ألفا من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذى يعين رؤساء الأساقفة والأديرة وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية .. وهكذا أصبحت الكنيسة جزءا من النظام الإقطاعى .
" وكانت أملاكها الزمنية، أى المادية، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحى متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين، ومصدرا للجدل وا***ف بين الأباطرة والبابوات " " "
وكانت مصادر تلك الأملاك متعددة، فمنها الأوقاف، ومنها العشور، ومنها الهبات ومنها الضرائب، ومنها السخرة .
فأما الأوقاف فقد كانت الكنيسة تستولى على أراض زراعية واسعة وتوقفها على نفسها لتنفق منها على الأديرة والكنائس وتجهيز الجيوش للحروب الصليبية أو الحروب التأديبية التى تقوم بها ضد الملوك والأباطرة الخارجين على سلطانها . وفى ذلك يقول ويكلف وهو من أوائل الذين ثاروا على الفساد الكنسى وطالبوا بالإصلاح الشامل : " إن الكنيسة تملك ثلث أراضى إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقى " " "
كما فرضت الكنيسة على اتباعها أن يدفعوا إليها عشر أموالهم ضريبة سنوية لا يملكون التملص منها تحت وطأة التهديد بالحرمان وغضب الرب !
يقول ويلز :
" كانت الكنيسة تجبى الضرائب . ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب، بل فرضت ضريبة العشور على رعاياها، وهى لم تدع إلى هذا الأمر بوصفه عملا من أعمال الإحسان والبر، بل طالبت به كحق " " " !
وفرض البابا يوحنا الثانى والعشرون بالإضافة إلى ذلك ضريبة جديدة سميت " ضريبة السنة الأولى " وهى دخل السنة الأولى لأية وظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية يدفع إلى الكنيسة بطريق الإجبار !
أما الهبات فهى هبات فى ظاهر الأمر فقط ! ولكنها تؤخذ بالإحراج والتوريط، والترغيب والترهيب ! وخاصة الهبات التى تمنح للكنيسة فى الوصايا التى يكتبها الناس قبل موتهم . فقد فرضت الكنيسة على الناس ألا يكتبوا وصاياهم إلا على يد القسيس ! وما دام القسيس حاضرا وقت كتابة الوصية فقد اصبح الواجب – من باب " المجاملة " على الأقل _ أن يهب الوصى شيئا من ماله للكنيسة حتى لا يكون مجافيا للذوق ! أو حتى يتحاشى ما هو أخطر من ذلك : غضب الأرباب المؤدى إلى غضب رب الأرباب !!
أما السخرة فقد كانت الكنيسة تفرضها على رعاياها بالعمل يوما واحدا فى الأسبوع بالمجان فى أراضى الكنيسة الواسعة . فيعمل التعساء ستة أيام فى الأسبوع ليجدوا خبز الكفاف لهم ولأسرهم، ثم يعملون اليوم السابع – يوم الراحة – سخرة فى أراضى الكنيسة لكى توفر الأخيرة أجور العمال التى كان المفروض أن تدفعها لقاء زراعة إقطاعياتها الواسعة وجنى حاصلاتها وتزداد بذلك اكتنازا وضراوة فى لطب المزيد من المال !
لقد كان من السهل على الكنيسة أن تمارس ذلك الطغيان المالى وهى تملك ذلك النفوذ الطاغى على أرواح الناس وعقولهم . فما هى إلا أن تصدر الأمر فيطيع العبيد صاغرين !
(د) الطغيان السياسى :
زعمت الكنيسة أن المسيح عليه السلام قد أعطى قيصر وحكمه شرعية الوجود، حين وضعت على لسانه هذه الكلمات : " إذن أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " وفسرتها – عمليا – بترك القانون الرومانى يحكم العالم المسيحى بدلا من شريعة الله .
ورغم أن هذا تفسير خاطئ لدين اله المنزل على عيسى ابن رميم رسول الله، فقد كان مقتضاه – المنطقى – أن تتفرغ الكنيسة لشؤون الآخرة وشؤون الروح، وتترك قيصر يحكم عالم الأرض وعالم الأبدان .
ولكنها لم تكن فى شئ من سلوكها العملى منطقية مع الذى تقوله بأفواهها أو تعلنه من مبادئها . فقد ادعت لنفسها سلطة دنوية (أو زمنية Temporal كما يسمونها فى التاريخ الأوروبى) نازعت بها الأباطرة والملوك وأخضعتهم لسلطانها .
ونحن المسلمين لا ننكر – من حيث المبدأ – أن يكون لمن يقوم على أمر الدين فى الأرض سلطان على الباطرة والملوك، وإن كنا لا ت=نعرف – فى الإسلام – شيئا يمكن أن يسمى " الكنيسة " ولا شيئا يمكن ان يسمى " رجال الدين " إنما هم علماء الدين وفقهاؤه . إنما نقصد أننا لا ننكر على الذين يقع على عاتقهم مراقبة إقامة الدين فى الأرض أن يكون لهم على ذوى السلطان سلطة النصيحة والتوجيه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
ولكن … لأى شئ تكون هذه السلطة وعلى أى شئ تدور ؟!
إنها – فى دين اله المنزل – تكون لتنفيذ شريعة الله ومراقبة الأمور كلها لكى تكون خاضعة لشريعة الله .
فهل من أجل هذا طالبت الكنيسة بأن تكون لها على الأباطرة والملوك سلطان ؟! بل ذلك أبعد شئ عن الحقيقة .
إن الكنيسة – وهى تطالب بسلطانها الطاغى على الأباطرة والملوك – أو حين مارست هذا السلطان بالفعل – لم تطالبهم قط بالانصياع إلى شريعة اله وتطبيق أحكامها على الناس (فيما عدا قانون الأحوال الشخصية) الذى لم يجد معارضة من الحكام من قبل !) إنما كانت تطلب – وتمارس – سلطانا شخصيا بحتا، وأرضيا بحتا، هو أن يطأطئ الملوك والأباطرة لها الرؤوس وأن يعلنوا أنهم خاضعون لسلطانها !
إن الكنيسة – بذلك – قد أجرمت فى حق دين الله جريمتين مزدوجتين : الأولى أنها عزفت عن تطبيق شريعة الله، واجبها الأول، والمبرر الأكبر لوجودها إن كان لوجودها مبرر على الإطلاق، بينما كانت تملك سلطة تطبيق هذه الشريعة بما كان لها على قلوب الجماهير من سلطان من جهة، وبما صار لها من سلطان على الملوك والأباطرة فيما بعد …
والثانية أنها استخدمت سلطانها الذى حاربت من أجل الحصول عليه وأراقت الدماء فى إخضاع الناس جميعا، ملوكهم ورعاعهم، لهواها هى، وجبروتها هى، فجعلت من رجالها أربابا من دون الله، وعبدت الناس لهم من دون الله حتى حق عليهم قول الله فيهم : {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة التوبة 9/31]
إنها جريمة بشعة – أو جرائم بشعة متراكب بعضها على بعض – من أى زاوية نظرت إليها .
فمن ناحية الدين المنزل شوهته بفصل العقيدة عن الشريعة وتقديمه للناس عقيدة صرفا بلا تشريع أى مسخا مشوها لا يمثل دين الله الحقيقى .. ثم ادعت للناس أن هذا هو الدين ! وزرعت فى عقول الناس تصورا خاطئا بأن الدين علاقة خاصة بين العبد والرب، محلها القلب نولا علاقة له بواقع الأرض .. فسهلت على الشياطين – فيما بعد– اقتلاع آثاره من واقع الحياة، لأنه لم يكن عميق الجذور فى واقع الحياة ! " "
ومن ناحية الواقع أسهمت فى إفساد الأرض بتعطيل شريعة الله، والسماح للجاهلية الرومانية أن تحكم العالم المسيحى – فى صورة قوانين وتنظيمات – ومنعت الإصلاح الذى أراده الله للناس حين نزل عليهم الدين، فنشأت عن ذلك مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية تمثلت فى نظام الإقطاع الذى ساد العالم اللأوروبى – فى ظل الكنيسة – أكثر من عشرة قرون ! وسهل على الشياطين – فيما بعد – اقتلاع آثار الدين وتحطيمه باسم الإصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى !
فضلا عما أثارته من المنازعات مع الأباطرة والملوك، مما أدى بهم – فيما بعد – إلى الانسلاخ من سلطان الكنيسة الذى يحمل عنوان الدين بالحق أو بالباطل، وتعميق مفهوم الفصل بين الدين والسياسة الذى كان قائما من قبل بالفعل بتعطيل شريعة الله، ليصبح عداء كاملا بين الدين والسياسة فى أى صورة من صور السياسة وأى صورة من صور الدين !
يروى التاريخ الكثير عن قصة النزاع بين الكنيسة وبين الأباطرة والملوك .
اصدر البابا " نقولا الأول " بيانا قال فيه :
" أن ابن اله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها . وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس فى تسلسل مستمر متصل، ولذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاما كانوا أو محكومين " " "
وفى القرون الوسطى مارست الكنيسة ذلك السلطان بالفعل على الحكام والمحكومين، مع وجود فترات من الصراع المتبادل، حيث يتمرد بعض الملوك والأمراء على سلطة البابا، ويشتد آخرون فى حربهم للبابوات حتى إنهم ليعزلون البابا أو ينفونه أو يسجنونه ! ولكن السلطة الغالبة كانت للكنيسة، تستمدها من سلطانها الروحى الطاغى على قلوب الناس، ومن جيوشها الكثيفة ومن أموالها التى تضارع ما يملكه الملوك وأمراء الإقطاع !
يروى " فيشر " قصة الصراع بين البابا هلدبراند وهنرى الرابع إمبراطور ألمانيا فيقول : " .. ذلك أن خلافا نشب بينهما (بين البابا والإمبراطور) حول مسألة " التعيينات " أو ما يسمى " التقليد العلمانى " فحاول الإمبراطور أن يخلع البابا ورد البابا بخلع الإمبراطور وحرمه وأحل اتباعه والأمراء من ولائهم له وألبهم عليه، فعقد الأمراء مجمعا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الإمبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته، ولم يكن فى وسعه أن ينتظر وصول البابا، فضرب بكبريائه عرض الحائط واستجمع شجاعته وسافر مجتازا جبال الألب والشتاء على أشده، يبتغى المثول بين يدى البابا بمرتفعات كانوسا فى تسكانيا، وظل واقفا فى الثلج فى فناء القلعة ثلاثة أيام وهو فى لباس الرهبان متدثرا بالخيش حافى القدمين عارى الرأس يحمل عكازه مظهرا كل علامات الندم وأمارات التوبة حتى تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول على رضا البابا العظيم " " "
كما يروى التاريخ قصة مماثلة عن ملك إنجلترا هنرى الثانى الذى أصدر دستورا يلغى فيه كثيرا من امتيازات رجال الدين، الذين كانوا يملكون الكثير، ولا يدفعون شيئا من الضرائب التى يدفعها الشعب، بل يفرضون هم لأنفسهم ضرائب خاصة .. فحرمته الكنيسة فأصبح غريبا فى وسط شعبه لا يطاع له أمر .. فأعلن ندمه وتوبته، وسار إلى مقر رئيس الأساقفة فى كنتر برى يسترضيه، ومشى على الأرض الصلبة الثلاثة الأميال الأخيرة من رحلته حافى القدمين حتى نزف الدم منهما، وطلب من الرهبان – وقد استلقى على الأرض – أن يضربوه بالسياط حتى يرضى عنه الغاضبون !
ولكن سلطان الكنيسة ظل يتداعى فى نهاية القرون الوسطى حتى قام الملوك يعلنون أنهم هم الحكام فى الأرض بمقتضى " الحق الالهى المقدس " وأنه ليس للبابوات عليهم سلطان إلا السلطان الروحى وحده .
فاستبدلت أوروبا فى الحقيقة طغيانا بطغيان مع فارق واحد، أن الطغيان الجديد يبعد تدريجيا ويبعد الناس معه عن سلطان الدين ! وفضلا عن ذلك فقد كان انشقاق الملوك عن سلطان البابا يتخذ شكلا قوميا متزايدا، تسانده العوامل الأخرى – السياسية والاقتصادية – التى أحاطت بأوروبا وشجعت على ظهور القوميات، اتلى كان لها دور كبير فى بروز الصراعات الحادة فى أوروبا أولا، ثم فى العالم لكله فى صورة حروب استعمارية فيما بعد، بالإضافة إلى ما أثبتناه من قبل من تعميق الفصل بين السياسة والدين .
(هـ) الطغيان العلمى :
كان المفروض أن يأتى الحديث عن الطغيان العلمى بعد الحديث عن الطغيان العقلى والفكرى فإنه وثيق الصلة به . ولكنا أخرنا الحديث عنه باعتبارين .
الأول أنه جاء متأخرا فى الترتيب الزمنى إذ حدث فى القرن السادس عشر والسابع عشر الميلاديين بينما كانت ألوان الطغيان الروحى والعقلى والمالى والسياسى قائمة فى العالم المسيحى قبل ذلك بعدة قرون، والثانى أنه فى الحقيقة لون جديد من الطغيان غير الطغيان العقلى الذى كان سائدا من قبل بمنع المناقشة والتفكير فى أمر الأسرار المقدسة المتصلة بالعقيدة، فقد كان هذا الطغيان الجديد يفرض على العقول ألا تفكر فى أمور الكون المادى بما تقتضيه الملاحظات والمشاهدات العلمية، وأن تلتزم بالتفسيرات الكنسية لما جاء من إشارات فى التوراة عن شكل الأرض وعمر الإنسان، ولو خالفت هذه التفسيرات كل حقائق العلم النظرية والعملية على السواء !
بدأت القصة، أو بدأت الزوبعة حين قال العلماء إن الأرض كروية وإنها ليست مركز الكون ! ويعرف التاريخ الأوروبى من أبطالها ثلاثة أسماء شهيرة غير الأسماء الأخرى التى لم تلمع على صفحات التاريخ، وهؤلاء هم كوبرنيكوس وجردانوبرونو وجاليليو
الأول عالم فلكى بولندى عاش ما بين 1473 و 1543م .
والثانى فيلسوف إيطالى عاش ما بين 1548 و 1600م .
والثالث عالم فلكى إيطالى عاش ما بين 1564 و 1642م .
وقد قامت قيامة الكنيسة عليهم وعلى غيرهم فأحرقت من أحرقت، وعذبت من عذبت، وهددت من هددت بالتعذيب والحرق فى النار إن لم يكفوا عن هذه " الهرطقة " التى تقول إن الأرض كروية وإنها ليست مركز الكون ! " " بحجة أن التوراة قالت إن الأرض مستوية (أى مسطحة) وإنها هى مركز الكون، والإنسان مركز الوجود !
ويقول التاريخ الأوروبى إن الكنيسة قد فزعت فزعتها تلك حفاظا على كيانها، الذى يقوم على الخرافة ويستند إلى انتشار الجهل بين الجماهير،وإنها خشيت على هذا الكيان أن يتصدع وينهار إذا انتشر العلم، وتبين الناس أن ما تقوله الكنيسة ليس هو الحقيقة المطلقة فى كل شئ .
ولا شك أن هذا – فى جملته – صحيح .
ولكن هذه المقالة تغفل شيئين مهمين فى هذا الشأن، أولهما عن غفلة والثانى عن قصد !
أما الأول فهو أن آباء الكنيسة ورجالها كانوا مخلصين فى صيحتهم – فى أول الأمر على الأقل – لأنهم كانوا يتصورون أن ما جاء فى التوراة حقيقة، وأن تفسيرهم له هو الصحيح . وسبب ذلك هو الجهالة التى كانت مخيمة على أوروبا كلها، وعلى رجال الدين فيها بصفة خاصة، فقد كانوا من أقل الناس ثقافة ومن أبعدهم عن تعلم العلم الصحيح – إن وجد – اكتفاء بالمجد الروحى والسلطان الطاغى والأموال الطائلة التى يتمتعون بها بوصفهم " رجال الدين " !
إنما يجوز بالفعل أن يكونوا قد استمروا فى حرب العلم – عن وعى وعمد – فيما بعد خوفا على سلطانهم أن يتصدع حين يكتشف الناس أن شيئا مما يقولونه كاذب لا أساس له، فيكون وجودهم كله عرضة لأن يوضع موضع التساؤل والمساءلة .. فينهار !
أما الأمر الثانى الذى يغفله المؤرخون الأوروبيون عن عمد – رغم ظهوره – فهو أن هذا العلم الذى قامت الكنيسة بحربه كان ىتيا من مصادر إسلامية، وكان يحمل معه خطر انتشار الإسلام فى أوروبا ، ومن ثم انهيار الكنيسة ذاتها حين ينهار الدين الذى تمثله وتدعى حمايته !
يقول " ألفارو A;varo " وهو كاتب مسيحى أسبانى عاش فى القرن التاسع الميلادى .
" يطرب إخوانى المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها بل للحصول على أسلوب عربى صحيح رشيق . فأين تجد اليوم علمانيا يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة ؟ وأين ذلك الذى يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل ؟ وا أسفا ! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأى أدب ولا لغة غير العربية، فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون فى كل مكان بمدح تراث العرب . وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون فى زراية – إذا ذكرت الكتب المسيحية – بأن تلك المؤلفات غير جديرة باحترامهم" " "
وظاهر من هذا النص إلى أى مدى كان تأثير الإسلام على المسيحيين من أهل الأندلس، ونستطيع أن ندرك منه كذلك كيف كان تأثير الإسلام على المبتعثين الأوروبيين إلى بلاد الإسلام .
ذلك أنه حين استيقظت أوروبا وبدأت تنهض كان لابد لها أن تتعلم . ولم يكن ثمت علم إلا ما كان عند المسلمين، وفى مدارسهم .. ومن ثم أرسلت أوروبا أبناءها ليتعلموا فى مدارس المسلمين فى الأندلس والشمال الإفريقى وصقلية وغيرها من أماكن العلم .. فتعلموا هناك الطب والهندسة والرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء علىايدى الأساتذة المسلمين فتأثروا بهم، وتأثروا بالإسلام كذلك، فجن جنون الكنيسة من تأثير الإسلام الزاحف على أوروبا مع حركة العلم .. ومن ثم قامت تضع السدود بين الإسلام وبين أوروبا ، وكلفت كتابها أن يهاجموا الإسلام ويشوهوا صورته فى نفوس الأوروبيين ، وأن يهاجموا الرسول صلى اله عليه وسلم وينعتوه بكل نعت قبيح، لمقاومة ذلك " الغزو الفكرى " المتسرب مع المبتعثين العائدين من بلاد الإسلام . وكذلك كانت الحرب المعلنة ضد العلم " المستورد " من البلاد الإسلامية جزءاً من هذه الحرب الشاملة ضد الإسلام، وإن كانت قد خصت قضية كروية الأرض بأشد الحرب لأنها وجدت نصا مقدسا فى التوراة تستطيع أن تصعد به المعركة إلى حد الحرق والتعذيب!
وأيا كان السبب فقد وقفت الكنيسة من العلم والعلماء ذلك الموقف الشائن الذى ترتبت عليه – كلك خطايا الكنيسة وأخطائها – نتائج بعيدة المدى فى الحياة الأوروبية حتى اللحظة الراهنة .. فقد بدأ منذ تلك اللحظة الفصام الأحمق بين العلم والدين، الذى ما يزال يغشى بدخانه الأسود حياة أوروبا حتى اليوم .
إن جريمة الكنيسة – فوق تشويه صورة الدين وتنفير الناس منه، الذى تلتقى عنده وتنتهى إليه كل جرائمها – أنها تفصل بين نزعتين فطريتين سويتين متكاملتين – نزعة التعلم ونزعة العبادة – وتنشئ بينهما عداوة لا وجود لها فى أصل الفطرة، وصداما لا ينبغى أن يوجد فى النفس السوية، فتمزق النفس الواحدة مزقا وتثير فى داخلها القلق والاضطراب .
لقد خلق الله الإنسان مفطورا على حب المعرفة كما خلقه مفطورا على العبادة :
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [سورة الأعراف 7/172]
{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [سورة البقرة 2/31]
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [سورة العلق 96/3-5]
وفى نفس السوية تتجاوز النزعتان وتتكاملان بلا تصادم ولا تضاد . فالفطرة تتطلع إلى ربها لتعبده، والفطرة تتطلع إلى الكون من حولها تحب أن تتعرف عليه، وأدواتها هى الحس والعقل :
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} [سورة النحل 16/78]
وتلتقى نزعة الإيمان بالغيب والإيمان بما تدركه الحواس، وتؤديان مهمتهما معا فى تشكيل إنسانية الإنسان على الصورة التى أرادها الله له، وكرمه بها وفضله على كثير من الخلق .
وكلن الكنيسة بموقفها الأحمق – أيا كانت الأسباب التى دفعتها إليه – راحت تفصل بين هاتين النزعتين الفطريتين المتكاملتين، وتقول للناس : إن أردتم الدين فاتركوا العلم .. ومن أراد العلم فقد خرج على الدين ! فتخير الناس بين حاجتين فطريتين لا تغنى إحداهما غناء الأخرى، ولا يسد إشباع أيهما جوعة الثانية !
وهل كانت هناك نتيجة منتظرة نمن هذا الموقف إلا أن يترك الناس ذلك الدين الذى يحجبهم عن العلم ويحجر عليه، وأن يسيروا مع العلم فى تياره الزاخر الذى يأتى كل يوم جديد، وإن كانوا مع ذلك لا ينجون من القلق والاضطراب ؟!!
على أن الشر لم يقف عند هذا الحد – وهو بشع فى ذاته – لم يقف عند هجر الدين من أجل العلم، بل وصل إلى كراهية الدين والنفور منه، ونفيه نفيا باتا من مجال البحث العلمى على وجه الخصوص .
لا تجد فى الجاهلية المعاصرة حقيقة علمية واحدة تسند بإرجاعها إلى أصل دينى ! بل على العكس . مجرد ذكر الدين أو الله – سبحانه وتعالى – فى مجال البحث العلمى الكفيل – عندهم – بالشك فى الحقيقة العلمية، أو باستهجان المنهج على الأقل، لأنه منهج غير علمى !! كفيل بإثارة الامتعاض فى جميع الأحوال !
وصدق الله العظيم : {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)} [سورة الزمر 39/45]
وإقامة التصور – فى أى مجال من مجالات البحث – على أساس المفهوم الدينى هو عندهم هدم للمنهج العلمى وتشويه له، وإعطاء حصيلة محوطة بالشك ولو كانت كل الأدلة تؤيدها ! وخذ مثالا لهذا الموقف المعادى لدين ولو كانت الحقائق العلمية متفقة معه ومركدة له قول جوليان هكسلى فى كتاب " الإنسان فى العالم الحديث " Man in the Modern World
" وهكذا يضع العلم الحديث الإنسان فى مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات كما تقول الأديان .. ولم تكن وجهة النظر الدينية صحيحة فى تفاصيلها أو فى كثير مما تضمنته .. ولكن كان لها أساس جيولوجى متين"" "! كذلك نفى القصد والغاية من أى شئ فى هذا الكون نفيا " علميا " !!
وراح " العلماء " ! يتذرعون بشتى الذرائع لإبعاد الحديث عن القصد والغاية من مجال البحث العلمى، كقوهم إن هذا من شأن الفلسفة، أما العلم فمهمته تسجيل " الحقائق ! " كما هى دون إعطاء تفسير مسبق لها . أو قولهم إن هذا شأن " الميتافيزيقا " (أى ما وراء الطبيعة) ولكن العلم محصور فى ظواهر الطبيعة يسجلها ويحاول أن يفسرها تفسيرا " علميا ! " أى فى حدود ما تدركه الحواس ..
والحقيقة من وراء ذلك هى إبعاد كل ظل للدين من البحث العلمى انتقاما من موقف الكنيسة التى حاربت العلم باسم الدين !! ذلك أن الحديث عن " الغاية " هو حديث عن الله سبحانه وتعالى وغايته من خلق هذا الكون على الصورة التى خلقه عليها . ثم إنه يتضمن التزاما معينا تجاه اله سبحانه وتعالى، وهو التزام الغاية التى من أجلها خلق الله الإنسان فى هذا الكون .. والعلم الذى نشأ فى ظل العداء مع الدين لا يريد أن يلتزم بشئ ألبتة تجاه الدين وتجاه الله ! لأن الالتزام – عندهم – لا يجرى إلا من خلال الكنيسة، والكنيسة هى الطغيان !
بل بلغ الأمر إلى نفى القصد لا إبعاده عن مجال البحث العلمى فحسب ! وخرجت نظريات " علمية !! " تقول إن الكون وجد بالصدفة ! وإن الحياة ظهرت على سطح الأرض بالصدفة !
بل حين أسند الخلق إلى " الطبيعة " بدلا من الله نفى القصد عن الطبيعة وقال قائلهم " دارون " إن الطبيعة تخبط خبط عشواء ! Nature Works Haphazardly
وهذه " الطبيعة " ذاتها، وتأليهها ونسبة الخلق إليها .. لقد كانت إحدى الخطايا المترتبة على الخطيئة التى اقترفتها الكنيسة من قبل بوقوفها موقف العداء من العلم والعلماء ..
إن تأليه الطبيعة – سواء فى مجال العلم أو الفن أو أى مجال آخر – لهو المهرب الوجدانى الذى لجأت إليه أوروبا لتهرب من إله الكنيسة الذى تستعبد الناس باسمه فى كل مجالات الحياة : الروحية والفكرية والمالية ولاسياسية والعلمية .. الخ، وتخترع إلها آخر له معظم صفات الله الخالق البارئ المصور، ولكن ليست له كنيسة وليست له التزامات !
وإلا فما " الطبيعة " فى مجال البحث العلمى على الخصوص ؟
ومن أين لها صفة الخلق ؟ والخلق بهذه الدقة المعجزة التى يتحدثون عنها سواء فى الفلك أو الكيمياء أو الفيزياء أو الطب أو علم وظائف الأعضاء أو علم الحياة ؟!
ثم إذا كانت – كما يقول دارون – تخلق دون قصد معين ولا تدبير، فكيف خلقت الإنسان الذى يتصف بالقصد والتدبير ؟ أى بعبارة أخرى : كيف يخلق الخالق من هو أعلى منه وأكمل وأدق ؟!
ألا إنها أسطورة " علمية ! " ضخمة فى عصر العلم ! ومع ذلك فهى العملة السارية فى كل كتب العلم الغربى بلا استثناء ! اقرأ فى أى كتاب علمى تجد " الطبيعة " Nature مشارا إليها على أنها الخالق الفعال لما يريد، الذى لا يسأل عما بفعل وهم يسألون !
إنها المهرب الوجدانى الذى لجأت إليه أوروبا لتهرب من إله الكنيسة وتجد ما تتعبده فى ذات الوقت، إذ الإنسان مفطور على العبادة سواء فى ضلاله أو هداه .. أما أن يتحدث عنها الذين يسمون أنفسهم " علماء ! " وبصيغة الجد لا الهزل .. فمهزلة لا يفسرها شئ إلا حقيقة واحدة، هى أن الإنسان حين ينتكس فى جاهليته – بعيدا عن الهدى الربانى – يمكن أن يصدر عنه أى شئ على الإطلاق .. مهما كان بعيدا عن المنطق وبعيدا عن المنطق وبعيدا عن المعقول .
ولكن الجريمة الكبرى فى هذا الشأن تقع على عاتق الكنيسة بادئ ذى بدء، التى أقامت ذلك الحاجز من العداء بين الدين والعلم، الذى ظل يتفاقم حتى وصل – على يد الشياطين – إلى استخدام العلم ذريعة إلى القضاء على الدين .
ثالثاً : فساد رجال الدين :
المفروض فى " رجال الدين " – إن كان ثمة مبرر لوجود رجال دين على الإطلاق – أن يكونوا قدوة صالحة لمؤمنين بالدين، ونموذجا يحتذى فى الفكر والشعور والسلوك .
ولكن رجال الدين الكنسى فى أوروبا البابوية لم يكونوا يؤمنون بشئ من ذلك ولا يحتفظون به !
بل كانت حياة الغالبية منهم حياة ترف وملذات وشهوات !
يقول الله ليحذر المؤمنين :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)} [سورة الصف 61/2-3]
كبر مقتا لأنه صد عن سبيل الله .. وأى جريمة أكبر من الصد عن سبيل الله ؟
إن الناس قد يتقلبون من الشخص العادى أن يكذب أو يغش أو يلتوى فى سلوكه .. أو يقع فريسة للشهوات .
أما أن يقع ذلك ممن ينصب نفسه قدوة للناس، أو ممن يدعو الناس إلى التمسك بالفضيلة والبعد عن الرذيلة .. فهذا الذى لا يستسيغه الناس من جهة، والذى يصدهم عن القيم الرفيعة من جهة أخرى، لأنه ييئسهم من قيام تلك القيم فى عالم الواقع، ويشعرهم أنها مجرد شعارات معلقة فى الفضاء . ويهون لهم من جهة أخرى ارتكاب الرذيلة بكل أنواعها، لأنه إذا كان دعاة الفضيلة يفعلون ذلك، فما بالهم هم، الذين لم يزعموا لأنفسهم ذات يوم أنهم من أصحاب الفضيلة ؟!
لذلك كبر مقتا عند الله أن يقول المؤمنون بألسنتهم ما يخالفونه فى سلوكهم الواقعى .
وهذا الذى كبر مقتا عند الله هو السلوك الغالب على رجال الدين الكنسى فى أوروبا البابوية ! مما أدى – كما أدت خطايا الكنيسة كلها – إلى نبذ الدين فى النهاية والانسلاخ منه .
يقول " ول ديورانت " فى فصل بعنوان " أخلاق رجال الدين " من كتاب " قصة الحضارة " (ج21 ص83– 86) :
" لقد كان يسع الكنيسة أن تحتفظ بحقوقها القدسية المستمدة من الكتب المقدسة العبرية والتقاليد المسيحية لو أن رجالها تمسكوا بأهداب الفضيلة والورع .. ولكن كثرتهم الغالبة ارتضت ما فى أخلاق زمانها من شروخير، وكانوا هم أنفسهم مرآة ينعكس عليها ما فى سيرة غير رجال الدين من أضداد . فقد كان قس الأبرشية خادما ساذجا، لم يؤت فى العادة إلا قسطا ضئيلا من التعليم، ولكنه غالبا ما يعيش معيشة يقتدى بها (وإن خالفنا فى هذا رأى الراهب الصالح أنطونينو) لا يعبأ به رجال الفكر، ولكن يرحب به الشعب .
وكان بين الأساقفة ورؤساء الأديرة بعض من يحبون حياة منعمة، ولكن كان منهم كثيرون من الرجال الصالحين، ولعل نصف مجمع الكرادلة كانوا يسلكون مسلك أتقياء المسيحيين المتدنيين الذى يخزى مسلك زملائهم الدنيوى المرح .
" وانتشرت فى جميع أنحاء إيطاليا المستشفيات وملاجئ اليتامى، والمدارس وبيوت الصدقات، ومكاتب القرض وغيرها من المؤسسات الخيرية يديرها رجال الدين . واشتهر الرهبان البندكتيون، والفرنسيس المتشددون، والكرثوزيون بمستوى حياتهم الخلقى الرفيع إذا قيس إلى أخلاق أهل زمنهم .. وواجه المبشرون مئات الأخطار وهم يعملون لنشر الدين فى أراضى " الكفار " وبين الوثنيين المقيمين فى العالم المسيحى . واختفى المتصوفة عن أعين الناس وابتعدوا عما كان فى زمانهم من عنف، وأخذوا يعملون للاتصال القريب بالخالق جل وعلا .
" وكان بين هذا التقى والورع كثير من التراخى فى الأخلاق بين رجال الدين نستطيع أن نثبته بما نضربه من مئات الأمثال . فها هو ذا بترارك نفسه الذى بقى مخلصا لدين المسيح إلى آخر حياته، والذى صور ما فى دير الكرثوزين، الذى كان يعيش فيه أخوه، من نظام وتقى فى صورة طيبة مستحبة، ها هو ذا يندد أكثر من مرة بأخلاق رجال الدين المقيمين فى افنيون . وإن الحياة الخليعة التى كان يحياها رجال الدين الإيطاليون والتى نقرأ عنها فى رواايت بوكاتشيو المكتوبة فى القرن الرباع عشر إلى روايات ماستشيو فى القرن الخامس عشر، إلى روايات بنديتلو فى القرن السادس عشر، إن هذه الحياة الخليعة موضوع يتكرر وصفه فى الأدب الإيطالى، فبوكاتشيو يتحدث عما فى حياة رجال الدين من دعارة وقذارة ومن انغماس فى الملذات طبيعية كانت أو غير طبيعية . ووصف ماستشيو الرهبان والإخوان بأنهم " خدم الشيطان " منغمسون فى الفسق واللواط، والشره، وبيع الوظائف الدينية، والخروج على الدين، ويقر بأنه وجد رجال الجيش أرقى خلقا من رجال الدين .
" وها هو ذا أريتينو الذى لم يتورع عن أية قذارة يسخر من الطابعين بقوله إن أخطاءهم لا تقل عن خطايا رجال الدين، ويزيد على ذلك قوله : " والحق إنه لأسهل على الإنسان أن يعثر على رومة مستفيقة عفيفة من أن يعثر على كتاب صحيح، ويكاد بجيو يفرغ كل ما عرفه من ألفاظ السباب فى التشنيع على فساد أخلاق الرهبان والقسيس، ونفاقهم، وشرهم، وجهلهم، وغطرستهم، ويقص فولينجو فى كتاب أرلندينو هذه القصة نفسها، ويبدو أن الراهبات ملائكة الرحمة فى هذه الأيام كان لهن نصيب فى هذا المرح، وأنهن كن مرحات رشيقات فى البندقية بنوع خاص حيث كانت أديرة الرجال والنساء متقاربة قربا يسمح لمن فيها بالاشتراك من حين إلى حسين فى فراش واحد . وتحتوى سجلات الأديرة على عشرين مجلدا من المحاكمات بسبب الاتصال الجنسى بين الرهبان والراهبات . ويتحدث أريتينو عن راهبات البندقية حديثا لا تطاوع الإنسان نفسه على أن ينطق به . وجوتشياردينى الرجل الرزين المعتدل عادة يخرج عن طوره ويفقد اتزانه حين يصف رومة فيقول : " أما بلاط رومة فإن المرء لا يستطيع أن يصفه بما يستحق من القسوة، فهو العار الذى لا ينمحى أبد الدهر، وهى مضرب المثل فى كل ما هو خسيس مخجل فى العالم " .
" ويبدو أن هذه شهادات مبالغ فيها، وقد تكون غير نزيهة، ولكن استمعوا إلى قول القديسة كترين السينائية :
" إنك أينما وليت وجهك – سواء نحو القساوسة أو الأساقفة أو غيرهم من رجال الدين أو الطوائف الدينية المختلفة، أو الأحبار من الطبقات الدنيا أو العليا، سواء كانوا صغارا فى السن أو كبارا – لم تر إلا شرا ورذيلة، تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة .. إنهم كلهم ضيقوا العقل، شرهون، بخلاء .. تخلوا عن رعاية الأرواح .. اتخذوا بطونهم إلها لهم، يأكلون ويشربون فى الولائم الصاخبة حيث يتمرغون فى الأقذار ويقضون حياتهم فى الفسق والفجور .. ويطعمون أبناءهم من مال الفقراء .. ويفرون من الخدمات الدينية فرارهم من السجون .
" وهنا أيضا يجب أن نسقط ما يحتويه هذا الوصف من مبالغة، إذ ليس فى وسع الإنسان أن يثق بأن الوالى الصالح يتحدث عن سلوك الآدميين وهو غير غاضب .. ولكن فى وسعنا أن نصدق هذه الخلاصة التى يعرضها مؤرخ كاثوليكى صريح .
" وإذا كانت هذه هى حال الطبقات العليا من رجال الدين فإن المرء لا يعجب إذا كان من دونهم من الطبقات ومن القساوسة قد انتشرت بينهم الرذيلة على اختلاف أنواعها وأخذ انتشارها يزداد على مدى الأيام . إلا أن الحياء قد زال من العالم .. ولقد كان أمثال أولئك القساوسة هم الذين دفعوا إرزمس ولوثر إلى وصفهما المبالغ فيه لرجال الدين زارا رومة فى أيام بوليوس الثانى . غير أن من الخطأ أن يظن المرء أن القساوسة كانوا فى رومة أكثر فسادا منهم فى غيرها من المدن . ذلك أن لدينا من الوثائق ما يثبت بالدليل القاطع فساد أخلاق القسيس فى كل مدينة تقريبا من مدن شبه الجزيرة الإيطالية، بل إن الحال فى كثير من الأماكن – كالبندقية مثلا – كانت أسوأ كثيرا منها فى رومة . فلا عجب والحالة هذه إذا تضاءل نفوذ رجال الدين كما يشهد بذلك مع الأسف الشديد الكتاب المعاصرون، وإذا كان المرء لا يكاد يجد فى كثير من الأماكن أى احترام يظهره الشعب للقسيسين . ذلك أن الفساد قد استشرى بينهم إلى حد بدأنا نسمع معه آراء تحبذ زواجهم ..
" ولقد كان الكثير من الأديرة فى حال يرثى لها . وأغفلت فى بعضها الإيمان الثلاث الأساسية بالتزام الفقر، والعفة، والطاعة إغفالا يكاد يكون تاما .. ولم يكن النظام فى كثي من أديرة النساء أقل من هذا فسادا "!
ويقول أيضا فى مكان آخر :
" … وظل كرسى البابوية عدة سنين بعد ذلك لا ينال إلا بالرشا أو القتل أو رغبات النساء ذوات المقام السامى والخلق الدنئ . وبقيت أسرة بثوفيلاكت أحد كبار الموظفين فى قصر البابا ترفع البابوات إلى كراسيهم وتنزلهم عنها كما يحلو لها . واستطاعت ابنته مريوزا أن تنجح فى اختيار عشيقها سرجيوس الثالث لكرسى البابوية (904 – 911) كما أفلحت زوجته ثيودورا فى تنصيب البابا يوحنا العاشر (914 – 928) وقد اتهم يوحنا هذا بأنه عشيق ثيودورا ولكن هذا الاتهام لا يقوم على دليل قاطع .
" .. وظلت مريوزا تستمتع بعدد من العشاق واحدا بعد واحد حتى تزوجت جيدودوق تسكانيا وأخذا يأتمران لخلع يوحنا .. ثم رفعت مييوزا فى عام 931 يوحنا الحادى عشر (931 – 935) إلى كرسى البابوية واكن الشائع على الألسنة أن يوحنا هذا ابن لها غير شرعى من سرجيوس الثالث (ص378 – ج14) .
" .. وعرف اتو الأول إمبراطور ألمانيا عن قرب ما وصلت إليه البابوية من انحطاط بعد ان توجه يوحنا الثانى عشر إمبراطورا فى عام 962، فلما عاد إلى روما فى عام 963 بتأييد رجال الدين فيما وراء رجال الألب دعا يوحنا إلى المحاكمة أمام مجلس كنسى .. واتهم الكرادلة يوحنا بأنه حصل على رشا نظير تنصيب الأساقفة وأنه عين غلاما فى العاشرة من عمره أسقفا، وأنه زنى بخليلة أبيه وضاجع أرملته وأبنة أخيها وأنه حول قصر البابا إلى ماخور للدعارة (ص379 ج14) .
رابعا : الرهبانية وفضائح الأديرة :
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)} [سورة الحديد 57/27]
يروى عن السيد المسيح أنه قال : " من أراد ملكوت الرب فليترك ماله وأهله وليتبعنى " وأنه قال : " من أراد الملكوت فخبز الشعير والنوم فى المزابل مع الكلاب كثير عليه " .
وسواء صحت هذه النصوص أم كانت ألفاظها قد حرفت أو زيه عليها ، فلا شك أن المسيح دعا إلى الزهادة والارتفاع عن متاع الأرض كما دعا كل نبى قبله ، وكما قال صلى الله عليه وسلم من بعده : " ما ملأ آدمى وعاء شرا من بطنه ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه " " "
ولكن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنشأ عنها رهبانية ، بل لم يتقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرهبانية حين جنح إليها بعض المسلمين كما يتضح من الواقعة الآتية :
" ذهب ثلاثة رهط إلى بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ! فقال أحدهم أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الثانى وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام ، وقال الثالث ، وأما أنا فلا أتزوج النساء . فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بهم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله أنى لأعبدكم وأخشاكم لله ولكنى أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتى فليس منى " " "
ولكن شيئا ما – فى دعوة السيد المسيح – قد شجعت على ابتداع الرهبانية فيما يبدو . فقد بعث السيد المسيح إلى بنى إسرائيل وقد غلبت عليهم مادية كافرة ، يعبدون اذلهب ويعيشون للحياة الدنيا ، ولا ظل فى حياتهم للإيمان باليوم الآخرة ، ولا حساب له فى قلوبهم . جفت أرواحهم فلم تعد فيها نداوة الحب ولا إشراقة النور التى تصاحب الإيمان بالله .
من أجل ذلك الروحانية هى السمة الغالبة على دعوة السيد المسيح ، وكان الإكثار من الحديث عن الزهد والارتفاع على شهوات الأرض ن لعل الدعوة على هذا النحو تلين القلوب القاسية التى قال الله عنها :
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)} [سورة البقرة 2/74]
وهل أدل على هذه القسوة من أن تبيح لهم وحشيتهم أن يقتلوا " الأمميين " فى عيد الفصح ليعجنوا بدمائهم فطيرة " مقدسة " ثم يأكلوها ابتهاجا بالعيد ؟!
وفجر بنو إسرائيل فلم يستجيبوا لهذه الدعوة المترفعة التى دعاهم إليها السيد المسيح ، بل سعوا إلى إثارة الحاكم الرومانى " بيلاطس " ليحكم عليه بالقتل صلبا .. لولا أن الله نجاه منهم ورفعه إليه فلم يقتلوه ولم يصلبوه . وقال الله عنهم :
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)} [سورة البقرة 2/87]
وكلن الدعوة المترفعة التى أعرض عنها قساة القلوب تسربت – بقدر من الله – إلى قلوب أخرى اعتنقتها وآمنت بها وتلقت روحانيتها الندية بالترحيب :
{وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [سورة الحديد 57/27]
وهؤلاء هم الذين ابتدعوا الرهبانية ..
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [سورة الحديد 57/27]
وسواء كان الاستثناء فى الآية منقطعا بمعنى : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ولكن كتبنا عليهم أن يبتغوا رضوان الله (فابتغوا ذلك عن طريق الرهبانية التى ابتدعوها) أو متصلا بمعنى : ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتغوا بها رضوان الله .. فإن الآية تسجل عليهم أنهم هم الذين ابتدعوها وليس الله هو الذى كتبها عليهم بادئ ذى بدء ، أى عيسى عليه السلام لم يأمرهم بها ولم يقل لهم إن الله يريدها منهم . ولكنهم هم تطوعوا بها – متأثرين بتعاليم المسيح أو مؤولين لها على هذا النحو – فقبل الله منهم ما تطوعوا به ما داموا قد ابتغوا به رضوان اله .
ولكن أيا كان الدافع لهم على ابتداع الرهبانية : التأثر بتعاليم السيد المسيح أو تأويلها على نحو معين كما أول الصوفية الآيات والأحاديث الواردة فى ذم الدنيا فجعلوها ذما مطلقا وفى كل الحالات ، بينما هى واردة فى ذم الدنيا حين تصد عن الإيمان بالله أو تصد عن الجهاد فى سبيل الله ..
نقول ايا كان الدافع ، فإن الرهبانية مضادة لدفعة الحياة السوية التى خلقها الله لتعمل لا لتكتب وتحجز عن الحركة والنشاط . فقد جعل الله الإنسان خليفة فى الأرض وكلفه عمارتها :
{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/61]
ومن أجل القيام بأمر الخلافة أى الهيمنة والإشراف والتمكن ، ومن أجل القيام بعمارة الأرض ، أودع الله الفطرة مجموعة من الدوافع المحركة إلى العمل والنشاط ..
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...} [سورة آل 3/14]
وصحيح أن الله سبحانه وتعالى لا يحب لعباده أن ينطلقوا إلى آخر المدى مع هذه الشهوات لأنها عندئذ لا تكون معينا على الخلافة الراشدة ولا على عمارة الأرض على النحو اللائق بالإنسان ، بل تكون شاغلا عن الارتفاع وداعيا إلى الهبوط إلى مستوى الحيوان ، وعندئذ يكون الإنسان أضل من الحيوان :
{أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179)} [سورة الأعراف 7/179]
وصحيح أن الله أحب لعباده أن يتخففوا من متاع الأرض ليفرغوا إلى القيم العليا الجديرة بالإنسان ، ووعدهم على ذلك الجنة ، وجعل ذلك هو الابتلاء الذى يخوضه الإنسان فى الأرض :
{....ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17)} [سورة آل 3/14-17]
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)} [سورة الكهف 18/7]
كل ذلك صحيح . ولكن اله لم يحرم متاع الأرض :
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة الأعراف 7/32]
إنما وضع حدودا لذلك المتاع يباح فى داخلها ويكون محرما فى خارجها :
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [سورة البقرة 2/229]
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [سورة البقرة 2/187]
وتلك الحدود هى التى يعلم سبحانه أنها تعين على أمر الخلافة وعمارة الأرض على المستوى اللائق بالإنسان ، دون أن ينشغل الإنسان بها عن قيمه وأهدافه العليا كما بينها الله له على يد رسله وأنبيائه ، وفى الوقت ذاته تعطى قسطا معقولا من المتاع لكيلا ينشغل الإنسان عن الحركة والعمل بلذع الحرمان .
وهناك أفراد – أفذاذ – يستطيعون أن يتخففوا من متاع الأرض إلى أقصى حد دون أن يشغلهم الشعور بالحرمان عن الحركة والنشاط والعمل بإيجابية كاملة ، أولئك هم الزهاد على بصيرة . وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم إمام الزاهدين ، وهو أكبر طاقة إيجابية حركية عرفتها البشرية ..
ولكن الرهبانية ليست كذلك .ز إنها اعتزال .. إنها ترك للحياة الواقعية بكل ما فيها ولياذ بالأديرة المنقطعة عن تيار الحياة . ولقد يتربى الراهب على تعود الحرمان حتى لا يعود يحس بلذع الحرمان .. نعم .. ولكنه فى الوقت ذاته يفقد إيجابيته الفاعلة فى واقع الأرض ويتخلى عن دوره فى عمارتها ، ويلغى طاقات كيانه فلا يتزوج ولا يعمر وجه الأرض بالنسل ولا ينتج .. إلا مشاعر ذاتية فى طى الكتمان .
لذلك نقول إن الرهبانية مضادة لدفعة الحياة السوية كما خلقها الله .
وإذا كان الله قد قبلها منهم – لفترة معينة – هى المحدودة بمجئ الرسول صلى الله عليه وسلم مصدقا لما بين من الكتاب ومهيمنا عليه ، وناسخا ما شاء الله أن ينسخ من الشرائع – المحلية - السابقة ، لينشر فى الناس كلمة الله الأخيرة وشريعته الباقية ..
إذا كان الله قد قبلها منهم تلك الفترة المحدودة فإنهم وهم مبتدعوها والمتطوعون بها من عند أنفسهم لم يرعوها حق رعايتها !
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [سورة الحديد 57/27]
ولقد كان المتوقع ألا يرعوها حق رعايتها .. أى لا يصبروا على تكاليفها . فهى سباحة دائمة ضد التيار .. تيار الحياة .. وجهد مجهد لا يصبر عليه كثيرون ..
أما أن تنقلب – وهى المنوطة بالتقوى والزهد والتعفف والارتفاع عن الشهوات – إلى مباءة للقذارة الحسية والمعنوية يتعفف عنها الرجل العادى أو الفتاة العادية .. فهذا الذى لا يمكن أن يتوقع على الإطلاق !
فإذا كانوا لا يصبرون على تكاليفها فما الذى يجبرهم على المضى فيها وهى تطوع غير مفروض ؟!
أما أن يستمروا فيها عنوانا ولافتة ، ومظهرا خادعا من الخارج ، ثم يحولوها إلى حانات للخمر ومواخير لفساد ، ومباءة للشذوذ الجنسى بين الرجال والرجال والنساء والنساء ، بالإضافة إلى ما يحدث من العلاقات السرية بين أديرة الرجال وأديرة النساء .. فهذا أمر يشده الحس ويبعث على التقزز والنفور.
يقول أصدق القائلين جل وعلا :
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)} [سورة الحديد 57/27]
فاسقون .. بكل معانى الفسق التى تخطر والتى لا تخطر على البال !
خامسا : مهزلة صكوك الغفران :
لم يكف الكنيسة ورجال دينها هذا الفساد كله ، فأضافوا إليه مهزلة من أكبر مهازل التاريخ . تلك هى مهزلة صكوك الغفران .
فقد أصدر مجمع لاتيران سنة 1215 القرار التالى لتقرير أن الكنيسة تملك حق الغفران للمذنبين :
" إن يسوع المسيح ، لما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفرانات ، وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذى نالته من العلا منذ الأيام الأولى ، فقد أعلم المجمع المقدس وأمر بأن تحفظ للكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحى والمثبتة بسلطان المجامع ، ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفرانات غير مفيدة أو ينكرون على الكنية سلطان منحها . غير أنه قد رغب فى أن يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراز حسب العادة المحفوظة قديما والمثبتة فى الكنيسة لئلا يمس التهذيب الكنسى تراخ بفرط التساهل " " "
ولكن الكنيسة لم ترع ذلك التحفظ الوارد فى القرار ، وهو " استخدام هذا السلطان باعتدال واحتراز " فقد كانت راغبة فى زيادة سلطانها – وزيادة أموالها كذلك ! – فعمدت إلى منح المغفرة بصكوك تباع بالمال فى الأسواق !
يقول الصك :
" ربنا يسوع يرحمك يا … " " ويشملك باستحقاقات آلامه الكلية القدسية وأنا بالسلطان الرسولى المعطى لى أحلك من جميع القصاصات والأحكام والطائلات الكنيسة التى استوجبتها ، وأيضا من جميع الإفراط والخطايا والذنوب التى ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة ، ومن كل علة وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا والكرسى الرسولى ، وأمحو جميع أقذار الذنب وكل علامات الملامة التى ربما جلبتها على نفسك فى هذه الفرصة ، وأرفع القصاصات التى كنت تلتزم بمكابدتها فى المطهر ، وأردك حديثا إلى الشركة فى أسرار الكنيسة ، وأقرنك فى شركة القديسين ، أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معموديتك ، حتى إنه فى ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذى يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب ، ويفتح الباب الذى يؤدى إلى فردوس الفرح . وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة حتى تأتى ساعتك الأخيرة باسم الأب والابن والروح القدس " " "
وإنها – والحق يقال – لمهزلة فريدة فى التاريخ !
فقد عرفت الدينات الوثنية – من قبل ومن بعد – عملية إرضاء الكاهن ابتغاء رضوان الإله المعبود باعتبار أن الكاهن هو الوسيط بين العبد والرب ، وأن رضاه يؤدى – فى وهمهم – إلى رضا الإله ، وغضبه يؤدى إلى غضب الإله . والنذور للأوثان أمر معروف فى التاريخ .زو كان العرب فى الجاهلية يؤدون الشعائر والنسك للأوثان – ومن بينها تقديم النذور – ليقربوهم إلى الله زلفى .
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [سورة الزمر 39/3]
ويجئ الدين المنزل ليصحح العقيدة ويصحح السلوك ، فيجعل الشعائر والنسك له وحده ، وبين العبد وربه مباشرة بلا وسيط :
{وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [سورة البقرة 2/270]
ويكون للرسل – فى حياتهم – خصيصة يختصون بها فى أن دعاءهم يستجاب عند الله حين يدعون بالصلاح أو البركة أو المغفرة لمن يستحق ذلك عند الله :
{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)} [سورة التوبة 9/102-104]
أما لمن لا يستحق فالدعاء – حتى من الرسل – غير مستجاب :
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)} [سورة التوبة 9/80]
فإذا كان هذا شأن الرسل – بل شأن سيد الرسل صلى الله عليه وسلم – فما بالك بالبابا الذى لا حظوة له عند ربه ولا إذن له من الله بقبول الغفران ؟!
بل ما بالك حين يكون الأمر لا عن نية حقيقية فى التوبة يعلمها البابا – تقدس سره ! – بل عن مبلغ من المال ؟ بل ما بالك والمال – فى أكثر الأحيان – ليس مدفوعا لله على سبيل الصدقة للفقراء والمساكين ، مما يقبله الله من المؤمنين ويحط به من خطاياهم ، وإنما هو لشراء الصك كما تشترى أى سلعة معروضة فى الأسواق ، والمال يذهب إلى خزائن البابوات والكرادلة حتى يكتنزوا بالذهب والفضة التى يكنزونها ، ولا يذهب إله مستحقيه من الفقراء والمساكين ؟!
ولا نشك فى أن المهزلة فى بادئ الأمر كانت جادة ! أى أن الذى يشترى الصك كان راغبا فى التوبة ، ظانا أن هذا السبيل يؤدى بالفعل إلى التوبة والمغفرة ورضوان الله ، وكان المال المدفوع يأخذ فى حس صاحبه مكان الصدقة المرفوعة إلى الله . كما أن الكنيسة استخدمت صكوك الغفران فى مبدأ الأمر لتشجيع المقاتلين على خوض المعارك الصليبية ضد المسلمين ، فكانت تمنح الصك لمن ينخرط فى سلك الجيوش الصليبية فتحمله الرغبة فى الفردوس الموعود أن يلقى بنفسه فى آتون الحرب التى يرجع منها أو لا يرجع .. وغالبا لا يرجع !
ولكن الحد فى هذا الأمر الهازل لا يمكن أن يستمر !
ولئن استمر البسطاء مخدوعين فى قدساء البابا وقدرته على محو الذنوب من صحيفة أعمال بما له عند الله من الوساطة والحظوة و" القداسة " .. فقد انكشف الأمر عند العقلاء ولا شك عن أن قداسة البابا قد اصبح تاجرا كبيرا ، وأنه على نسق معظم التجار الكبار مدلس غشاش !! يبيع بضاعة لا يملكها ويقبض الثمن لنفسه ليثرى الثراء الفاحش ، ثم ينفق هذا الكسب الحرام فى المتاع الدنس ويغرق به فى الشهوات !

البيان
10-18-2007, 07:05 PM
ومع أنها مهزلة مضحكة – ومكشوفة – فقد ظلت قائمة فى المجتمع الأوروبى – مجتمع الظلمات – فترة غير قصيرة من الوقت ، واتسع نطاقها وكثرت أرباحها حتى فاضت عن مطامع قداسة البابا ، فتنازل عن شئ من الفائض لكبار أعوانه ، فصرح لهم بإصدار صكوك لحسابهم ، استرضاء لهم ، واستعانة منه بهم فى " جلائل الأعمال " !
ولكنها كانت لابد مؤدية إلى نتائجها الطبيعية ، وهى النفور من الدين فى النهاية والنفور من رجال الدين .
فحين يرى الناس الحصيلة المتحصلة من الصكوك تذهب إلى الترف الماجن والمتاع الفاجر الذى يغرق فيه معظم البابوات وكبار رجال الدين ، وحين يرون نفرا من أصحاب الصكوك – وقد ضمنوا مغفرة ما تقدم من ذنبهم وما تأخر – غارقين فى الفساد اتكالا على أن ذنوبهم تمحى أولا بأول بسحر الصك الذى ابتاعوه ، وحين يرون السلطان الطاغى الذى تحصل عليه الكنيسة بأموالها المكدسة التى أصبحت بها أغنى من الملوك وأمراء الإقطاع ينصرف إلى مزيد من الطغيان ومزيد من الظلم ومزيد من التحكم فى رقاب العباد وعقولهم وأفكارهم ..
حين يرون ذلك كله فلا شك أنهم ينفرون فى النهاية وينسلخون من الدين الذى ينتج كل تلك الأفاعيل !
يقول ويلز فى كتاب " معالم تاريخ الإنسانية "
" ولقد قضت (أى الكنيسة) على هيبتها بعدم مراعاتها لتعاليمها ذاتها الداعية إلى الصلاح والبر . وقد سبق أن تكلمنا عن نظام التحلة " " ، وكان خاتمة حماقاتها فى القرن السادس عشر بيع " صكوك الغفران " التى بها يمكن افتداء الروح من عذاب المطهر بدفعة مالية . على أن الروح التى دفعتها (أى دفعت الكنيسة) آخر الأمر إلى هذه الفعلة المتبجحة التى كانت نكبة عليها ، كانت واضحة ملحوظة من قبل فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر " " "
سادسا : محاكم التفتيش :
يقول " ول ديورانت " بعد أن يعدد مباذل البابوات وانحرافات رجال الدين فى النص الذى أشرنا إليه آنفا : " وإذا ما عفونا عن بعض هذا الشذوذ الجنسى والانهماك فى ملاذ المأكل والمشرب فإننا لا نستطيع أن نعفو عن أعمال محاكم التفتيش " " " .. ولهذه الشهادة دلالتها فى استفظاع تلك الأعمال التى كانت تقوم بها محاكم التفتيش ، ذلك أن الأعمال التى سمح " ول ديورانت " لنفسه أن يعفو عنها هى فى الحقيقة أعمال لا تغتفر من الرجال الذين – فى زعمهم – وهبوا أنفسهم لنشر العقيدة التى يؤمنون بها وتثبيت أركانها فى الأرض .. فكيف بالأعمال التى لم يجد فى نفسه القدرة على العفو عنها ، وهو بهذه الدرجة من التساهل فيما وقع من رجال الدين من انحرافات ؟!
الحقيقة أنها كانت أبشع من أن يعفو عنها أحد فى قلبه ذرة من مشاعر الإنسانية .
يقول ويلز :
" شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة فى الكنيسة هى محكمة التفتيش البابوية . ذلك أنه جرت عادة البابا قبل ذلك الزمان بأن يقوم فى بعض الأحيان بتحقيقات أو استعلامات عن الإلحاد فى هذا الإقليم أو ذاك ، ولكن " إنوسنت الثالث " وجد الآن فى عقد الرهبان الدومينيسكيين الجديد أداة قوية للقمع ، ومن ثم نظمت محاكم التفتيش كأداة تحقيق مستديمة تحت إدارتهم . وبهذه الأداة نصبت الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير الإنسانى بالنار والعذاب ، وعملت على إضعافه مع أنه مناط أملها الوحيد فى السيادة على العالم .. وقبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرا بالملاحدة والكفار . فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون فى مئة ساحة من ساحات الأسواق فى أوروبا ليراقبوا أجسام أعدائها – وهم فى غالبية الأمر قوم فقراء لا وزن لهم – تحترق بالنار وتخمد أنفاسهم بحالة محزنة ، وتحترق وتخمد معهم فى نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية فتصبح رمادا تذروه الرياح " " " .
وينبغى أن نلاحظ هنا أن الكاتب الذى يتفطر قلبه أسى على ضحايا محاكم التفتيش من المسيحيين لا يذكر كلمة واحدة عن الفظائع البشعة التى ارتكبتها محاكم التفتيش فى الأندلس وهى تطارد المسلمين لتطرد الإسلام نهائياً من أسبانيا .. وقد كانت تلك الفظائع أفظع ما عرفه التاريخ كله من ألوان الوحشية البربرية ، التى تعد أعمال محاكم التفتيش فى أوروبا المسيحية – على شناعتها – هيئة لينة بالنسبة إليها ، وبالنسبة لأدوات التعذيب الخاصة التى استخدمت فيها ، فى الوقت الذى كانت أوروبا تعلم أنها مدينة للأندلس الإسلامية بكل ما كان فى حوزتها يومئذ من علم يعتد به ، بل مدينة بنهضتها كلها إلى القيم والمبادئ الحضارية التى تعلمتها من هناك .
ونعود بعد هذه الملاحظة إلى ويلز ، ليشرح لنا العوامل التى حدت بالكنيسة إلى اتخاذ ا***ف ضد أعدائها :
" فأصبح قساوستها وأساقفتها على التدريج رجالا مكيفين وفق مذاهب اعتقاديات حتمية وإجراءات مقررة وثابتة .. ولم تعد لم بعد رغبة فى رؤية مملكة الرب موطدة فى قلوب الناس . فقد نسوا ذلك الأمر ، وأصبحوا يرغبون فى رؤية قوة الكنيسة التى هى قوتهم هم ، متسلطة على شئون البشر .. ونظرا لأن كثيرا منهم كانوا على الأرجح يسرون الريبة فى سلامة بنيان مبادئهم الضخم المحكم وصحته المطلقة لم يسمحوا بأية مناقشة فيه . كانوا لا يحتلمون أسئلة ولا يتسامحون فى مخالفة ، لا لأنهم على ثقة من عقيدتهم ، بل لأنهم كانوا غير واثقين فيها ..
" وقد تجلى فى الكنيسة عندما وافى القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشكوك الشديدة التى تنخر بناء مدعياتها بأكمله ، وقد تجعله أثرا بعد عين . فلم تكن تستشعر أى اطمئنان نفسى . وكانت تتصيد الهراطقة فى كل مكان ، كما تبحث العجائز الخائفات – فيما يقال – عن اللصوص تحت الأسرة وفى الدواليب قبل الهجوع فى فراشهن " " " .
بهذا الهزال المتفشى فى كيانها ، والقلق المستسر فى أعماقها من بدء يقظة العقل بعد طول سبات ، راحت تكيل الضربات المجنونة لكل من يسألها ويناقشها ، أو من يخيل إليها أنه سيسألها ويناقشها ، لتحاول أن تدفع عن نفسها المصير الأسود الذى كان ينتظرها على بعد خطوات من الزمن غير بعيد .. وينبغى أن نقرر هنا ما كان للإسلام من أثر عميق فى تلك اليقظة التى فزعت منها الكنيسة ، فما كان أى عقل يقترب من الثقافة الإسلامية والحياة الفكرية الإسلامية ليرضى أن يظل عبدا لذلك الطغيان الفكرى والروحى الذى تمارسه الكنيسة أو يتقبل ترهاتها بلا مناقشة . وسواء اعترف المؤرخون الأوربيون بهذا الأثر أم لم يعترفوا (والمنصفون – وهم قلة – يعترفون) فلنعد إلى ويلز مرة أخرى يفسر لنا تلك الحالة النفسية التى ساورت الكنيسة ضد أى لون من المعرفة يأتى من مصدر غير مصادرها .
" كان هذا التعصب اأسود القاسى روحا خبيثا لا يجوز أن يخالط مشروع حكم اله فى الأرض . وإنه لروح يتعارض تماما مع روح يسوع الناصرى ، فما سمعنا قط أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له أو غير المستجيبين لدعوته ، ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم فى حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل فى كفاية الكنيسة الذهنية .
" ولم يقتصر تعصب الكنيسة على الأمور الدينية وحدها . فإن الشيوخ الحفصاء المولعين بالأبهة السريعى الهياج الحقودين ، الذين من الجلى أنهم كانوا الأغلبية المتسلطة فى مجالس الكنيسة ، كانوا يضيقون ذرعا بأية معرفة عدا معرفتهم ، ولا يثقون بأى فكر لم يصححوه ويراقبوه ، فنصبوا أنفسهم للحد من العلم ، الذى كانت غيرتهم منه بادية للعيان ، وكان أى نشاط عقلى عدا نشاطهم يعد فى نظرهم نشاطا وقحا " " " ..
وأيا كانت الأسباب فقد كانت المحاكم التفتيش وما صحبها من الفظائع عميقة الأثر فى الحس الأوروبى ، وسيئة النتائج بالنسبة للحضارة الجاهلية التى انبثقت فى أوروبا منذ عهد النهضة .. لقد أصبح عداء " الدين " المتمثل هناك فى الكنيسة ورجالها أمرا " لازما " لكل صاحب فكر حر أو ضمير حى .. لأن هذا العداء هو أبسط تعبير عن الثورة ضد الذل والمهانة التى تفرضها الكنيسة على الكرامة الإنسانية ، كما تفرضها على العقل الذى خلقه اله ليفكر لا ليمتهن بالحبس فى داخل سدود وقيود ما أنزل الله بها من سلطان ، إنما هى من صنع بشر يبدو للعقول المفكرة مدى تفاهة تفكيرهم وعجزهم ، وغطرستهم الطاغية فى ذات الوقت . ولئن كان كل ما ارتكبته الكنيسة من الخطايا كان جريمة فى حق الدين ، فإن هذه الخطيئة البشعة كانت ولا شك من كبريات الجرائم التى سجلها التاريخ .
سابعا : مساندة الكنيسة للظلم السياسى والاقتصادى والاجتماعى المتمثل فى الإقطاع :
أصبحت الكنيسة – بفضل الهبات والإتاوات والعشور والهدايا والغصب والنهب والتدليس وغير ذلك من الوسائل – أصبحت من ذوات الإقطاع . بل كانت أملاكها فى بعض الأوقات تفوق أملاك الأباطرة وأمراء الإقطاع .
ومن ثم فقد تحدد موقفها من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فوقفت فى صف الظلم تسانده وتذود عنه وتحارب حركات الإصلاح ! وكانت فى ذلك منطقية مع وضعها باعتبارها من كبار الملاك !
فهل كان يمكن – عقلا – أن تحارب الإقطاع وهى جزء منه ، بل من أكبر ممثليه ؟!
ولقد بدأت أوروبا تتململ من رقدتها – بعد احتكاكها بالعالم الإسلامى – وتطلب الإصلاح .
وقد كان احتكاكها بالعالم الإسلامى عن طريقين عظيميم وشديدى التأثير . أحدهما الاحتكاك السلمى بطلب العلم فى مدارس المسلمين فى الأندلس والشمال الإفريقى وصقلية وغيرها من الأماكن القريبة من أوروبا ، والآخر الاحتكاك الحربى فى الحروب الصليبية فى المشرق الإسلامى .
وفى كلا الاحتكاكين تفتحت عيون أوروبا على عالم مختلف كل الاختلاف عن عالمها ، لا من ناحية العلم والحضارة فقط ، بل من حيث القيم والمبادئ وأفاق الحياة وأفاق التفكير .
فأما العلم فمعروف أن أوروبا بدأت نهضتها بالتتلمذ على علوم المسلمين .. ودعك من المكابرة الأوروبية المغرورة التى تقول إن المسلمين لم يكن لهم فضل فى ذلك إلا الاحتفاظ لعلوم الإغريق فى الفترة التى غفلت فيها أوروبا عنها فى عصورها المظلمة ، فلما استيقظت أوروبا – كأنما استيقظت من ذات نفسها !! – استردت بضاعتها القديمة وانطلقت – منها – تبنى حضارتها !
دعك من هذه المكابرة لأن الواقع لا يسندها . وتكفى شهادة " روجر بيكون " التى قال فيها من أراد أن يتعلم ، فليتعلم العربية " " " !
ولو كان كل فضل المسلمين أنهم احتفظوا بعلوم الإغريق وثقافتهم ما احتاجت أوروبا أن تتعلم العربية ، فقد كان يكفيها أن ترجع إلى أصولها الإغريقية باللغة الإغريقية ، وهى لغة لم ينقطع العلم بها حتى فى العصور المظلمة ، فقد كانت إحدى اللغات " المقدسة " لغات الكتاب المقدس .
وقد يكون هذا الوصف صادقا على ما يسمى " الفلسفة الإسلامية " فقد كانت إغريقية حقا وإن لبست ملابس المسلمين ! فقد كان منهج التفكير فيها إغريقيا وإن تناولت موضوعات إسلامية . وهذه – فى رأيى – هى أضعف نقاط الثقافة الإسلامية على الإطلاق .
أما أن توصف الحركة العلمية والفكرية والإسلامية كلها بأنها إغريقية ، لمجرد أنها استمدت من الثقافة الإغريقية عند البدء ، فمغالطة متبجحة لا يسندها الواقع ، كما لو قلنا إن العلم الحاضر إسلامى كله ولا فضل لأوروبا فيه ، لمجرد أنه استمد أصوله كلها من المسلمين ! وهذه مغالطة لا يقولها أحد منا – ولو قالها لكانت مضحكة غير مقبولة – لأن الله أمرنا – إذا قلنا – أن نعدل .. ولو كان ذا قربى :
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [سورة الأنعام 6/152]
{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [سورة المائدة 5/8]
إن أهم ما أخذته أوروبا عن المسلمين كما يعترف المنصفون منهم – وما أقلهم ! – لم يكن العلوم فى ذاتها ، وإن كانت هذه تستحق أن يشار إليها ويشاد بها ، خاصة فى الكيمياء والفيزياء والطب والفلك والرياضيات ، إنما كان المنهج الترجيبى فى البحث العلمى ، وهذا هو الذى يرد إليه – بحق – كل التقدم الذى أحرزته أوروبا فى ميدان العلوم فيما بعد ، لأنه شئ جديد لم تكن تحسنه من قبل ، ولأن التقدم العلمى كان مستحيلا بدونه .. ويبقى لأوروبا فضها – بعد ذلك – فى المثابرة والصبر والمتابعة ، بينما ركن المسلمون إلى سبات عميق .
وأما الحضارة بصورها المادية وقيمها ومبادئها فهذا الذى أيقظ أوروبا من سباتها ودفعها إلى طلب الإصلاح للواقع الفاسد الآسن المنتن الذى كانت تعيش فيه .
ويكفى أن نقول بالنسبة للصور المادية للحضارة إن أوروبا – لوقت احتكاكها مع المسلمين – لم تكن تعرف الحمامات الخاصة داخل البيوت ! إنما كانت منذ العهد الرومانى تستخدم الحمامات العامة سواء فى تنظيف ملابسها أو تنظيف أجسادها .. إلى حد أن محاكم التفتيش التى أنشئت لمطاردة الإسلام فى الأندلس بأفظع وحشية عرفها التاريخ ، كانت تترعف على بيوت المسلمين الذين تنصروا ظاهرا للفرار من التعذيب بإحدى وسيلتين : الهينمة الخافتة فى جنح الليل التى كانت تدلهم على قراءة القرآن ، أو العثور على حمام خاص فى البيت ، وكانت هذه علامة مميزة قاطعة ، مما يرتكب هذه الجريمة – جريمة وجود حمام خاص فى البيت – إلا المسلمون !!
أما من ناحية القيم والمبادئ فهذا – فى الواقع – أهم ما أيقظ أوروبا من سباتها .
كانت أوروبا تعيش فى ظلمات الإقطاع .. وما أدراك ما ظلمات الإقطاع !
أمير الإقطاعية هو الحاكم المطلق فى إقطاعيته .. لا قانون إلا قانونه .. هو السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية كلها فى آن . هو الملك لكل شئ والباقون عبيد .. إما عبيد السيد وإما عبيد الأرض يورثون ويباعون ويشترون ، وينتقلون – مع الأرض – من سيد إلى سيد ، لا يملكون حق الانتقال من إقطاعية إلى إقطاعية ولو كان يفصل بينهما سور واحد ! عليهم كل ثقيل من التبعات وليس لهم شئ يذكر من الحقوق !
فأما الحقوق السياسية فلا نصيب لهم منها على الإطلاق ولا يفكر أحد ولا يتصور أحد ، أن يكون لهم مشاركة فى السياسة من قريب ولا من بعيد .. وكيف يشاركون ؟ وأين هم حتى يشاركوا ؟! إنهم قابعون هناك – فى الإقطاعية – فى بيوتهم الريفية القذرة ، على استعداد أبدا لخدمة سيدهم أمير الإقطاعية ، والشرف لأحدهم أن يندبه الأمير لخدمة خاصة غير بقية الأصفار الآدمية التى تمتلئ بها الإقطاعية ، فذلك تمييز وتكريم أى تكريم !
وكان الإقطاعى بدوره يقوم " برعاية " هذه القطع الآدمية المتناثرة فى أرضه !
فهو يشهد أفراح زفافهم ويستخدم – فى كثير من الأحيان – حق الليلة الأولى ، أى حق الخلوة بالعروس ليلة عرسها ، قبل أن يتسلمها زوجها ! وبذلك يعيش هو عرس دائم متجدد ويتسلم العبيد فضلاته !
وهو يطحن لهم غلالهم فى مطحنه وهو المطحن الوحيد المصرح به فى القرية ، لقاء أجر يحدده هو على مزاجه ، وكذلك يعصر لهم كرومهم فى معصرته ، ليشربوا .. وينسوا !
كما أنه يدافع عنهم ضد أى هجوم من أمير آخر – وما أكثر ما يحدث الهجوم – وذلك بتجنيدهم ودفعهم إلى القتال .. ليموتوا !
كما يفرض عليهم من الضرائب ما يرتاح إليه ضميره ، وما يستريح ضميره حتى تمتلئ خزائنه ، ما تمتلئ حتى تفرغ من جديد !
وهكذا تتنوع ألوان " الرعاية " التى يقدمها لهم .. له منها كل حلوة ولهم العذاب ..
وحين كانوا فى هذه الظلمات ، احتكوا بالمسلمين ، سواء الاحتكاك الحربى أو السلمى الذى استمر عدة قرون .
وجدوا عند المسلمين " دولة " منظمة ، يحكمها حاكم يعاونه معاونوه ويخضع الناس لحكمه سواسية على درجة واحدة من الخضوع . وكان هذا شيئا جديدا عليهم ، فقد كانت لديهم " دولة " نعم ولكنهم لا يتصلون بها – وأنى لهم ؟ - ولا تتصل هى بهم إلا من خلال أمراء الإقطاع ، وأمراء الإقطاع هم حكامهم الحقيقيون المباشرون ، وليس لرئيس الدولة سلطان عليهم فيما يفعلون فى إقطاعياتهم ، إنما سلطانه عليهم محصور فى المال الذى يطلبه منهم – فيأخذونه هم من دماء فلاحيهم ، وتبقى خزائنهم الخاصة لا تمس – وفى المجندين الذين يطلبهم منهم إذا قامت الحرب – وكثيرا ما تقوم – فيقدم الإقطاعى ما استطاع من دماء فلاحيه لكى يرضى الملك أو الإمبراطور عنه ، ويدع يده مطلقة بعد ذلك يفعل بعبيده وأقنانه " " ما يشاء .
ووجدوا قضاء منظما .. أى قضاة يحكمون بين الناس فيما شجر بينهم ، يعامل الناس أمامهم على السوية ، ويملك الإنسان إذا شاء أن يختصم إلى ذلك القضاء مع واليه أو رئيسه أو من يكون خصمائه فيحكم القاضى بما يرضى ضميره هو لا بهوى السلطان .
ووجدوا شريعة حاكمة .. شريعة ليست هى هوى الإقطاعى .. إنما هى شرائع ثابتة يضبطها الكتاب الذى أنزلت به ويضبطها اجتهاد فقهاء الأمة – وهم ليسوا طرفا فى خصومة مع أحد بعينه ، وليسوا حكاما يجورون بالسلطان – وإنما هم مجتهدون يفسرون النص القرآنى ويستنبطون الأحكام منه ، أو يقيسون عليه ، أو يبحثون عن المصلحة " العامة " لا الخاصة فيما يجتهدون به من الأحكام .
باختصار وجدوا الإسلام ..
وقد كان شئ وجوده جديدا بالمرة عليهم ، فقد كان الذى يعرفونه من قبل هو ذلك الطاغوت الذى يحكمهم فيكون هو الخصم والحكم وهو المشرع والقاضى والمنفذ .. وهو الذى يتصرف فيهم بلا مراجع .. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون !
كان ذلك هو الذى استجاش أوروبا لتتمرد على هذا الظلام الشامل أو الفساد الشامل الذى تعيش فيه .. وتطلب الإصلاح .
وكان الإقطاع – بكل ما يشتمل عليه من ظلم سياسى واقتصادى واجتماعى – هو الهدف الأول لمحاولات الإصلاح . وإن كان طلب الإصلاح الذى نشأ من الاحتكاك بالمسلمين شاملا فى الحقيقة كل ميادين الحياة .
عندئذ بدأت أصوات المصلحين تتتابع ، ثم بدأت أنات خافتة تسمع من أفواه " الكادحين " .
فكيف كان موقف الكنيسة الغارقة فى الإقطاع وفى الطغيان ؟!
لقد وقفت تتهدد الثائرين على الظلم ، المتمردين على الطواغيت ، بأنهم مارقون من الدين ، وأنهم ملعونون عند الله !
ووقفت تحاول تخدير الثائرين على الظلم ، بأن الرضا بالظلم فى الحياة الدنيا هو مفتاح الرضوان فى الآخرة .. فأما العبيد الثائرون والأقنان فقالت لهم إن السد المسيح يقول : " من خدم سيدين فى الدنيا خير ممن خدم سيدا واحدا" .. وأما المظلومون عامة فقالت لهم إن من احتمل عذاب الدنيا فسيعوضه الله بالجنة فى الآخرة .
ومن هنا قال ماركس قولته الشهيرة : الدين أفيون الشعوب ! وهى قولة صادقة كل الصدق على دين الكنيسة المحرف ، ولكنها كاذبة كل الكذب حين تطلق على الدين المنزل من عند الله .
لقد كانت خطيئة الكنيسة هنا خطيئة مثلثة .
فهى أولا لم تسع قط منذ تسلمها السلطة إلى تحكيم شريعة الله المنزلة عليهم فى التوراة والإنجيل :
{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47)} [سورة المائدة 5/46-47]
والسلطان الذى نازعت فيه الملوك والأباطرة وغلبتهم عليه فترة من الوقت كان – كما أشرنا من قبل – فرصة مهيأة لفرض شريعة الله على أولئك الملوك والأباطرة ، وإزالة الظلم السياسى والاقتصادى والاجتماعى المتمثل فى القانون الرومانى من جهة ، والإقطاع من جهة أخرى .. كما فعل الإسلام فى الأرض التى حررها من السيطرة الرومانية – والسيطرة الفارسية كذلك – فألغى فيها حكم الجاهلية إلغاء كاملا ، وحكم فيها شريعة الله ، فعاشت فى ظلال العدل الربانى عدة قرون ، سواء دخل أهلها فى الإسلام أو بقوا على دينهم الذى كانوا عليه قبل الفتح الإسلامى .
ولكن البابوات الذين نازعوا الأباطرة سلطانهم – وغلبوهم عليه – لم يفكروا أبدا فى تحكيم شريعة التوراة والإنجيل الواجبة التنفيذ – فى إبانها – حتى ينزل الله شريعته الأخيرة فتصبح هى الواجبة التنفيذ .. إنما استخدموا سلطانهم السياسى (أو الدنيوى) كله فى إخضاع الأباطرة لنفوذهم الشخصى وأهوائهم الشخصية ، وأذلوهم بها أيما إذلال !
والخطيئة الثانية هى صد أوروبا عن الإسلام حين بدأت تتفتح له عن طريق التأثير المصاحب للمبتعثين الأوروبيين العائدين من أرض الإسلام ، وموقفها المتعصب الأحمق ضد الدين السماوى المنزل للبشر كافة ، وتكليف كتابها بتشويه صورة هذا الدين وتشويه صورة رسوله صلى الله عليه وسلم بتصويره بأنه ساحر وأنه كذاب ، وأنه همجى وشهوانى وسفاك دماء .. الخ مما لا تزال أوروبا تلوكه بغير وعى إلى هذه اللحظة !
والخطيئة الثالثة أنها لم تكتف بذلك كله بل وقفت موقفا صريحا إلى جانب الطواغيت – وهى ممثلة الدين السماوى ، دين الرحمة والرأفة – وهددت الثائرين على الظلم با***ة الأبدية وغضب الرب ، واتهمتهم بالمروق من الدين !
الخلاصة :
حين يستعرض الإنسان هذا التاريخ الحافل بالمخازى والخطايا والأخطاء .. من طغيان روحى وفكرى ومالى وسياسى وعلمى ، وفساد خلقى ، وانحراف فكرى وسلوكى ، ومساندة للظلم فى جميع ألوانه ، وتخذيل للمصلحين وتخدير للمظلومين ، وصد عن سبيل الله ، وتشويه لصورة الدين .. هل نعجب من النهاية التى وصلت الأمور إليها من انسلاخ الناس فى أوروبا من ذلك الدين ونفورهم منه ، وثورتهم على رجاله ، وإبعادهم له عن كل مجالات الحياة؟
إن الفطرة البشرية لتثور على الظلم وتمجه ولو احتملته عدة قرون !
وهذا البطء فى قيام رد الفعل هو الذى يغرى الطغاة بالاستمرار فى طغيانهم ، ظانين أن الأمور ستظل فى أيديهم أبدا ، وأنها غير قابلة للتغيير .
ولكن عبرة التاريخ قائمة لمن يريد أن يعتبر .. وما يعتبر إلا أولو الألباب .. أما الطغاة مطموسو البصيرة فأنى لهم أن يعتبروا ؟!
{قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101)} [سورة يونس 10/101]
{وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)} [سورة إبراهيم 14/45-46]
وهذا البطء فى قيام رد الفعل هو الذى أغرى كذلك بعض " العلماء " أن يقولوا إنه لا توجد فطرة للإنسان! وإن الإنسان ليس له قالب محدد . وإنما هو يصب فى أى قالب يراد له فيتشكل بشكله ، ويظل قابعا فيه حتى يصب فى قالب جديد " ".
ولله فى خلقه شئون . وتركيبه للنفس الإنسانية على الصورة التى ركبها عليها فيه حكمة ولا شك .. ولكنا نتحدث هنا عن الواقع التاريخى ودلالاته .
إن النفوس تخضع لجبروت الطغيان خوفا وطمعا فى أول الأمر ، لأن الطغاة يحمون جبروتهم بشتى وسائل الحماية من ترغيب وترهيب .. ثم تتبلد النفوس من جهة ، ويأخذ الطغيان صورة الأمر الواقع من جهة ، فيستقر فى الأرض فترة تطول أو تقصر ، هى التى يتخيل الطغاة فيها أنهم باقون أبدا ، مسيطرون أبدا ، لا يمكن زحزحتهم ولا تبديل الأحوال التى مكنت لهم فى الأرض .
ثم تبدأ نفوس تتململ . هى أكثر وعيا وأكثر حساسية أو أصل بعودا أو أكثر مخاطرة .. أو ما يكون من الأسباب .
وهنا يلجأ الطغاة إلى جبروتهم مرة أخرى ، ويستخدمون وسائل الإرهاب لوقف هذه الظاهرة " المنكرة " عن الانتشار ، وتأديب الخارجين لكى يكونوا عبرة للآخرين .
ثم يكون هذا ذاته هو بدء النهاية ! يشتد الجبروت وتتولد مقاومة متزايدة له فى داخل النفوس بمقدار ما يشتد ويمعن فى الطغيان .
وفى لحظة معينة يحدث الانفجار .. ويكون كالطوفان !
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)} [سورة الرعد 13/41]
ولقد بدأت نذر الثورة على الكنيسة ورجال الدين ، وعلى الدين المزيف الذى تقدمه الكنيسة ، بدأت منذ عصر النهضة . وبدأ الكتاب يتمردون على سلطان الكنيسة الطاغى ويهاجمون رجال الدين ، بل يهاجمون كذلك خرافات ذلك الدين الكنسى ومعمياته .
ولكنها كانت أصواتا متناثرة ، فظن القوم أنهم قادرون عليها وعلى إسكاتها .
ولكن سنة من سنن الله كانت ترجى ، وما يستطيع أحد أن يقف سنة اله عن الجريان .
كانت هذه الأصوات تهز النائمين ليصحوا .. تزيل عنهم تبلد نفوسهم .. وتزيل ثقلة " الأمر الواقع " من حسهم ، وتشعرهم أن التغيير ممكن ، وأن هذا الأمر الواقع ليست له صفة الخلود ، ولا هو كذلك فى منعة من النقد والتجريح .
وبذلك الكنيسة جهدها فى محاولة إسكات هذه الأصوات ، مستخدمة فى ذلك نفوذها على قلوب الناس وعقولهم وأرواحهم ، وسلطانها " التقليدى " الذى كانت تأمر به فتطاع ، وينظر إلى كلمتها على أنها موضع التقديس .. لأنها مرتبطة فى حس الجماهير بالدين .. وما أعظم سلطان الدين على النفوس . كما استخدمت محاكم التفتيش حين اشتد فزعها وخافت على ما فى يدها من السلطان .
ولكن رويدا رويدا زادت الأصوات عددا ، وزادت جرأة ، وزادت استخفافا بالجبروت .
علماء .. ومفكرون .. وفلاسفة .. ومصلحون .. وحاقدون ! حاقدون على سلطان الكنيسة الطاغى وما تتمتع به من المزايا بغير استحقاق ..
وكانت العملية بطيئة .. بطيئة .. بطيئة .. !!فقد كان حجم الطغيان هائلا مخيفا ، وكان له فى الأرض تمكن طويل يبلغ عدة قرون .
ولكن فى النهاية حدث الانفجار !
وكان بشعا فى شدة انفجاره ، بشعا فى سرعة اكتساحه ، بشعا فى قسوة الحمم الذى تفجر من بركانه .
كانت الثورة الفرنسية بكل ما تضمنت من ألوان ا***ف والبطش والقتل وإسالة الدماء ..
واكتسحت الثورة الفرنسية فى طريقها ما كان قد تراكم من المظالم خلال ألف وأربعمائة عام ! وأزالت الطبقتين الحاكمتين الطاغيتين المتحالفتين ! رجال الإقطاع (الإشراف !) ورجال الدين !
ومع ذلك فإن الأمور – فى تلك الثورة – لم تسر فى سمارها الطبيعى .. فعلى الرغم من كل الظلم المتراكم أكثر من ألف عام ، من الإقطاعيين ورجال الدين سواء ، وعلى الرغم من كل الحقد المشحون فى الصدور تجاه هاتين الطبقتين ، وعلى الرغم من وحشية الجماهير حين تتولى هى القيادة .
على الرغم من ذلك كله فقد كان يمكن أن تسير الثورة فى تمردها وقضائها على الظالمين مسارا آخر .. لولا أن يدا خبيثة تدخلت لتتجه بالثورة فى مسار معين ، يخدم أغراضها هى قبل كل شئ آخر .. سواء خدم أو لم يخدم أهداف الآخرين !
تلك هى يد اليهود ...

التمهيد الثانى
دور اليهود فى إفساد أوروبا
اليهود لا ينشئون الأحداث كما يزعمون لأنفسهم وكما يتوهم الذين تبهرهم سيطرة اليهود فى الوقت الحاضر .
ولكن لا شك أنهم يجيدون انتهاز الفرص واستغلالها لتنفيذ مخططهم الشرير .
ولحكمة ما أخرج الله هذه الأمة وناط بها دورا تؤديه فى التاريخ .
ومشكلة هذه الأمة كامنة فى جبلتها المنحرفة التى لا تستجيب لدواعى الخير ولا تستقيم على الهدى ولا تشرق روحها ببارقة من نور ..
جحدوا فضل الله عليهم ، وجحدوا أنبياءهم ، وجحدوا كل فضل قدمه إليهم أحد من البشر .. وقابلوا كل ذلك بإنكار الجميل أو الطمع والجشع والحسد وقساوة القلب .
كرهتهم كل الأمم لخصالهم تلك ، فانطووا على أنفسهم ، يملأ نفوسهم الحقد الدفين على الأمم كلها ، يريدون أن يقضوا على كل شعوب الأرض ليبقوا هم وحدهم ، أو يريدون أن يستعبدوا الأمم كلها ويسخروها لمصالحهم .
وعقدتهم الكبرى اعتقادهم أنهم شعب الله المختار . ومن ثم فينبغى أن يكون بقية البشر خدما وعبيدا لهم ، ويكونوا وحدهم هم المسيطرين .
ولقد اختارهم الله حقا ذات يوم وكانوا شعب الله المختار .
{وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنْ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ (33)} [سورة الدخان 44/30-33]
ولكنهم عند الابتلاء سقطوا ، وجحدوا تلك النعمة الهائلة فلم يرعوها حق رعايتها ، بل يرعوها بشئ على الإطلاق ! {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} [سورة البقرة 2/47]
فهل ذكروا ؟!
{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)} [سورة البقرة 2/87]
{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنْ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمْ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (161)} [سورة النساء 4/152-161]
تلك صفحتهم السوداء التى أدت إلى نزع العهد منهم ورفع الاختيار عنهم ومنحه لأمة سواهم.
ولقد كان هذا الأمر واضحا ومقررا فى أمنية إبراهيم عليه السلام ورد الله عز وجل عليه :
{وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)} [سورة البقرة 2/124]
فقد ابتلى الله إبراهيم جملة ابتلاءات كان أشقها وأصعبها أمره له أن يذبح ولده الحبيب إسماعيل ، واستجاب هو وولده للابتلاء العظيم :
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)} [سورة الصافات 37/99-111]
فلما أتم إبراهيم الابتلاء وجازه بنجاح كبير كافأه الله على ذلك بجعله إماما للناس . وهنا تحركت فى إبراهيم عليه السلام رغبته البشرية فى أن يكون هذا الفضل مستمرا فى عقبه ، وأن يكون العهد باقيا فى ذريته لا ينقطع ، فهل جامله اله سبحانه وتعالى وهو يصطفيه ويقربه ويجعله خليلا له ، بأن أجابه إلى طلبه على إطلاقه ؟! كلا ! بل جاء الرد حاسما قاطعا : قال : " لا ينال عهدى الظالمين ! " ، وكان المعنى به هم بنو إسرائيل بالذات .
فلما اختار الله بنى إسرائيل فقد اختارهم للابتلاء : {وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ (33)} [سورة الدخان 44/33] فكانت نتيجة الابتلاء هى هذا التاريخ الأسود الذى اقترفوه فى الأرض ، والظلم الذى أنذرهم الله أن يرفع عنهم العهد بسببه ولا يبقيه فى أيديهم .. ونزع العهد منهم بالفعل تحقيقا لسنة الله الجارية التى لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابى أحدا من البشر . نزع العهد عن " شعب الله المختار " فلم يعد مختارا بعد ، ومنح الله فضله ونعمته لأمة أخرى هى التى قال لها : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [سورة المائدة 5/3] وقال عنها :
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110]
واشتد الحسد والحقد منذ ذلك الحين .
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ} [سورة البقرة 2/109]
ولقد جهدوا جهدهم كله لمحاولة القضاء على الأمة الإسلامية فى مهدها ، حتى يئسوا فانكمشوا إلى حين.
{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [سورة المائدة 5/3]
ولكن حقدهم ظل معهم ، بل ظل يتزايد على طول الزمان وزاد تصميمهم الخبيث على نشر الشر فى الأرض وسحق كل أمة عداهم .. حتى واتتهم الفرصة السانحة فى العهد الأخير ..
وهنا يخطر سؤال : أليس الله سبحانه وتعالى قد تكفل بقهرهم وتسليط العذاب عليهم إلى قيام الساعة جزاء كفرهم وتبجحهم ؟
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [سورة الأعراف 7/167]

بلى ! ولكن هناك حالات استثنائية فى تاريخهم يشير إليها كتاب الله :
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ} [سورة آل 3/112]
بحبل من الله وحبل من الناس ترتفع عنهم الذلة – مؤقتا – ويمكنون فى الأرض ، لحكمة وغاية يريدها الله .. ثم يعودون إلى الوعد المستمر :
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} [سورة آل عمران 3/112]
{لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} سورة الأعراف 7/167]
والآن هم فى هذه الفترة الاستثنائية التى أشارت إليها الآية الكريمة من سورة آل عمران .
ولئن كان مخططهم هو استبعاد البشرية كلها وسحقها تحت أقدامهم ، ولئن كان الإسلام عدوهم الأول الذى يحقدون عليه الحقد الأشد ، فما كانوا – حين بدأوا ينشطون نشاطهم الضارى فى التاريخ الحديث – ما كانوا يجدون الفرصة السانحة للانقضاض على الإسلام ، فبدأوا بأوربا ، إذ وجدوها أيسر منالا لما كان فى حياتهم من الثغرات التى أحدثتها الكنيسة بحماقاتها وخطاياها ، فيسرت لليهود أن يخرجوا من أجحارهم ويعيثوا فسادا فى الأرض.
والآن فلننظر كيف تحرك اليهود لتنفيذ مخططهم الشرير ، انتهازا للفرصة السانحة واستغلالا للأحداث الجارية ، لا إنشاء للأحداث كما يدعون عن أنفسهم ، وكما يرسمهم من يهول من مقدرتهم الشريرة من أمثال " وليم كار " مؤلف الكتاب الشهير ر" أحجار على رقعة الشطرنج " الذى ينسب فيه كل أحداث التاريخ لفعل اليهود !
يقول التلمود " " لليهود : الأمميون (أى كل الأمم غير اليهود) هم الحمير (دواب الحمل) الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار ، وكلما نفق منهم **** ركبنا ****ا آخر ! ..
وبصرف النظر عن وقاحة التعبير وغلظته فهو واضح الدلالة على هذا الكبر الذى وصفه الله فيهم : " أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم .. " فإنهم إذا كانوا يستكبرون على الرسل فكيف يكون استكبارهم وغطرستهم وصلفهم على البشر من غير الأنبياء ؟!
ثم يصف لهم التلمود كيف ينبغى لشعب الله المختار أن يعامل الأممين ! " اقتل الصالح من غير الإسرائيليين . ومحرم على اليهودى أن ينجى أحدا من باقى الأمم من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين " " " .
" إذا سرقأولد نوح – أى من غير اليهود – شيئا ولو كانت قيمته طفيفة جدا يستحقون الموت ، لأنهم خالفوا الوصايا التى أعطاها الله لهم ، أما اليهود فمصرح لهم أن يضربوا الأمى " " " .
" إن تجارة البغاء بالأجنبى والأجنبية ليست إثما ، لأن الشريعة براء منهما" " " .
وهذه التعاليم أكثر قداسة عندهم من التعاليم الواردة فى كتاب الله المنزل ، التى تدعو إلى البر والخير الذى لم يطيقوه أبدا ولم يطبقوه فى حياتهم أبدا ، إلا قليل منهم ، وهذا هو الذى أشار إليه القرآن الكريم :
{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} [سورة آل 3/75]
فهم يدعون على الله أنه أذن لهم أن يعاملوا الأميين (وهم الأمميون فى التعبير الآخر) على هذا النحو ، وهم يعلمون أنهم يكذبون على الله . ثم يطيعون الكذب الذى يعلمون كذبه ، ويعرضون عن الصدق الذى يعلمون أنه الحق !
وإذ كان مخططهم هو استبعاد البشرية و" است****ها " وتسخيرها لمصالحهم ، فقد علموا أن أنجح الوسائل لذلك هى نزع عقائد الأممين وإفساد أخلاقهم .
يقول القرآن عنهم :
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)} [سورة الجمعة 62/5]
ورغم أن هذا القول نازل فيهم ، فقد وعوه وطبقوه على غيرهم !
إن العبرة فى الآية الكريمة أن الأمة التى أنزل الله كتابا من عنده لتحكمه فى شئون حياتها وتجرى حياتها بمقتضاه ثم أعرضت عنه ونبذته ، تفقد آدميتها وتتحول إلى دواب كالحمير . وهو نفس المعنى الذى تحمله الآية : {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179)} [سورة الأعراف 7/179] .
وإذ وعى اليهود هذه الحكمة من قديم – وان كانوا يستثنون منها أنفسهم باعتبارهم شعب الله المختار ! – فهم يسعون أبدا إلى نشر الفساد فى الأرض ، الفساد العقيدى والفساد الخلقى .. وكل أنواع الفساد :
{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)} [سورة المائدة 5/64]
تقول البروتوكولات :
" يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول غير اليهود ، وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورات مادية " " " .
" ومن المسيحيين أناس قد أضلتهم الخمر وانقلب شبابهم مجانين بالكلاسيكيات والمجون المبكر الذى أغراهم به وكلاؤنا ومعلمونا وخدمنا ، ونساؤنا فى أماكن لهوهم والراغبات من زملائهن فى الفساد والترف " " ".
وهذا هو المخطط الشرير ..
ولقد ظل اليهود قرونا طويلة يسعون إلى تحقيق هذا المخطط ويحلمون باليوم الذى يجردون فيه الأمم كلها من دينها ، ليبقى شعب الله المختار وحده هو صاحب الكتاب وصاحب الدين .. وعندئذ يتحقق الوعد المزعوم ويحكمون كل البشرية !
ولكن هذا السعى ظل خائبا عدة قرون سواء فى العالم الإسلامى أو العالم المسيحى – رغم كل محاولاتهم الشريرة فى القضاء عليهما – حتى سنحت الفرصة الكبرى أمامهم حين أخذت أوروبا تنسلخ من دينها وتسعى إلى " التحرر " من ذلك الدين ..
هناك واتت الفرصة المرتقبة منذ قرون . لا لأن اليهود دبروا الأحداث – كما يزعمون فى البروتوكولات – ولا لأن تراكم التخطيط عبر القرون قد أتى ثماره آخر الأمر كما يرى أمثال وليم كار فى كتاب الأحجار .. ولكن لأن أوروبا هى التى " استحمرت " نفسها لشعب الله المختار حين فرت من الدين {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)} [سورة المدثر 74/50-51]
لو ظلت أوروبا ذات دين وعقيدة ما استطاع اليهود أن يصنعوا ما صنعوا ولا أن يفسدوا ما أفسدوا .
صحيح أن العقيدة التى قدمتها الكنيسة- أو قدمها بولس اليهودى الأصل – إلى أوروبا كانت فاسدة منذ أول لحظة ، وأن الدين الذى نشرته الكنيسة لم يكن هو دين الله المنزل .. وأنه منذ اللحظة الأولى كان يحمل الثغرات التى يمكن أن ينفذ منها أولياء الشيطان . ولكن شدة تمسك أوروبا بعقيدتها – رغم فسادها – قد جمد محاولات اليهود لتنفيذ الخطط الشريرة فترة طويلة ، رغم أنهم لم يكفوا عن المحاولة خلال تلك القرون كما يقول – بحق – وليم كار فى كتاب " أحجار على رقعة الشطرنج " .
لقد كانت العقيدة فاسدة نعم ولكنها كانت تدعو الناس إلى الفضيلة وتحذرهم من حبائل الشيطان وتحذرهم من فتنة الجنس خاصة ، وتصل بهم إلى درجة التزمت والرهبانية ، والجنس من أشد أدوات اليهود فعالية فى إفساد الأمميين !
كانت الأسرة متماسكة ، والشباب – فى الغالب – يتزوج مبكرا ، والاختلاط محدود ، ودواعى الجريمة محدودة ، والحياة بسيطة أقرب إلى الشظف وعيش الكفاف .. وفى مثل هذا الجو ماذا يملك اليهود مهما كانت براعتهم فى الشر ؟!
لقد كان أقصى ما يفعلون هو جمع المال ، وإقراضه بالربا الفاحش للمحتاجين ، وإيقاع أمراء الإقطاع فى الدين ليستولوا فى النهاية على ثرواتهم .
ولكن تأثيرهم فى مجموع الناس كان معدوما أو ضئيلا إلى أقصى حد ، خاصة واليهود فى أوروبا فى ذلك الحين محتقرون مهينون فوق البغضاء الموجهة إليهم والاضطهاد الحائق بهم على أساس أنهم قتلة المسيح كما يعتقد المسيحيون !
ولكن الحماقات المتوالية للكنيسة والخطايا التى ارتكبتها فى حق الدين وحق الناس هى التى صدعت الكيان الدينى فى النهاية وأوجدت الثغرات الواسعة التى نفذ منها الشريرون .
منذ بدء " النهضة " وجدت الثغرات التى تمناها اليهود وجلسوا فى انتظارها عدة قرون . فقد قامت تلك النهضة منذ مبدئها على أسس إغريقية رومانية غير مسيحية ، بل إنها فى الواقع قامت على أسس مضادة للمسيحية معادية لها ، وإن كانت لم تستطع أن تخوض المعركة الحاسمة مع المسيحية إلا بعد ذلك بأجيال ، ظلت الكنيسة خلالها ذات نفوذ واسع على الجماهير على أقل تقدير .
ويوما بعد يوم كانت تقترب اللحظة التى يمكن أن ينهار فيها سلطان الكنيسة ويصبح دينها الذى فرضته على الناس عديم السلطان أو ضعيف التأثير .
وفى الثورة الفرنسية وقع ذلك الانفجار الحاد ، الذى دوى فى أرجاء أوروبا كلها فأودى بالإقطاع وزلزل كيان الدين .
ومع ذلك فقد كان من الممكن أن تسير الثورة فى سمار آخر لو لم يتدخل ذلك ا***صر الشرير فى توجيه الأحداث وجهة معينة تخدم أهدافه الخاصة بصرف النظر عن أهداف الثائرين !
كانت أهداف الثائرين هى القضاء على ذينك الحليفين الطاغيين المستبدين : رجال الإقطاع (الإشراف !) ورجال الدين . وكان الإقطاع شرا خالصا فكان ينبغى أن يزول ، وكان الدين الذى تقدمه الكنيسة وتطغى به على الناس يحوى بعض الحقائق وكثيرا من الأباطيل ، فكان يمكن أن تصحح أباطيله ، ويستبدل به الدين الحق ، الخالى أساسا من الأباطيل .
ولكن اليهود حين دخلوا فى الأمر لم يدعوا الفرصة لتصحيح الدين .. وإنما اهتبلوها فرصة سانحة لتحطيم الدين ! وهذا هو الدور الحقيقى الذى لعبوه فى الثورة الفرنسية ، لا لأنهم هم الذين أنشأوها كما يزعمون فى البروتوكولات ، ويتابعهم فى زعمهم وليم كار فى كتاب الأحجار ..
حقيقة إن المحافل الماسونية المنتشرة فى فرنسا فى ذلك الوقت هى التى قامت بالتحضير للثورة ، وهى التى رفعت شعاراتها الخاصة – الحرية والإخاء والمساواة – شعارات للثورة الفرنسية ، على غير وعى " الأممين " الذين قاموا بها ! وإن بعض الخطباء من اليهود اشتركوا فى إلهاب حماسة الجماهير وتفجير الغضب المكبوت .. ولكن هل كان فى طوق اليهود – مهما فعلوا ، ومهما تكن براعتهم الشريرة – أن يشعلوا الثورة لو لم تكن خاماتها موجودة فى النفوس ومستعدة للاشتعال ؟!
أما دخول اليهود فى الثورة فقد كان لتحقيق هدفين كبيرين من أهدافهم الخاصة ، أحدهما كانت الثورة تتجه إليه من تلقاء ذاتها ، والثانى كانت وجهة الثورة فيه تيسر لهم الوصول إلى هدفهم الخاص حين يستغلون الأحداث على طريقتهم الشريرة فى استغلال الأحداث .
فأما الهدف الأول فقد كان تحطيم الإقطاع وهذا كان يوافق هدفا مرحليا خاصا لليهود .
وأما الهدف الثانى فقد كان تحطيم نفوذ الكنيسة ورجال الدين ، وهذا الذى حوله اليهود – لحسابهم الخاص – إلى تحطيم لذات الدين .
كان لليهود أكثر من مصلحة فى تحطيم الإقطاع ، فلا عجب أن يدخلوا فى الثورة التى رأوها متجهة – من تلقاء نفسها – إلى تحطيمه .
كانت الثورة الصناعية تدق الأبواب .. وكان اليهود يقدرون لأنفسهم فيها أرباحا طائلة عن طريق الإقراض بالربا . فمنذ مولدها واحتياجها إلى المال لتمويل الصناعة الناشئة ، سقطت فريسة فى يد اليهود .. وما تزال حتى هذه اللحظة فى أيديهم .
كان المال الوفير الذى يصلح لتمويل الثورة الصناعية فى يد طائفتين اثنتين فى ذلك الحين : طائفة أمراء الإقطاع وطائفة المرابين من اليهود . فأما أمراء الإقطاع فقد رفضوا تمويل الصناعة الناشئة وأبوا أن ينقلوا أموالهم من دورتها الزراعية المألوفة لديهم ، والمضمونة الربح لهم ، إلى عملية جديدة لا يعرفونها ، ولا يطمئنون إليها لعدم تمرسهم بها ، خاصة وأن كثيرا من العمليات الصناعية كان يفلس فى مبدأ الأمر بسبب نقص الخبرة أو عدم توفر الأسواق أو عدم وجود المواصلات الميسرة ؛ أو عدم إقبال الناس على الأشياء المصنوعة بالآلة وتفضيل المصنوعات اليدوية عليها بحكم الألفة الطويلة ، وعلى أساس أن استخدام المصنوعات الآلية سيمحق البركة من حياتهم لأن فيه إصبعا من أصابع الشيطان !
عندئذ تقدم اليهود لتمويل تلك الصناعات مرحبين ، لأنهم – على طريقتهم – لا يخسرون شيئا سواء ربحت الصناعة أو خسرت أو أفلست إفلاسا كاملا ، ذلك أنهم لا يشتركون اشتراكا مباشرا برؤوس أموالهم ، وإنما يقرضون أصحاب الصناعات بالربا الفاحش مقابل ضمانات تضمن لهم رجوع أموالهم إليهم مع الفوائد المضاعفة دون أن يتعرضوا للخسائر التى كانت تتعرض لها الصناعة الناشئة فى ذلك الوقت فى كثير من الأحيان .
وفكرة المصرف (البنك) فكرة يهودية بحتة ، تقوم على تشجيع الناس على إيداع أموالهم – أو ارتهانها – لديهم مقابل إعطائهم صكوكا بها ، بينما يشغلون هم هذه الأموال فى عمليات إقراض ربوية يربحون عن طريقها الكثير ، فيعطون المودعين جزءا من هذه الأرباح ويستأثرون هم بمعظمها دون مخاطرة ولا جهد يذكر !
وهكذا أصبحت لليهود مصلحة أكيدة فى قيام الثورة الصناعية لما تدره عليهم من أرباح لم يكونوا ليحصلوا على مثلها من قبل من أمراء الإقطاع ، بالإضافة إلى الجلوس فى مقعد السيطرة بدلا من الذل المهين الذى كانوا يعاملون به فى عهد الإقطاع حتى وهم يقومون بإقراض المال للطالبين ! واقرأ إن شئت وصفا قصصيا لهذه الأوضاع فى قصة " الزنبقة القرمزية " تأليف البارونة أورتسى حيث يطلب أمير الإقطاعية قرضا من المرابى اليهودى ، فإذا جاء هذا يسلمه القرض المطلوب وهو ينحنى أمامه فى ذلة (ولا ضير عندهم فى التذلل ما دام وراءه ربح !) إذا الإقطاعى ينهره لأنه يمد يده إليه بالمال ، ويقول له : لا تدنس يدى بلمسها بيدك ! ضع المال هنا (مشيرا إلى مكان معين) وسأتسلمه أنا من ذلك المكان بعد انصرافك أيها العين !!
ولكن العقبة أمام الصناعة الناشئة لم تكن عقبة التمويل فحسب ، وهى بالنسبة لهم لم تكن عقبة بل كانت مصدر ربح وفير ، إنما كانت العقبة الكبرى هى توفير العمال اللازمين للصناعة .. فقد كان العمال فى الريف يحتجزهم الإقطاع ، وساء كانوا عبيدا للسيد أو عبيدا للأرض ، أو من العمال الزراعيين الأحرار وهم قلة قليلة إلى جوار العبيد والأقنان ، وكلهم لا يملكون الانتقال إلى حيث تقوم الصناعات – بالضرورة – فى المدينة ، حيث توجد الأسواق المعقولة لتصريف المنتجات الصناعية . ومن ثم كان لابد من تحطيم الإقطاع لتحرير العبيد – عبيد السيد وعبيد الأرض – وتقرير " حق الانتقال " لكل من يريد ، وهو حق لم يكن قائما فى ظل الإقطاع .
وهذا الهدف – وهو تحرير العبيد لتوفير العمال اللازمين للصناعة فى المدن – لم يكن فى سحاب الثائرين ولا شك يوم قاموا بثورتهم ا***يفة ضد مظالم الإقطاع ، ولكنه كان هدفا واعيا للرأسمالية القائمة فى أحضان اليهود منذ أول لحظة ، أى أنه كان هدفا واعيا فى تخطيط اليهود ، ومن أجله شاركوا فى الثورة الفرنسية وقامت مؤسساتهم الماسونية لها بدور التحضير ، أو التفجير ! " " .
أما الدين فلم تكن قصته كذلك .
كان الثوار ينقمون على رجال الدين طغيانهم الذى أذلوا به الناس عبر القرون ، كما كانوا ينقمون عليهم مساندتهم لأمراء الإقطاع ضد دعوات التحرر من الظلم ، وكانوا يريدون أن يتحرروا من ذلك الطغيان ومن تلك المساندة الظالمة للطغاة ، ولكنهم لو تركوا لأنفسهم دون تدخل الأشرار ، فلربما اكتفوا بقتل من قتلوا من رجال الدين دون التوجه لقتل الدين ذاته ، أو لربما طالبوا بالإصلاح الدينى الذى يدع الناس أحرارا فى عبادتهم ، ويزيل عن البابا ورجال الدين قداستهم ، ويصحح العقيدة من انحرافها ، وينفى الأباطيل والمعميات عنها .
ولكن التدبير اليهودى كان يسعى إلى تحطيم الدين فى أوروبا جملة لتحقيق مرحلة من مراحل المخطط الشرير الذى يهدف إلى تجريد " الأممين " جميعا من عقائدهم وأخلاقهم ، لأجل " است****هم " والسيطرة عليهم ، وتشخيرهم لشعب الله المختار ، بالإضافة إلى الانتقام الشخصى من الدين الذى اضطهدهم واستذلهم على اعتبار أنهم قتلوا " الرب " المعبود فى ذلك الدين وصلبوه !
لذلك سعوا بجمعياتهم الماسونية المنبثة فى أنحاء فرنسا ، وبخطبائهم وكتابهم إلى توجيه غضب الجماهير المجنونة نحو الدين ذاته لا نحو رجاله فحسب .. وكان أن أعلنت فى " فرنسا الثورة " أول حكومة لا دينية فى العالم المسيحى لا تجعل الدين أساسا لأى شئ فى حياة الناس .
وكانت خطوة جريئة وبجارة بلا شك ، جلس اليهود يفركون أيديهم سرورا بها فى غفلة من الأممين ، الملتهين – حسبما تقرر البروتوكولات – بشعارات " الحرية والإخاء والمساواة " والغارقين فى شرب الكأس حتى الثمالة ، المنتشين بما صار فى أيديهم – فجأة – من سلطان يقتلون به الملوك والإشراف ورجال الدين ، وكل من حامت حوله شبهة من قريب أو من بعيد ، أو أشارت إليه الجماهير المجنونة بإصبعها : خائن ! أو جاسوس !
وهكذا خرج " الأمميون " الثائرون بشئ من النفع المشوب بكثير من الشر ، بينما خرج اليهود بتحقيق أهدافهم كاملة سواء فى تحطيم الإقطاع لترسيخ قدم الرأسمالية المولودة فى أيديهم ، أو تحطيم الدين تمهيدا " لاست**** " أوروبا وتسخيرها لمصلحة اليهود .
كانت الثورة الفرنسية حدثا ضخما فى حياة أوروبا دون شك ، لا للأسباب التى يدرسونها للأولاد فى المدارس ، ولكن لأسباب أخرى أخطر وأهم .. فقد أطلقت يد اليهود لتحقيق مخططاتهم الشريرة بصورة لم تكن متاحة لهم منق بل فى عهد الإقطاع .. فقد ولد من جراء الثورة الفرنسية ، والثورة الصناعية التى كانت الأولى تحضيرا وتمهيدا لها ، مجتمع جديد كل الجدة عن المجتمع الإقطاعى ، استطاع اليهود أن يعيثوا فيه فسادا بكل قوتهم ، لأنه ولد فى أيديهم من اللحظة الأولى فاستطاعوا أن يشكلوه على النحو الذى يريدون ، إذ كانوا هم – عن طريق البنوك والإقراض بالربا – ممولى الرأسمالية وسادتها المسيطرين عليها ، والمسيطرين – من خلالها – على صناعة المجتمع الجديد بكل ما فيه من عقائد وتصورات وأفكار وسلوك .. وإذ كان " الأممين " فى أوروبا قد بدأوا ينسلخون من دينهم ويسلمون قيادهم للشيطان !
وسنتحدث فيما بعد عن " الحتميات " التى زعمها التفسير المادى للتاريخ لتفسير الانتقال من طور فى حياة البشرية إلى طور ، وخاصة الانتقال من الطور الزراعى إلى الطور الصناعى ، وسنرى عند الحديث عنها أنها حتميات زائفة ، وأنها ليست هى – أو ليست هى وحدها – التى تحرك حياة البشر على الأرض ـ وتنقل خطاها من طور إلى طور ، وأنه لم يكن من الحتم على الإطلاق أن تكون صورة المجتمع الرأسمالى الصناعى هى الصورة التى وجد عليها بالفعل لولا التخطيط الشرير الذى شكلها على هذه الصورة ! " " .
استطاع اليهود – بعبقريتهم الشريرة – أن يتسلموا قياد المجتمع الأوروبى الآخذ فى الانسلاخ من دينه بتأثير انحرافات الكنيسة الأوروبية وجرائمها وخطاياها ، فينشئوا على أنقاض المجتمع الإقطاعى المنهار مجتمعا جديدا بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد .. وقد سلطوا على هذا المجتمع كل قواهم الشريرة لينشئوه على هذه الصورة ، فوضعوه بين ذراعى كماشة هائلة تعصره عصرا وتفتت كيانه وتحيله كيانا ممسوخا مشوها بلا قوام !
إحدى ذراعى الكماشة كانت نظريات " علمية ! " زائفة ، تحارب الدين والأخلاق والتقاليد من كل زاوية مستطاعة ، تحتوى – لا شك – على شئ من الحق ، ولكنها تلبس الحق بالباطل على ديدن يهود من أول التاريخ :
{وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} [سورة البقرة 2/42]
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)} [سورة آل 3/71]
وكان أبرز " الأبطال " فى هذه المعركة ثلاثة من " أساطين " اليهود هم ماركس وفرويد ودركايم ..
وأما الذراع الأخرى للكماشة فكانت واقعا فعليا يقوم من أول لحظة على عداء مع الدين والأخلاق والتقاليد ، ويظل ينزلق خطوة خطوة ، كل خطوة تؤدى إلى ما بعدها كأنما بصورة تلقائية (ومن طبيعة المنزلق أن يهوى بصاحبه إلى الهاوية ما دام قد سار فيه) وتؤدى فى النهاية إلى الانسلاخ الكامل من كل مقومات الدين . وكان اللاعب الأكبر فى هذه العملية الضخمة هو المرأة " المتحررة " اقتصاديا ، والمتحللة فى ذات الوقت من سلطان الدين والأخلاق والتقاليد ..
وفيما يلى نتحدث عن كل من الذراعين الشريرتين ، وآثارهما فى إفساد المجتمع الأوروبى .

النظريات العلمية
دارون ونظرية التطور
ليس دارون يهوديا ، فقد ولد لأبوين مسيحيين ، ولكن اليهود استغلوا نظريته على نطاق واسع وعملوا على نشرها فى الأرض لما رأوه من إمكان الاستفادة بها فى تحطيم عقائد الأممين كما تقول البروتوكولات : لقد رتبنا نجاح نيتشه ودارون وإن تأثير أفكارهما على عقائد الأممين واضح لمنا بكل تأكيد .
فلا عجب إذن أن تجد نظريته تدرس فى معظم مدارس الأرض لا على أنها فرض علمى (كما هى فى حقيقتها) ولا حتى على أساس أنها " نظرية " علمية (أى لم تثبت ثبوتا قاطعا يرشحها لأن تكون حقيقة علمية) بل على أنها حقائق نهائية فى علم الحياة !
ولد دارون فى بريطانيا عام 1809 ، وفى سنة 1859 أصدر كتابه فى " أصل الأنواع " .
وقد كان متخصصا فى علم الحياة ، وأدت به ملاحظاته العلمية إلى أن يكتشف أنه يمكن عن طريق " الانتخاب الطبيعى " تأكيد صفات معينة أو إضعافها فى النسل الناتج من زوجين منتخبين بصفات معينة ، وأنه يحدث مثل ذلك فى " الطبيعة " عن طريق الانتخاب الطبيعى أى التزاوج الحر بين الكائنات الحية .. وأن التغيير الناشئ من هذا الانتخاب يمكن أن يصل إلى حد استحداث صفات جديدة لم تكن فى أى الأبوين كطول المنقار فى بعض الطيور ، أو الألوان الزاهية فى بعضها الآخر ، أو غير ذلك من الصفات . فافترض أن مثل هذه التغيرات قد حدثت فى " الطبيعة " من قبل خلال ملايين السنين من عمر الحياة على سطح الأرض ، مما أدى على الدوام إلى ظهور " أنواع " جديدة وأدى كذلك – بتراكم التغيرات – إلى ظهور " أجناس " جديدة لم يكن لها وجود من قبل .. ثم تصور أنه من خلال هذه العملية التى سماها عملية " التطور " سارت الحياة فى سلسلة طويلة من الرقى التدريجى بدأت بالكائن الوحيد الخلية وانتهت بالإنسان على النحو التالى (باختصار كثير من التفصيلات) :
كائن وحيد الخلية (كالأمبيا) – فطريات متعددة الخلايا – نبات – نبات يشبه الحيوان (كالهيدرا) – حيوان يشبه النبات (كالمرجان) – حيوانات لا فقارية – حيوانات فقارية دنيا (كالأسماك والطيور) – حيونات فقارية أرقى (كالثدييات الدنيا) – الثدييات العليا – القردة الدنيا – القردة العليا (الغوريلا والأورانج أوتانج " إنسان الغاب " والشمبانزى والجبيون) – الحلقة المفقودة (القرد الشبيه بالإنسان أو الإنسان الشبيه بالقردة العليا) – الإنسان .
وقال دارون – فيما قال وهو يشرح نظريته : إن الطبيعة تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق Nature creates everything and there is no limit to its creativity.
وقال كذلك : " إن الطبيعة تخبط خبط عشواء "
Nature Works Haphazadly
وبصرف النظر عن صحة المعلومات الواردة فى نظريته وصحة تفسيراته لها أو عدم صحتها " " ، فقد أنشأت رجة كبيرة فى المجتمع الغربى، اهتزت لها الكنيسة من جهة " " والدوائر العلمية من جهة أخرى والجماهير من جهة ثالثة .
فأما الكنيسة فقد كفرت دارون ابتداء وقالت عنه إنه زنديق مهرطق مارق من الدين ، لأنه ينفى الخلق المباشر من الله للإنسان على صورته 0تفسر الكنيسة كلمة " على صورته " الواردة فى التوراة على أن اله قد خلق الإنسان على صورة نفسه – تعالى – أى على صورة الله) بل ينفى يد اله من عملية الخلق كله ، كما ينفى الغاية والقصد ، لأنه يقرر أن الحياة قد وجدت على الأرض بالصدفة فى ظروف معينة (لم تتكرر مرة أخرى) ! وأن تفسير الحياة وتطورها بإرجاعها للإرادة الإلهية يكون بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة فى وضع ميكانيكى بحت !
This would be to introduce a supernatural element in a completely mechanical position.
وقد جاوبها دارون من ناحيته باتهامها بالجهل والتخريف ومحاربة العلم بحقائقه ونظرياته .
وأما العلماء فقد انقسموا إلى ثلاث فرق . فرقة تؤيد دارون وتتحمس له ، وفرقة تعارضه وتندد به ، وفرقة تحاول التوفيق بين ما تقوله النظرية وما يقوله الدين !
وأما الجماهير فقد وقفت فى مبدأ الأمر موقفا حاسما مع الكنيسة ضد دارون ! فقد عز عليها أن يسلبها دارون إنسانيتها ويردها إلى أصل حيوانى ، وينفى التكريم الربانى الذى كرم به الله الإنسان حين خلقه على صورته ، وزينه بالعقل وميزه بالقدرة على النطق .. ولكنها رويدا رويدا بدأت تغير موقفها ، وتعتنق أفكار دارون ، وتتغاضى عن مسبة الحيوانية التى ألحقها بها فى نظريته ، بل بدأت تهاجم الكنيسة لموقفها من دارون ، وترى فى نظريته معولا هداما يهدم ما بقى لها عليهم من سلطان !
هل تم هذا التحول فى موقف الجماهير تلقائيا أم كان وراءه ذلك ا***صر الشرير ؟!
وهل كان يمكن – لولا ذلك التدخل الشرير – أن يتغاضى الناس عن إنسانيتهم المسلوبة وعن كرامتهم الملغاة ، ويعتنقوا نظرية تقرر صراحة أن الإنسان إن هو إلا امتداد لسلسلة التطور الحيوانى ، لا قصد من خلقه ولا غاية ، وما يزيد عن القردة إلا ما أضافه التطور خلال مئات الألوف من السنين من تغير عشوائى غير مقصود ؟!
حقيقة إن " العلماء" هم الذين بدأوا باعتناق نظرية دارون ، ثم تبعتهم الجماهير . ولكن هؤلاء وهؤلاء ما كانوا ليفعلوا ذلك لولا عنصران قائمان فى الموقف ، عنصران غير " علميين "، أحدهما موقف الكنيسة الطغيانى من الأمور كلها ومن العلم والعلماء خاصة ، والآخر هو الدعاية الضخمة التى قام بها اليهود للنظرية ولإيحاءاتها المصادمة للعقيدة بصفة خاصة .
ومرة أخرى لا نتعرض هنا للنظرية بالنقد . وإن كنا سنشير فيما بعد إلى آراء الدارونية الحديثة نفسها فى هذا الأمر ، بعد ما تقدم العلم كثيرا عما كان عليه أيام دارون ، وكشف عن أشياء لم تكن مكشوفة له فى ذلك الحين ، إنما نتكلم عن إيحاءاتها المصادمة للعقيدة ..
إن النظرية – بصرف النظر عن صحتها أو عدم صحتها من الوجهة العلمية البحتة – لم يكن من الحتم أن تصاغ بالطريقة التى تصادم العقيدة لولا ذلك الصراع القديم الذى قام بين الكنيسة والعلماء ، واستمر إلى وقت دارون وما بعده ، وجعل " العلماء " يتعمدون تجريح الدين ورجاله انتقاما مما فعلته الكنيسة من قبل ، كما جعل أوروبا تهرب من إله الكنيسة وتضع " الطبيعة " إلها بدلا منه !
لو قال دارون إن الله حين خلق الحياة على الأرض هيأ لها ظروفا معينة تساعد على وجود الخلية الحية ونموها واستمرارها ، ثم نوع الله الخلائق على نسق معين بدءا من الكائن الوحيد الخلية إلى أكثر الخلائق رقيا وتعقيدا وهو الإنسان ، وإن قمة الإعجاز فى الخلق – والخلق كله معجز – هو خلق الإنسان على هذه الصورة وإمداده بالمزايا التى تؤهله للقيام بدوره على الأرض " " .
لو قال هذا ، ثم أورد كل ما أورده من التفصيلات العلمية التى أتى بها فى نظريته – بصرف النظر عن صحتها أو خطئها من الناحية العلمية – فماذا كان يمكن أن يحدث ؟!
كانت النظرية تظل موضع أخذ ورد بين العلماء للاستيثاق من صحة تلك التفصيلات ، كما حدث مع أى فرض علمى أو نظرية علمية ، حتى تمحص وتثبت حقيقتها ، ولكن دون رجة ولا ضجة ولا هزات ..
ولكنه – لأمر ما – لم يقل ذلك ولم يرد أن يقوله !
إنما قال بدلا منه إن " الطبيعة " هى التى خلقت . وقال إنها تخبط خبط عشواء . واقل إنه يرفض تفسير نشوء الحياة وتطورها بإرجاع ذلك إلى الإرادة الإلهية لأن ذلك خلط علمى غير جائز ، وإنه بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة فى وضع ميكانيكى بحت !! ثم تحايل على الحرج الذى يواجهه وكل منكر للإرادة الإلهية فى قضية الخلق كله ، وخلق الحياة أول مرة من الموات ، والذى يوجه إليه هذا التحدى : {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (35)} [سورة الطور 52/35] تحايل على ذلك تحايلا سخيفا – من وجهة النظر العلمية البحتة – فقال إن الحياة نشأت صدفة على الأرض !!
ومن ثم وجدت فيه اليهودية المتربصة فرصة سانحة لتقويض عقائد " الأممين " وإزالة ما بقى من أثر للدين فى حياة الناس !
وينبغى – لكى ندرك دور اليهود فى إفساد أوروبا دون تهويل فى تقدير مقدرتهم الشريرة كما فعل وليم كار – أن نقول إن عالمنا سابقا هو " لامارك " La Marke كان قد قال شيئا قريبا مما قاله دارون ، ولكن اليهود لم يستطيعوا استغلال نظريته لتقويض عقائد الأمميين كما فعلوا بنظرية دارون ، لأن الحدث العظيم الذى رج المجتمع الأوروبى كله – وهو الثورة الفرنسية – لم يكن قد وقع بعد ، وكان المجتمع – على كل ما كان يحمل من الفساد والظلم – ما يزال متماسكا بالصورة التى لا تدع لليهود فرصة الدخول ، فعجزوا يومئذ عن الدخول ! ولكن الرجة التى أحدثتها الثورة الفرنسية – التى اشتركوا هم فى توجيهها وجهة معينة – هى التى قربت الهدف وأحدثت الثغرات التى يمكن أن ينفذوا منها . فلما قام دارون تلقفوه وأمسكوا به معولا هائلا لتحطيم كل القيم فى حياة البشرية .
أيا كان القول فى نظرية دارون من الوجهة العلمية ، فقد كانت نظرية محصورة فى " علم الحياة " تحاول أن تفسر نشأة الحياة وتطورها ، فلم تكن نظرية فلسفية ، ولا سياسية ، ولا اقتصادية ، ولا اجتماعية ، ولا نفسية .. ولكنها انقلبت – فى فترة وجيزة من الزمن – فأصبحت كل هؤلاء !
وحقيقة أن من أراد أن يستخرج منها إيحاءات فلسفية أو غير فلسفية فإنه يستطيع ..
فالنظرية التى تقرر حيوانية الإنسان وماديته (بمعنى أن الظروف المادية المحيطة به هى التى أثرت فى " تطوره " وإعطائه صورته) والتى تنفى القصد والغاية من خلفه ، وتنفى التكريم الربانى له بإفراده بين الكائنات الأخرى بالعقل والقدرة على الاختيار والقدرة على التمييز فضلا عن المزايا الأخرى " الإنسانية " ..
إن نظرية كهذه يمكن أن تعطى إيحاءات خطيرة فى كل اتجاه ..
فحين يكون الإنسان حيوانا أو امتدادا لسلسلة التطور الحيوانى فأين مكان العقيدة فى تركيبه ، وأين مكان الأخلاق ، وأين مكان التقاليد الفكرية والروحية والأخلاقية والاجتماعية .. الخ ؟!
وحين يكون حيوانا ، أو امتدادا لسلسلة التطور الحيوانى ، فما مقياس الخطأ والصواب فى أعماله ؟ وكيف يقال عن عمل من أعماله إنه حسن أو قبيح ، جائز أو غير جائز .. بعبارة أخرى كيف يمكن إعطاء قيمة أخلاية لأعماله ؟
وحين يكون حيوانا أو امتدادا لسلسلة التطور الحيوانى ، فما معنى " الضوابط " المفروضة على سلوكه ؟ وما معنى وجود الضوابط على الإطلاق " " ؟
كل تلك إيحاءات يمكن أن تستخرج من النظرية لمن أراد أن يصطاد فى الماء العكر ! ولكننا إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن أحدا لم يصنع ذلك سوى اليهود !! هم الذين استخرجوا هذه الإيحاءات كلها التى لم يقلها دارون ، وربما لم يفكر فيها أبدا ، ولكنهم أسرعوا إلى اقتناصها ، وأنشأوا منها نظريات " علمية " اقتصادية ونفسية واجتماعية .. الخ موجهة كلها لمحاربة الدين والأخلاق والتقاليد ..
وكانت فكرة " التطور " ذاتها من أشد ما لعب به اليهود لزلزلة عقائد " الأمميين " وتقويضها .. فقد ضخموا تلك الفكرة أى تضخيم وصنعوا منها قذائف يطلقونها على كل معنى " ثابت " فى حياة البشرية من دين أو قيم أو أخلاق .
والحق – رمة أخرى – أنهم ال ينشئون الأحداث ولكنهم يتحينون الفرص ويستغلون الأحداث .
لقد كان الخلل الفكرى فى حياة أوروبا فى ظل سيطرة الكنيسة الفكرية هو الذى رشح للهزة التى أصابت هذا الفكر يوم أطلقت عليه فكرة التطور ، فقد كان كل شئ فى حس أوروبا المسيحية الكنسية ثابتا منذ الأزل وسيظل ثابتا إلى الأبد .. ليست فكرة الألوهية فقط هى التى ينطبق عليها تصور الثبات ، ولا القيم الدينية والأخلاقية وحدها . ولكن الجبال والشجر والحيوان والطير . والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. وكل شئ فى الحياة .
البابا هو البابا ذو القداسة ، يذهب واحد ويجئ واحد ، وكلن البابوية ذاتها وقداستها أمر ثابت لا يتغير ..
الملوك والأباطرة هم الملوك والأباطرة .. يذهب منهم من يذهب ويجئ من يجئ .. ولكن الملكية ذاتها أمر ثابت لا يتغير ..
الإقطاع هو الإقطاع .. يذهب أمير ويجئ أمير .. بنفس الصورة ، ونفس المعاملة ، نفس السيادة من جهة والعبودية من الجهة الأخرى .. وكلها أمور ثابتة لا تتغير .
من ثم غلب على الفكر الأوروبى المسيحى الكنسى تصور الثبات فى كل شئ .
فلما وقعت الثورة الفرنسية وأزالت الإقطاع والملكية وزلزلت نفوذ الكنيسة كان ذلك حدثا حادا فى تاريخ أوروبا أثر ـاثيرا عميقا فى كل اتجاه ، ولكنه كان قمينا – بعد فترة من الزمن – أن يفقد حدته ، ويستقر على صورة فيها لون من " الثبات " .
ولكن دارون جاء فأطلق قذيفته على أمر لم تهزه حتى الثورة الفرنسية ذاتها ، التى زلزلت كثيرا من الأوضاع فى أوروبا ، فقال إن الخلق ذاته غير ثابت ، وإن الإنسان لم يكن إنسانا حين وجد أول مرة بل كان شبيها بالحيوان !
وبين الشد والجذب التى تعرضت له النظرية أمسك اليهود بالخيط فجذبوه بعيدا بعيدا فى كل اتجاه لكى لا يعود !
وبسرعة – شريرة – وجهوا القذيفة إلى فكرة " الثبات " ذاتها وقالوا – من طريق استخدام فكرة " التطور " – إنه لا شئ ثابت على الإطلاق . وإن طلب الثبات فى أى شئ : الدين أو الأخلاق أو التقاليد .. الخ ، هو فى ذاته فكرة خاطئة ! فكرة غير علمية ! فكرة مخالفة لطبيعة الأشياء . ثم ظلوا يرددون هذه الأقاويل وينشرونها ويؤكدون عليها ، حتى صارت هى الصبغة المسيطرة على الفكر " الأممى " لا يقبلون فيها جدلا ولا مناقشة .. ومن ناقش فهو " الرجعى " " المتزمت " " الجامد " " المتأخر " الذى يريد أن يرجع عقارب الساعة إلى الوراء .. وعقارب الساعة لا ترجع أبدا إلى الوراء !! وستسحقه عجلة " التطور " التى لا تبقى ولا تذر !!
من بين الأسماء " اللامعة ! " التى شكلت الفكر الأوروبى الحديث ثلاثة أسماء على الأقل من " كبار " اليهود : ماركس وفرويد ودركايم ، Marx, Frued, Durkheim كل منهم قام بدوره فى زلزلة الفكر الأممى وإعادة تشكيله على النحو المطلوب .. وكل منهم قام بدوره فى تحطيم الأعداء الألداء للمخطط اليهودى : الدين والأخلاق والتقاليد .. وكل منهم بنى أفكاره " العلمية ! " على أساس النظرية الداروينية من هنا أو من هناك ..
فأما ماركس فقد أنشأ نظرية اقتصادية أو قل فلسفة مادية كاملة ، بناها على فكرة التطور من جهة وفكرة حيوانية الإنسان وماديته من جهة أخرى . وأما فرويد فقد أنشأ نظرية نفسية لتفسير تركب النفس الإنسانية ونشاطاتها ، بناها على فكرة حيوانية الإنسان . وأما دركايم فقد أنشأ نظرية اجتماعية لتفسير الظواهر الاجتماعية بناها على حيوانية الإنسان وغلبة نزعة القطيع الحيوانية عليه من جهة ، وعلى انعدام الثبات فى القيم الاجتماعية من جهة أخرى .
كلهم – كما ترى – " خدم " الفكر الداروينى وأوصله إلى إبعاد لم تخطر على بال دارون على الإطلاق .
ونعرض هنا عرضا سريعا لأفكار كل من ماركس وفرويد ودركايم دون مناقشة تذكر ، لنبين فقط طبيعة الذراع التى حملت اسم العلم والنرظيات العلمية من تلك الكماشة الرهيبة التى أحاطت بالأمميين فى أوروبا – وبالعالم كله من بعد عن طريق السيطرة الأوروبية – فذللت الأمميين لركوب شعب الله المختار !
فأما ماركس فسنعود بإذن الله إلى مناقشة تفصيلية لأفكاره ونحن نتحدث عن الشيوعية والمادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ . وأما فرويد ودركايم فيكفينا أن نعرض أفكارهما بغير تفصيل ، بالقدر الذى يبين أثرها فى تشكيل الفكر الأوروبى تجاه الدين والأخلاق والتقاليد . وقد ناقشت فرويد – من قبل – فى أكثر من كتاب وبخاصة فى كتاب " الإنسان بين المادية والإسلام " وناقشت دركايم فى كتاب " التطور والثبات فى حياة البشرية " .
ماركس
ماركس أبو الشيوعية والمادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ وهو صاحب القولة الشهيرة " الدين أفيون الشعوب " وهو يهودى ألمانى ولد عام 1812 ومات عام 1883 .
أخذ ماركس جوهر النظرية الداروينية وأنشأ على أساسه نظرية اقتصادية وتفسيرا لحياة البشرية يحصر الإنسان فى عالم المادة والتطور المادى ويجعل قوانين المادة منطبقة على عالم البشر !! كما يجعل أمور الحياة كلها ، من عقائد ومشاعر وافكار وأنماط سلوكية ومنظمات ومؤسسات … الخ .. تبعا للطور الاقتصادى وللأوضاع المادية التى يعيش فيها الإنسان ومجرد انعكاس لها ، لا تسبقها ، ولا تخرج عنها ، ولا دور للإنسان فيها إلا أن يدور مع الطور الاقتصادى ومقتضياته .. لأنها " حتميات " .
وقسم الحياة البشرية بمقتضى هذا التصور إلى خمس مراحل حتمية : هى الشيوعية الأولى والرق والإقطاع والرأسمالية والشيوعية الثانية والأخيرة . وجعل الانتقال من كل طور من هذه الأطوار إلى الطور اللاحق له حتميا من جهة ، ومردودا إلى أسباب مادية واقتصادية من جهة أخرى .
فالشيوعية الأولى هى الأصل الذى عاشت عليه البشرية الأولى فى بداوتها ، وجوهرها المميز هو عدم وجود ملكية فردية لشئ على الإطلاق ، قال : ولا النساء أيضا ، فقد كان الجنس يمارس على المشاع ، كل النساء لكل الرجال على السواء ! والأرض ملك للقبيلة بأكملها ، والطعام يتناوله الجميع معا والسلاح مملوك لقبيلة سواء سلاح الصيد أو الحرب .. والحياة ملائكية شعارها التعاون والحب والتناسق والانسجام !
ثم اكتشف الإنسان الزراعة فأدى هذا الأمر المادى البحت إلى الانتقال إلى طور اقتصادى جديد تبدل فيه كل شئ تبدلا كاملا فراحت القبائل القوية تقاتل القبائل الضعيفة وتسترقها وتشغلها فى فلاحة الأرض فنشأ الرق ونشأت الملكية الفردية وانتهت الفترة الملائكية التى عاشتها البشرية فى فترتها الأولى .
ثم اخترع الإنسان المحراث . ومرة أخرى أدى هذا الأمر المادى البحت إلى الانتقال إلى طور اقتصادى جديد. فقد اكتشف الإنسان أنه يستطيع أن يزرع – بهذه الآلة الجديدة – مساحة أوسع بكثير مما كان يمكن زرعه بالآلات السابقة ، فنشأ الإقطاع .. ونشأت معه أفكار وعقائد ونظم ومؤسسات جديدة مختلفة تماما عن السابقة .
ثم اخترع الإنسان الآلة فنشأت الرأسمالية – بسبب مادى بحت – وانتقلت صورة الملكية الفردية من ملكية زراعية إقطاعية إلى ملكية صناعية رأسمالية ، ونشأت أوضاع فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة بالمرة ، فتغيرت الطبقة ذات السيادة فلم تعد هى طبقة الأشراف (أمراء الإقطاع) إنما أصبحت طبقة الرأسماليين أصحاب المصانع وأصحاب رؤوس الأموال ، ولم يعد الشعب فى مجموعه فلحين إنما صار عمالا صناعيين ، وتغيرت مفاهيم هؤلاء وهؤلاء ، وتغيرت نظرتهم إلى كل القيم التى كانت سائدة فمن قبل فى المجتمع الزراعى .
ثم نشأ الصراع بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال فنشأت الشيوعية لا لأسباب مادية فى هذه المرة إنما لأسباب اقتصادية – وهى صنو الأسباب المادية فى نقل الناس من طور إلى طور – ولكن فى هذه المرة لا يحدث تطور ينقل الناس إلى طور جديد بعد الشيوعية ، إذ الشيوعية هى المستقر الأخير للبشرية كما كانت بدايتها هى الشيوعية . وتحدث فى داخل تغيرات ولكنها لا تغير المبدأ الرئيسى لها ، وهو إلغاء الملكية الفردية وإقامة الملكية الجماعية بدلا منها .. وفى النهاية – نهاية كل تطور وتغير – تلغى الدولة لانتفاء الحاجة إليها ، ويزيد الإنتاج بالدرجة التى تسمح بتطبيق مبدأ " من كل حسب طاقته ، ولكل حسب حاجته " ويزول الصراع نهائيا من حياة البشر ، ويعيشون فى حالة من الملائكية كالتى بدأوا بها حياتهم أول مرة .
ويركز ماركس فى كلامه عن مراحل التطور الحتمية وأسبابها المادية والاقتصادية على الانتقال من مرحلة الإقطاع إلى مرحة الرأسمالية لأن هذا هو الطور الذى كان قائما فى وقته ، ولأنه هو الذى وقع فيه التغيير الضخم الذى أحدثه اليهود فى المجتمع الأوروبى ، فيقول إن سمات المجتمع الإقطاعى الزراعى : التدين ، وترابط الأسرة ، وسيطرة الرجل على الأسرة بكل أعضائها ، أى على الزوجة والأولاد ، ويرد هذا كله إلى أسباب مادية واقتصادية ، فلا يقول إنه يرجع إلى قيم معنوية ، ولا يقول إن هذا – فى ذاته – أمر طيب وفاضل ومستحب أو واجب ، إنما هو انعكاس لأوضاع مادية واقتصادية . فالفلاح – وهو المنتج الرئيسى فى المجتمع الرزاعى – يضع البذرة فى الأرض ، ثم لا يستطيع أن يسيطر عليها ولا أن يستعجلها عن موعدها ، ولا أن يقيها من الآفات والتأثيرات الجوية المختلفة ، ومن ثم " يفترض ! " وجود قوة غيبية ، يكل إليها هذا الأمر كله ، الذى يعجز عن التحكم فيه والسيطرة عليه ، ويروح يترضى هذه القوة الغيبية بالعبادات ، والنسك والقرابين ، لكى ترضى عنه وتبارك زرعه ، ولكى يتقى غضبها عليه وانتقامها منه .. ومن ثم يكون التدين قويا ، ويكون سمة بارزة فى للمجتمع الزراعى .
ثم إن الرجل فى المجتمع الزراعى هو المتكسب ، وهو الذى ينفق على الزوجة والأولاد ، ومن ثم يسيطر عليهم ويبسط سلطانه . ويكون سلطانه أشد ما يكون على الزوجة ، فيفرض عليها أن تكون له وحده ، ومن ثم تصبح قضية العفة والمحافظة على العرض ذات قيمة كبيرة فى المجتمع الزراعى ، ويفرض على المرأة أن تحافظ على عرضها (إرضاء لأنانية الرجل المتكسب المنفق) ويضفى على ذلك ثوب الدين والأخلاق ، فتصبح قضية العفة قضية دينية وأخلاقية فى حين أنها مجرد انعكاس لوضع اقتصادى معين يكون الرجل فيه هو المتكسب دون المرأة .
فإذا تحول الناس إلى المجتمع الصناعى المتطور تغير الأمر بالكلية . فالعامل هنا غير محتاج " لافتراض ! " القوة الغيبية التى كان يلجأ إليها العامل الزراعى ! لأنه يتولى عملية الإنتاج بنفسه . فهو الذى يعالج المادة الخامة ويشكلها كما يريد .. ومن ثم يقل التدين إلى أقصى حد فى المجتمع الصناعى .
ومن جانب آخر فإن المرأة تستقل اقتصاديا لأنها تعمل وتتكسب ولا تعود عالة على الرجل كما كانت فى المجتمع الزراعى " المتأخر " . ومن ثم يفقد الرجل سيطرته عليها ولا يعود فى إمكانه أن يفرض عليها أن تكون له وحده ، كما كان يفرض عليها فى المجتمع الزراعى .. فتتحرر من القيود ، وتفقد قضية العفة أهميتها فى المجتمع الصناعى المتطور ، لأنه أصبح من حق المرأة أن تهب نفسها لمن تشاء دون سيطرة الرجل عليها ..
وكما أن الوضع " المحافظ " فى المجتمع الزراعى لم يكن فضيلة ولا شيئا مرغوبا فى ذاته ، إنما مجرد انعكاس للطور الاقتصادى ، فكذلك لا يعد " الانحلال " فى المجتمع الصناعى رذيلة ، إنما هذه وتلك هى السمات المصاحبة لهذا الطور وذاك ، لا توصف فى أى الحالين بأنها فضيلة أو رذيلة . إنما كل شئ فى إبانه هو الصواب لأنه هو الانعكاس الطبيعى لطور الاقتصادى الذى يقرر – وحده – كل العقائد والقيم والمبادئ ، فإذا تغير الطور لم يعد صوابا ما كان صوابا من قبل ، إنما يكون استمراره ظاهرة مرضية ينبغى أن تقاوم وأن تزال .
فالتدين أمر طبيعى فى المجتمع الزراعى ، لا يعيبه أحد ولا يستغربه أحد . ولكنه لامة مرضية فى المجتمع الصناعى لا ينبغى أن توجد ، وإن وجدت فلابد أن تحارب ، لأنها استبقاء لانعكاسات طور لم يعد قائما ، ومن ثم فلابد من إزالتها ز
والحفاظ على العرض أمر طبيعى فى المجتمع الزراعى كذلك تفرضه الطبيعة الاقتصادية للطور الزراعى ، ومن ثم لا يستغربه أحد ولا يعترض عليه أحد ، فإذا انتقلنا إلى المجتمع الصناعى فقدت القضية أهميتها نتيجة تحرر المرأة اقتصاديا وإنفاقها على نفسها . ومن ثم يصبح من يحافظ على أهمية العفة أو يطالب بالمحافظة عليها " رجعيا " لأنه يريد أن " يرجع " إلى القيم التى كانت مصاحبة لطور اقتصادى سابق ، انتهى عهده ، وصرنا إلى ما هو " أرقى " منه حسب سنة التطور الدائم إلى أعلى ! وهذا سخف لا ينبغى أن يتصف به إنسان " متطور " فضلا عن أنه مستحيل .. لأن عقارب الساعة لا يمكن أن ترجع إلى الوراء ولأن عجلة التطور ستسحق كل من يقف أمامها وتخمد صوته إلى الأبد !
وكذلك الأمر بالسنبة لترابط الأسرة ..
فمن طبيعة المجتمع الزراعى أن تتكاثر الأسرة وهى فى البيت الواحد أو فى بيوت متلاصقة متقاربة ، لا لأن ذلك فضيلة فى ذاته أو شئ مستحسن ، لكن لأن ذلك من طبيعة الطور الاقتصادى ومستلزماته ، لأن رجال الأسرة كلها يتعاونون فى الزراعة ، وكلما كثر أفراد لاأسرة زاد إنتاجها الزراعى ، فحقق ذلك مصلحة اقتصادية لأسرة . أما فى المجتمع الصناعى فكل عامل شخصيته مستقلة لا ارتباط بينه وبين غيره من الناحية الاقتصادية ، ومن ثم تستقل كل أسرة صغيرة – أى الأب والأم والأولاد – ببيت مستقل ، وكلما كبر أحد الأولاد وتزوج استقل بأسرته الصغيرة فى بيت خاص . وتفقد الأسرة الكبيرة ترابطها ولا يعد ذلك عيبا ولا رذيلة ، لأنه هو الانعكاس الطبيعى للطور الاقتصادى القائم . بل إن الأرة الصغيرة ذاتها تتفكك روابطها بسب العمل ، عمل الرجل والمرأة كليهما ، كل فى مكان ، وعدم ارتباط الزوجة بالبيت وتربية النشء ، ولا يعد ذلك عيبا كذلك ولا رذيلة ، لأنه لا توجد قيم ثابتة فى حياة البشرية . ال توجد فضيلة ثابتة ولا رذيلة ثابتة إنما الفضيلة ما يوافق الطور الاقتصادى القائم والرذيلة ما لا يوافقه . فكما كانت العفة هى الفضيلة فى المجتمع الزراعى يصبح التحلل هو الفضيلة فى الطور الصناعى أو هو الأمر الطبيعى علىأقل تقدير . وكما كانت سيطرة الأب هى الفضيلة فى المجتمع الزراعى يصبح فقدان سيطرة الأب هو فضيلة المجتمع الصناعى أو هو سمته الطبيعية . وكذلك كانت الأسرة المترابطة قيمة من القيم الاجتماعية المستحسنة فى المجتمع الزراعى ، وتصبح الأسرة المفككة – حتى على النطاق الصغير – هى القيمة الاجتماعية المستحسنة فى المجتمع الصناعى أو هى السمة الطبيعية على أقل تقدير !
فإذا جاءت الشيوعية – وهى المرحلة الحتمية الأخيرة فى حياة البشرية – فلسنا فى حاجة إلى تعديل جذرى فى القيم والعقائد والأفكار .. لأنه هكذا طيب !! تتغير فقط الصورة الاقتصادية فتلغى الملكية الفردية إلغاء كاملا وتصبح الدولة هى المالك الوحيد .. ولكن القيم المباركة التى أنشأها المجتمع الصناعى تظل قائمة ويزداد فيها فقط حتى تصل إلى نهايتها . فالدين يلغى إلغاء كاملا ، ويقضى على البقية الضعيفة الباقية منه فى المجتمع الرأسمالى ، لأن مهمته التى يقوم بها هناك – وهى تخدير الكادحين ليرضوا بالظلم الواقع عليهم – تنتهى فى المجتمع الشيوعى الملائكى الخالى من الظلم ، فلا يعود للدين حاجة البتة . وتفكك الأسرة تفكيكا كاملا ، لأنها بقية – سخيفة – من بقايا العهود الرجعية التى كانت تمارس فيها الملكية الفردية فتتربى الأثرة فى نفوس الأبوين رغبة فى توريث أبنائهم .. فالآن وقد ألغيت الملكية الفردية فالأسرة نشاز فى المجتمع الجديد " المتطور " ، والأولاد ملك الدولة ، هى التى تملكهم – ملكية جماعية ! – وهى التى تنشئهم التنشئة الصحيحة ، وليس لأبويهم إلا ولادتهم لحساب الدولة .. وأما العلاقات الجنسية فهى حرة حرية كاملة ، لأننا عدنا – عودا على بدء – إلى الشيوعية ، إلى تناول حاجات الحياة كلها على المشاع .. وهنا تصل البشرية إلى قمة التطور الذى ليس بعده شئ !
الهدف واضح ولا شك ..
فالنظرية " العلمية " تدور كلها حول هذه القيم : الدين والأخلاق والتقاليد .. لتسخيفها وتسخيف المتمسكين بها ، ووسمهم بالرجعية والجمود والتأخر ، والوقوف فى وجه عجلة التطور التى ستسحقهم ..
إنها تركز كما قلنا على عملية الانتقال من المرحلة الإقطاعية إلى المرحلة الرأسمالية – التى صاغها اليهود ، كما سنرى ، حسب مخططاتهم الشريرة بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد مستمدة من القيم الدينية – فتقول أولا إنه تطور " حتمى " وما دام حتميا فمنذا الذى يستطيع أن يقف فى طريقه رضى أم أبى ؟! وتحسر على اليام الخالية والقيم الدارسة أم تسخط عليها ؟! ثم تقول ثانيا إنه تقدم إلى الأمام .. تقدم إلى أعلى .. حسب سنة التطور التى تدفع بالكائن الحى دائما إلى الرقى ! فمن كانت فى نفسه حسرة على ما فات ، أو ضيق " بالتطور " فليعدل من ذات نفسه وليتمش مع التطور ، ولينطلق مع التيار ، فذلك أروح للنفس والأعصاب !
إنها تتناول بالذات عمليات التحطيم التى قام بها اليهود فى المجتمع الجديد الذى ولد بين أيديهم فشكلوه على هواهم ، فتبارك هذه العمليات بالذات ..
قام اليهود بتحطيسم الدين ، فيجئ فيلسوفهم – ماركس – فيقول – بصورة " علمية " – إن الدين قد باد تلقائيا من جراء التطور الحتمى الناشئ من الانتقال من طور اقتصادى متأخر إلى طور متقدم ! وإن الدين خرافة لا تليق بالإنسان " الصناعى " المتطور ! وإنه قد أخلى مكانه لما هو خير منه وهو "العلم " ! وإن التمسك به – أو الرجوع إليه – أو الدعوة إليه – نشاز غير متجانس مع " طبيعة " المرحلة التطورية التى قطعها الإنسان إلى الأمام .. وذلك فضلا عن تشويه صورة الدين بأنه مخدر يستخدمه الإقطاعيون والرأسماليون لتخدير الجماهير الكادحة عنا لمطالبة بحقوقها والقيام بالثورة المقدسة ، مستغلا فى ذلك واقع الدين الكنسى ومعمما إياه على كل " الدين " .
وقام اليهود بتحطيم الأخلاق – أخلاق الجنس بصفة خاصة – وأشاعوا الفوضى الجنسية والانحلال ، وحاربوا قيد " العفة " الذى يحول بينهم وبين تنفيذ مخططاتهم الواسعة لتحويل الآدميين إلى دواب تدور فى طاحونتهم ، فيجئ فيلسوفهم فيقول إن قضة العفة إنما أخذت أهميتها من أنانية الرجل فى المجتمع الزراعى " المتأخر " باعتباره هو المتكسب والمنفق ، ثم وضع عليها وسم الدين والأخلاق ليعطيها أهمية زائدة ، خدمة لأنانيته ، وإنها فقدت أهميتها – الزائفة بالطبع ! – بصورة تلقائية نتيجة التطور الحتمى ، وحلت محلها " فضيلة " من نوع آخر فى المجتمع المتطور ، هى فضيلة " تحرر " المرأة .
وقام اليهود بتحطيم الأسرة ، لأن الأسرة أحد القيود التى تمنع التحلل الخلقى أو تبطئ عجلته ، وتبطئ بالتالى عملية است**** الأمميين وتسخيرهم لشعب الله المختار ، فيجئ فيلسوفهم فيقول إن ترابط الأسرة كان مجرد انعكاس لوضع اقتصادى متأخر هو الوضع الزراعى الإقطاعى ، وإنها فقدت ترابطها – تلقائيا – من التطور الحتمى الدافع إلى الأمام ، ومن ثم لا تستحق البكاء عليها ولا التحسر ، إنما الأولى السير مع عجلة التطور والرضا بالطور الموجود .
وهكذا تتلخص المهمة " العلمية " للفيلسوف الكبير فى " تغطية " الدور الخطير الذى تقوم به العصابة المفسدة فى الأرض ، فى ثوب " علمى " تتلهى به عقول الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار !
فرويد
لا يقل فرويد " عبقرية " عن ماركس ولا خطورة فى أداء الدور المطلوب .
ولئن كان دوره الآن قد انتهى " " لأنه تم ! بينما لم ينته بعد دور ماركس لأنه لم يتم بعد ! فليس معنى ذلك أنه لم يعد له أثر فى المجتمع المعاصر بل العكس هو الصحيح . فقد تم دوره لأنه أعطى تأثيره الكامل فى المجتمع ، بحيث لم يعد ذلك المجتمع فى حاجة إلى المزيد ! ولأن الجرعة التى تشربها ذلك المجتمع من " علمه ! " – أو من سمومه – تكفيه عدة قرون !!
هو يهودى نمساوى ، كان يعمل طبيبا ثم تخصص فى معالجة الأمراض العصبية والنفسية ، وأنشأ عيادة خاصة للإشراف على علاج مرضاه ودراسة أحوالهم عن كثب ، ثم استنبط من دراساته تصورا خاصا للنفس البشرية وتركيبها وتفسيرا لنشاطاتها المختلفة ، تفرد به بين كل " المفكرين " إلى ذلك الحين وربما إلى الوقت الحاضر بصرف النظر عن تلاميذه الناقلين عنه .
ولد عام 1856 وعمر طويلا حتى مات فى عام 1938 ، وألف نحو ثلاثين كتابا فى الدراسات النفسية من أشهرها : الذات والذات السفلى The Ego and The Id والطواطم والمحرمات Totem and Taboo وتفسير الأحلام Interpretation of Dreams وثلاث مقالات فى النظرية الجنسية Three Contributions to the Sexual Theory والأمراض النفسية المنتشرة فى الحياة اليومية Psycho Pathology of Every Day Life وكلها تدور – من زوايا مختلفة – حول موضوع واحد مكرر فيها جميعا هو التفسير الجنسى للسلوك البشرى .
خلاصة هذا التفسير أن الطاقة الجنسية هى الطاقة العظمى فى الكائن البشرى ، وهى المسيطرة على طاقاته جميعا ، والموجهة لها ، والمسخرة لها كلها لحسابها الخاص !
يولد الطفل بطاقة جنسية ، وتسيطر عليه – منذ لحظة مولده – تلك الطاقة الجنسية التى ولد بها ، فيرضع ثدى أمه بلذة جنسية ، ويتبول ويتبرز بلذة جنسية ، ويمص إبهامه بلذة جنسية ، ويحرك أعضاءه بلذة جنسية ..
ثم ينمو الصبى فيحس تلقاء أمه بشهوة جنسية (كما تحس الصبية بالشهوة الجنسية تلقاء والدها) ولكنه يجد أباه حائلا بينه وبين الاستيلاء على الأم التى يشعر نحوها بتلك الشهوة الجنسية ، فيكره أباه الذى يحبه فى ذات الوقت ، ويصطرع الحب والكره اللذان يحس بهما فى آن واحد تجاه الأب ، فيكبت الكره فى اللاشعور ، الذى تدفن فيه – ظاهريا – كل الرغبات المكبوتة والمخاوف المكبوتة ولكنها تبقى حية فاعلة مؤثرة موجهة لسلوك الإنسان دون وعى ، ويظهر الحب وحده على السطح لأن ذلك هو الذى يعجب المجتمع ! (أى نفاقا !) ولكن القضية لا تنتهى عند هذا الحد ولا على هذه الصورة . فإن الصبى يأخذ فى حس نفسه ماكن والده ، تعويضا عن عجزه عن الاستيلاء على الأم بسبب قيام والده حاجزا بينه وبينها ، فيروح ينهى نفسه ويأمرها كما ينهاه أبوه ويأمره ، فينشأ الضمير ، وتنشأ – فى نفس الطفل – القيم الأخلاقية التى يتعاطاها المجتمع ويرضى عنها ، كما ينشأ الدين من ذات العقدة التى سماها عقدة أوديب (ويقابلها عقدة إليكترا عند البنت) وهى العقدة الناشئة من الكبت الجنسى لشهوة الصبى الجنسية نحو أمه (وشهوة البنت الجنسية نحو أبيها) .

البيان
10-18-2007, 07:07 PM
وهكذا تنشأ القيم العليا كلها : الدين والأخلاق ، والتقاليد المستمدة من الدين ، من تلك العقدة الناشئة من الكبت الجنسى .
وتتركب النفس الإنسانية من طبقات ثلاث :
الطبقة الشهوانية – التى تسطر عليها الشهوة الجنسية وتوجهها – وتسمى – عنده – الذات السفلى The Id وهى طبقة لا شعورية ، والذات The ego وهى الطبقة الوسطى التى يتمثل فيها الوعى وتصدر عنها كل التصرفات الواعية للإنسان ، والذات العليا Super Ego التى تتمثل فيها الضوابط " " الناشئة من الدين والأخلاق والتقاليد المتداولة فى المجتمع ، وهى لا شعورية أيضا ، وتنشأ من الكبت الواقع على الذات السفلى الشهوانية .
ومهمة الذات هى التحايل الدائم على الذات السفلى لإقناعها بأوامر الذات العليا ، وإن كانت هى شخصيا لا تؤمن بها ! يقول فرويد : " إن مهمة الذات بين الضغط الواقع عليها من الذات العليا والذات السفلى معا تصبح كمهمة السياسى الذى يعرف الحقائق ولكنه يداور ويناور إرضاء للجماهير !! "
ويتحدث فرويد – كثيرا – عن القيم العليا .. عن الدين والأخلاق والتقاليد . يقول فى كتاب " الطواطم والمحرمات Totem and taboo " إنه حدثت فى البشرية الأولى حادثة هائلة ما تزال تؤثر فى حياة البشرية إلى هذه اللحظة .
ذلك أن " الأولاد " شعروا بالرغبة الجنسية تجاه أمهم ، فوجدوا أباهم حائلا بينهم وبين الاستيلاء على الأم فقتلوه ! وكانت تلك أول جريمة ترتكب فى البشرية الأولى (وليست هى قتل أحد الأخوين لأخيه كما جاء فى الرسالات السماوية) " " .
ثم أحسوا بالندم فلى قتل أبيهم فقدسوا ذكراه ، فنشأت أول عبادة عرفتها البشرية وهى عبادة الأب (وليس عبادة الله كما جاء فى الرسالات السماوية) " " .
ثم وجدوا أنهم لو تقاتلوا بينهم للاستيلاء على الأم فسيقتل بعضهم بعضا فاتفقوا على ألا يقر بها أحد منهم فنشأ أول تحريم فى العلاقات الجنسية وهو تحريم الأم (وليس لأن الله هو الذى حرمها كما جاء فى الرسالات السماوية) " ".
يقول : وكل الديانات التالية والحضارات قد نشأت من ذلك الحدث الخطير الذى لم يدع لبشرية منذ وقوعه فرصة للراحة !!
فإذا سألته عن سنده فى هذه القصة التى يبنى عليها تفسيرا كاملا للحياة البشرية بأديانها وحضارتها من أول التاريخ إلى آخر التاريخ .. فإنه يجيب .. ولا تحسبه عاجزا عن الإجابة !
يقول : إن دارون يقول : إنه فى عالم البقر تتجه الثيران الشابة إلى الأم لمواقعتها ، فتدور بينهم معركة رهيبة ، يفوز فيها أقوى الثيران وأصلبهم عودا ، فسيتولى وحده على الأم ويندحر الباقون !
وبتعديل بسيط – أو بتحريف بسيط ! تنقل القصة من عالم البقر إلى عالم البشر ، ويقوم عليها تفسير شامل للحياة البشرية !
ويقول عن الأخلاق فى كتاب " الذات والذات السفلى The Rgo and the Id إنها كوابت تكبت المنطلق الطبيعى للطاقة الجنسية ، ويقول إنها تتسم بطابع القسوة حتى فى صورتها العادية !
ويقول عن التسامى Sublimation فى كتاب " ثلاث مقالات فى النظرية الجنسية Three Contributions to the Sexual Theory إنه نوع من أنواع الشذوذ !
" فأما ثالث أنواع الشذوذ فإنه يحدث نتيجة عملية التسامى ، حيث تصرف الطاقة الشهوية الصادرة من منابع جنسية فردية فى مجالات أخرى وينتفع بها فى تلك الحالات ، وبذلك يكتسب الإنسان قوة نفسية كبيرة من استعداد نفسى هو فى ذاته خطير ! "
ويقول عن العلاقات البشرية فى كتاب الطواطم والمحرمات Totem and Taboo إن الازدواج العاطفى Ambivilence أى الشعور بالحب والكره فى آن واحد تجاه الشخص الواحد .. وكبت الكره فى اللاشعور وإظهار الحب على السطح لإرضاء المجتمع ، هو الطابع العام للعواطف البشرية ، فالولد يحب أباه ويكرهه ، ويحب أمه ويكرهها ، والأخ يحب أخاه ويكرهه ، والزوجة تحب زوجها وتكرهه .. والصياح الذى يصيحه الناس على ميتهم هو لإخفاء الفرحة الداخلية التى ملأت نفوسهم لموت !!
ويشرح هذه الظاهرة العجيبة Ambivilence فيقول إنها تتم بطريقة لا شعورية وإنه لا تدخل فيها الحالات التى يتوجه فيها الإنسان بالحب لشخص معين ثم يكرهه لأسباب واعية معلومة ! إنما هو كره لا شعورى تلقائى ، ينشأ فى ذات اللحظة التى ينشأ فيها الحب ، ثم يكبت فى اللاشعور ويظل يعمل من داخل اللاشعور !
ويقول فى كتاب الطواطم والمحرمات Totem & Taboo إن الكبت هو طابع الحياة البشرية بسبب وجود الدين والأخلاق والمجتمع وسلطة الأب .. وما إلى ذلك من القوى القاهرة .. وكلها تتجه إلى كبت الطاقة الجنسية فتنشأ العقد النفسية والاضطرابات العصبية التى لا تترك صاحبها فى راحة ..
ويقول فى معظم كتبه : إن كل الأطفال " الذكور " يصابون بعقدة أوديب فى أول طفولتهم .
ويقول فى كتاب " ثلاث مقالات Three Contributions " : نحن جميعا مصابون بالهستريا إلى حد ما :
تلك خلاصة آرائه وأفكاره عن النفس البشرية والعلاقات الإنسانية .. ولن تتعرض لها هنا بالمناقشة .. " ".
إنما نحن هنا نستعرض مكانها من المخطط الشرير ، كما استعرضنا مكان ماركس من قبل .
يريد اليهود أن يشكلوا المجتمع الجديد الذى وقع فى قبضتهم من أول لحظة على أساس أن يكون مجتمعا بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد مستمدة من القيم الدينية .. فيجئ عالمهم النفسانى الكبير ليمسخ الدين والأخلاق والتقاليد بطريقة " علمية " !
فالدين نابع من الجنس .. من عقدة أوديب .. من كبت الشهوة الجنسية التى يحسها الطفل الذكر نحو أمه !
ويجب – لكى نفهم اللعبة كاملة – أن نتذكر كيف كان إحساس أوروبا بالجنس لنعلم رد الفعل الأوروبى حين يقول لهم فرويد إن الدين نابع من الجنس !
كان الجنس فى حس أوروبا أمرا مستقذرا إلى أقصى حد ، بسبب تزمت الكنيسة فى تفسير تعاليم السيد المسيح ، وبسبب الدعوة إلى الرهبانية . وكانت أعلى درجات التقى والورع تتمثل – ابتداء – فى الابتعاد عن الجنس ، المباح منه وغير المباح ، وذلك أبرز ما فى الرهبانية . ويصل الأمر فى حسهم إلى اعتبار المرأة فى ذاتها دنسا لا يجوز أن يمس ، إلى حد أن واحدا مكن كتابهم ينصح الناس فيقول : إذا لقيت امرأة فى الطريق فلا تسلم عليها ولو كانت أمك !
وفى هذا الجو يجئ " العالم النفسانى الكبير ! " فيقول إن الدين نابع من الجنس ! فأى هوة مستقذرة يهبط فيها الدين من عليائه ؟!
وهب أن الناس جميعا لم يصدقوا فرويد فى ادعاءاته " العلمية ! " (وإن كانت دعاية اليهود له وترويحهم المدبر لآرائه " " قد جعل بعض الناس يصدقون ، بل يتحمسون فى التصديق !) فإن شيئا ما يحدث فى النفس من قراءة فرويد هو – على الأقل – إزالة القداسة عن الدين !
إنما تأتى قداسة الدين فى النفوس من أنه شئ منزل من عند الله ، وأنه هو الصلة بين القلب البشرى والإله المعبود ، تلك الصلة العلوية التى ترفع النفس إلى الآفاق العليا ، وتطلق الأرواح ترفرف فى عالم النور .
فإذا جاء " عالم " يقول ، ويظل يلح فى العقول ، وتظل الدعاية تلح على قوله : إن الدين أمر أرضى بحت ، ومصنوع فى داخل النفس لا علاقة له بالله ولا برفرفة الأرواح فى الآفاق العليا .. وأكثر من ذلك أنه " معجون " بماء الجنس المستقذر يومئذ فى حس الناس .. فهل تتوقع أن تبقى للدين قداسة فى النفوس ؟!
يقول " يونج Jung " أحد تلميذى فرويد المقربين (والآخر هو أدلر Adler) فى كتاب سماه " ذكرياتى عن فرويد Memorials of Frued " صدر فى الستينات : " لقد قال لى فرويد إننا ينبغى أن نحطم كل العقائد الدينية : We must abolish all dogmas " وقال لى : ينبغى أن نجعل من الجنس عقيدة We must take sex a dogma "
ولا تحتاج هذه الشهادة إلى تعليق ! فالدين ذو القداسة يلقى به فى دنس الجنس ، والجنس المستقذر يرفع إلى مقام الدين !!
ويريد اليهود أن يحطموا الأخلاق وينشئوا مجتمعا منحلا يسهل فيه تسخير " الحمير " لشعب الله المختار .
فأى معول أشد تحطيما للأخلاق من دعوة " العالم النفسانى الكبير " للأولاد والبنات أن ينطلقوا لتلبية نداء الجنس أنى شاءوا بلا حواجز ولا قيود ؟! ومن ادعائه أن الدين الذى يأمرهم بوضع الضوابط لطاقة الجنس هو أمر سخيف لا يستحق الاحترام ؟! ومن وصفه للأخلاق بأنها تتسم بطابع القسوة حتى فى صورتها العادية ؟! ومن دعواه بأن أى قيد على الإطلاق يوضع فى طريق الطاقة الجنسية يورث الكبت ويكون العقد النفسية والاضطرابات العصبية؟! وأن التسامى نوع من الشذوذ ؟!
لقد آتت هذه الدعوة ثمارها بالفعل ، وكانت أكبر مشجع للأولاد والبنات أن ينطلقوا مع دافع الجنس بلا حواجز خوفا من الكبت والعقد النفسية ! وأن ينظروا إلى الدين – الذى يحجزهم – على أنه قيد مناف للعلم ، ولا يستحق الإصغاء إليه ، كما قام علم التحليل النفسى الذى أنشأه فرويد لأهدافه الخاصة " " بعملية التبرير الضخمة للفساد الخلقى الذى حدث بالفعل !
يقول الكاتب الإنجليزى " ألدوس هكسلى Aldous Huxley " فى كتابه " Texts and Pretexts " إن المحلل النفسى يقف – لا محالة – إلى جانب المجرم الأخلاقى :
The Psycho-analyst is inevitably on the side of the immoralist
وليست هناك حتمية فى الحقيقة ، ولكن هذا هو التحليل النفسى على طريقة العالم اليهودى الكبير !
ويريد اليهود أن ينشئوا نجتمعا متفككا لا روابط فيه ، ذلك أن الروابط – من أى نوع – تبطئ التحلل ، وتبطئ تحويل الأمميين إلى دواب الحمل التى يركبها بنو إسرائيل ويسخرونها لمصالحهم .. فيجئ العالم النفسانى الكبير فيقول بطريقة " علمية " إنه لا توجد فى حقيقة الأمر روابط بين البشر ! لا بين الولد وأمه ، ولا بين الولد وأبيه ، ولا بين الزوج وزوجته ، ولا بين الأخ وأخيه فضلا عن أن تكون هناك روابط بين الغرباء الذين لا تصل بينهم صلة القربى ! إنما كل إنسان فى الأرض يكره الإنسان الآخر فى قرارة نفسه ويتمنى له الزوال !
باختصار لقد كانت مهمة " العالم النفسانى " هى تغطية الفساد الضخم الذى تدبره العصابة الشريرة فى الأرض ، بإعطائه " التبرير العلمى " ! الذى يجعله أمرا طبيعيا لا يستنكر ! ويصبح المنكر عليه هى الرجعى المتأخر الذى يصدر عن الجهل بحقائق العلم ، والتمسك بالخرافات السخيفة ، أو المثاليات التى لا تقل عنها سخفا ولا مكان لها فى واقع الحياة !
دور كايم
إميل دور كايم " دورك هايم أو دورك جاييم ! " يهودى فرنسى ولد عام 1858 ومات عام 1917 وتخصص فى علم الاجتماع وله فيه كتب من أشهرها " مقدمة فى علم الاجتماع " .
وقد لا تكون له شهرة عند الجماهير كماركس وفرويد ، ولكن له شهرته الواسعة بين " علماء الاجتماع " ويتتلمذ عليه – أو على فكره – كل من يقوم بتدريس علم الاجتماع فى الجامعات والمدارس فى عالم الأمميين إلا من رحم ربك ! وعلى أى حال فقد أدى " مهمته " فى الميدان الذى تخصص فيه ، ووجه حملته – مع زملائه الآخرين من كبار " المفكرين " اليهود – إلى تحطيم الدين والأخلاق والتقاليد .
أخذ دور كايم عن دارون التفسير الحيوانى للإنسان ، ومدده ليغطى ميدان العلاقات الاجتماعية . ولقد أسلفنا أن دارون نفسه لم يكن عالم اجتماع ولا اقتصاد ولا علم نفس ، إنما كان متخصصا فى علم الحياة ، أى فى مظاهر الحياة فى " أجسام " الكائنات الحية ، وحين وصل – فى سلسلة التطور الحيوانى – إلى الإنسان ، وألحقه بعالم الحيوان ، كان يدرس مظاهر الحياة فى " جسم " الإنسان ووظائف أعضائه ، دون أن يتعرض للجوانب الأخرى التى ليست من اختصاصه .
ولكنا قلنا إن نظريته – بالصورة التى قدمها بها ، لا بما تحويه من معلومات علمية بصرف النظر عن صحتها أو عدم صحتها من الوجهة العلمية – كانت تحوى إيحاءات معينة لمن أراد أن يستخلصها ويستخدمها ، مبنية كلها على فكرة حيوانية الإنسان وماديته . وإن أحدا لم يستخلصها ويستخدمها فى الحقيقة إلا اليهود .
ودور كايم واحد ممن فعلوا ذلك فى ميدان تخصصه وهو علم الاجتماع .
وخلاصة آرائه أن الكائن البشرى محكوم " بنزعة القطيع " التى تحكم عالم الحيوان وتسيره دون وعى منه ولا إرادة .
ولئن كان فرويد قد قالها دون مداراة ، حين زعم أن البشرية الأولى قتلت أباها لتستولى على الأم ، مستندا إلى أن دارون قد قال مثل ذلك عن عالم البقر ، فإن دور كايم لم يشأ أن يستخدم المصطلح الحيوانى مباشرة ، فلم يسمها – فى عالم الإنسان – " نزعة القطيع " وإنما سماها " العقل الجمعى " ، ونسب إليها فى عالم الإنسان كل ما ينسب فى عالم الحيوان إلى نزعة القطيع .
وبعض كلامه عن العقل الجمعى معقول ، وتكلم عنه كثير غيره من العلماء والمفكرين وسموه " المشاركة الوجدانية " وهى حقيقة واقعة فى عالم البشر . ولكنه لم يرد أن يستخدم هذا المصطلح لأنته لا يخدمه فيما كان يهدف إليه ، ذلك أن للمشاركة الوجدانية حدودا معروفة تقف عندها ، وصورة أو صورا معينة تمارس فى نطاقها ، لا تلغى شخصية الفرد الإيجابية ولا إرادته ، لأنها تصدر عن " الذات " ولا تلغيها ، وقد تكون فى كثير من الأحيان فير إرادية ولكنها لا تلغى الإرادة . إنما هى تأثر معين من شئ خارجى ، يستتبع مشاعر معينة أو أعمالا معينة يقوم بها الإنسان لمشاركة الآخرين فيما يراه من أحوالهم ، ولكنه يظل شاعرا أنه " هو " الذى يقوم بها ، وأنه يقوم بها لأنه يريد – لو إرادة مؤقتة – أن يشارك الآخرين فيما هم فيه .
أما الصورة التى يريد دور كايم أن يرسمها للبشرية فهى صورة مختلفة ، يريد أن يلغى فيها شخصية الفرد إلغاء كاملا ويلغى إرادته ، ليجعله يتقبل ما يلقيه إليه " العقل الجمعى " من أوامر وتوجيهات بلا وعى منه ولا إرادة !
يستمد دور كايم أمثلته وقواعده مما قام به " الغوغاء " فى الثورة الفرنسية من قتل وتحطيم وتخريب وقع من أناس " عاديين " لم يحدث منهم القتل والتخريب من قبل ، ولو طلب منهم أفرادا لامتنعوا عنه ، ولكنهم قاموا به فى سرور بالغ بل فى نشوة وحشية وهم فى وسط " المجموع " .
وبصرف النظر عن يد اليهود الخفية فى توجيه الثورة وجهات معينة ، فإن هذه – فى ذاتها – حقيقة : أن " الغوغاء " تقوم بمثل هذه الأعمال حين توجه إليها ، بينما معظم الأفراد من هذه الغوغاء لو لطب منهم أن يقوموا بها أفرادا لامتنعوا واستنكروا .
وكثير من المفكرين لفتتهم هذه الظاهرة ، وردوها إلى " المشاركة الوجدانية " أو إلى نزعة " مكبوتة " إلى التخريب والتحطيم ينفلت قيادها حين يوجه الغوغاء إلى ذلك ، فينطلقون – وقد انحلت العقدة – يفعلون ما يخطر على بالهم من وحى اللحظة ، متشجعين على الشر بكونهم كثرة غالبة والواقف فى طريقهم قلة مغلوبة .. بل ردها بعضهم إلى " نزعة القطيع " مباشرة ، على أساس أن هذا القطيع البشرى فى حالته الجنونية التى يكون عليها ، بلا عقل ولا وعى ، هو أشبه بالحيوان ، تحركه بالفعل نوازع الحيوان ، ما دام قد غاب عنه العقل الذى " يعقل " تصرفاته (أى يقيدها) .
وأيا كان الرأى فقد نظر المفكرون إلى هذه المظاهر على أنها حالة خاصة تصيب الجماهير حين تجتمع فى حالة غضب أو استثارة . ولكن دور كايم جعلها قاعدة الحياة البشرية كلها ، والأساس الذى تنبنى عليه كل تصرفاتها ، مستندا إلى الحالتين التين يكون الوعى والإرادة فيهما مفقودين تماما أو شبه مفقودين ، وهما حالة الطفل وحالة الغوغاء . فأما الغوغاء فأمرها معروف ، وأما الطفل فإنه يولد ولا حول له ولا قوة ، فيتلقى الأوامر والتوجيهات من أبويه ومن المجتمع المحيط به ، فيتشكل منذ صغره بالطابع الذى عليه المجتمع ، فتصاغ له أفكاره ومعتقداته وأنماط سلوكه دون أن تكون له إرادة فى ذلك ولا رغبة ذاتية ، ولا مشاركة إيجابية فى صياغة تلك الأفكار والمعتقدات وأنماط السلوك .. وهكذا تخرج البشرية جيلا وراء جيل .
ولكنه يلحظ – بل يؤكد لغاية معينة فى نفسه – أن الأفكار والمعتقدات وأنماط السلوك تتغير من يجل إلى جيل .. وهنا يقتنص الخيط الذى يريده فيقول إن هذا يحدث من تاثير العقل الجمعى ، الذى يتغير على الدوام ولا يثبت على حال !
ويعرف العقل الجمعى بأنه شئ كائن خارج عقول الإفراد ليس هو مجموع عقولهم ، ولا يشترط أن يكون موافقا لعقل أحد منهم ولا لمزاجه الخاص (عقل من هو إذن ؟!) وأنه يؤثر فى عقول جميع الأفراد من خارج كيانهم ولا يملكون إلا أن يطيعوه ولو على غير إرادة منهم !
ثم يقول إنه دائم التغير .. يحل اليوم ما حرمه الأمس .. ويحرم غدا ما أحله اليوم .. بلا ضابط ولا منطق معقول !
ويقول – وهو بيت القصيد – إنه لا يمكن من ثم تصور ثبات شئ من القيم على الإطلاق : لا الدين ولا الأخلاق ولا التقاليد ! وإن النظر إلى هذه الأمور على أنها أمور قائمة بذاتها هو تفكير غير معقول !
يقول : كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة هى أشياء من الفطرة ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية فى الإنسان !
أرأيت إلى العالم الكبير ! إنها ليست فطرية فى الإنسان !
وبكلمات قليلة معدودة يلغى العالم الكبير كل مقدسات البشرية !
أما الفرد الممتاز ، نبيا كان أو مصلحا أو قائدا ، الذى يقف فى وجه المجموع ويغير اتجاهه .. فهذا ملغى إلغاء كاملا من سحاب دور كايم – مهما قالت وقائع التاريخ ! – لأنه لا يخدم أهدافه ! لأنه – من ناحية – يلغى أسطورة " العقل الجمعى " الذى يحكم الناس من خارج كيانهم دون أن يملك أحد الوقوف فى طريقه ، ولأنه – من ناحية أخرى – يشير إلى " قيم ثابتة " فى حياة البشرية منها الدين والأخلاق والزواج والأسرة ، لأن كل الأنبياء والمصلحين دعوا إليها وكانوا دعائم فى تثبيتها خلال القرون الطويلة التى عاشتها البشرية قبل أن يأتى القرن اليهودى ، الذى يعيث فيه اليهود مفسدين فى الأرض ، ويحطمون كل القيم الثابتة فى حياة البشرية !
والإنسان كذلك فى عرف دور كايم شئ لا كيان له ولا فطرة ولا سمات محددة !
لأن " الكيان " أو " الفطرة " يشيران إلى شئ " ثابت " لا يمكن تغييره أو " لا يجوز " تغييره .. وهذا أمر لا يخدم أهدافه ولا أهداف قومه الذين يريدون مسخ الفطر البشرية لأمر فى نفوسهم .
إنما الإنسان وعاء يتشكل بالشكل الذى يراد له ؛ والمريد ، الفعال لما يريد عند دور كايم ، هو العقل الجمعى الذى يتغير على الدوام ، ولا يثبت على صورة ولا يثبت على حال !
ولسنا هنا نناقش دور كايم فقد ناقشناه فى غير هذا الكتاب ، إنما نحن هنا نفسره .
لقد أراد اليهود – ونفذوا بالفعل – إنشاء مجتمع تنعدم فيه " القيم الثابتة " . مجتمع بلا دين ولا أخلاق ولا زواج ولا أسرة ولا تقاليد .
وهنا يأتى " عالم الاجتماع الكبير " للتغطية الكاملة على دور اليهود فى تحطيم هذه القيم .
فأولا : ليس الذى يقوم بتحطيم القيم وإفساد المجتمع فئة محددة من البشر يمكن الإشارة إليهم بأعيانهم ، ويمكن محاسبتهم على ما اقترفت أيديهم ، إنما هو العقل الجمعى ! وأنى لك أن تمسك بالعقل الجمعى وتحاسبه ، وهو الذى لا يمكن الإمساك به لأنه ليس له مكان محدد ولا كيان محدد ، ثم إنه لا يسأل عما يفعل لأنه هو القاهر فوق العباد !!
وثانيا : فإن الذى يقوم به العقل الجمعى (الذى صنعه اليهود بأنفسهم !) ليس " تحطيما " للقيم ، وإنما هو مجرد " تغيير " على سنة العقل الجمعى فى التغير الدائم وعدم الثبوت على حال ! و" القيم الثابتة " إن هى إلا أسطورة توهمها الناس فى جهالتهم قبل أن يجئ العالم الكبير لتنويرهم .. وقد قال لهم العالم الكبير إنها ليست فطرية فى الإنسان!
وثالثا : إنه لا قبل للناس بوقف التغيير ! لأنه يحدث من خارج كيانهم ! (وقد كان من خارج كيانهم بالفعل ! ولكن لا لأنه " عقل جمعى " ولكن لأنهم تركوا الدين فركبهم الشيطان :
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)} [سورة النحل 16/99 - 100]
{وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ} [سورة النساء 4/117-119]
وهكذا قام العالم الكبير بالتغطية على دور اليهود فى الإفساد فى الأرض فى صورة " علم " يدرس فى كل جامعات الأرض ، ويتربى عليه " علماء " من الأمميين يتعصبون له كأنما هم واضعوه ، أو كأنما هو الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه !
2- واقع المجتمع الصناعى
لئن كان " علماء " اليهود قد أدوا دورهم " العلمى " فى توهين عرى الدين والأخلاق والتقاليد ، والقول بكل طريقة ومن كل زاوية بأنها سخف لا ينبغى للإنسان المتحضر أن يتمسك به ، وأوهام لا ينبغى الاحتفاظ بها فى عصر العلم ، وقيود تعوق الانطلاق ، وصناعة بشرية بحتة من حق البشرية أن تراعا وتعدلها أو تلغيها أو تعمل بعكسها " " ..
لئن كان " العلماء " قد قاموا بهذا الدور فقد كانت عصابات أخرى تقوم فى ذات الوقت بعملية لا تقل خطورة – بل قد تكون أشد خطورة – هى إقامة مجتمع فى عالم الواقع ، منسلخ من الدين والأخلاق والتقاليد ، قائم على غير أساس منها .. وهكذا تجتمع النظريات والواقع على هدف واحد محدد ، يساند بعضها بعضا ويساعد بعضها بعضا ، فالنظريات تمهد للواقع وتسنده ، والواقع يشهد للنظريات ويؤكدها ! وبين ذراعى الكماشة الشريرة يقع "الأمميين " فى أوروبا أولا ، وفى الأرض كلها بعد ذلك ، تعصرهم عصرا وتمسخهم مسخا !
قلنا من قبل إن المجتمع الصناعى قد وقع فى قبضة اليهود منذ اللحظة ألولى بسبب قيام اليهود المرابين بتمويل الصناعة الناشئة عن طريق الإقراض بالربا ، فأصبح فى مكنتهم السيطرة على هذا المجتمع وتشكيله على الصورة التى يرغبونها لأن فى يدهم أداة السيطرة الكبرى على ذلك المجتمع وهى رأس المال .
ونريد هنا أن نفصل هذا القول شيئا من التفصيل مستندين إلى وقائع التاريخ .
كانت الثورة الفرنسية – التى كسب فيها الأمميون شيئا من الكب مشوبا بكثير من الخسران ، وكسب فيها اليهود كسبا خالصا لمخططهم الشرير – أول معول فى تحطيم الإقطاع والتمهيد للثورة الصناعية .. ومن فرنسا انتشرت " مبادئ " الثورة الفرنسية وشعاراتها التى وضعها لها الماسونيون اليهود : " الحرية والإخاء والمساواة " ، فعمت أوروبا كلها وحطمت أسس الإقطاع فيها ، وحررت " العبيد " ليكونوا غذاء للثورة الصناعية .. ووقودا لها كذلك !
وفرح العبيد المحررون فرحة عظيمة ولاش ك بتلك الحرية .. فالحرية دائما محببة إلى النفوس ، والقيد بغيض ولو تبلدت النفوس عليه عدة قرون !
وانطلقوا إلى المدن فى هيئة عمال فى المصانع .. وكانت المدينة فى ذاتها سحرا هائلا فى أنفسهم ، فهكذا ينظر أهل الريف دائما إلى المدينة ولو كانوا فيها غرباء .. أما هؤلاء فقد كانت الغربة بالنسبة إليهم عارضا زائلا ، فسرعان ما أصبحوا سكانا فيها أصلاء . ولقد كانت حرية التنقل فى ذاتها كسبا ضخما طربت له نفوس العمال بعد إذ كانوا مقيدين بالأرض مشدودين إليها لا يملكون مغادرتها ولو إلى الأرض الملاصقة لإقطاعيتهم .
ثم لقد أصبحوا أراء " أحرارا " بعد أن كانوا من العبيد .. صاروا يعملون ويقبضون فى نهاية الأسبوع أجرا نقديا يمسكون فى أيديهم وينفقونه كيف شاءوا ليس لأحد عليهم سلطان .
وكان لكل هذا نشوة تطرب لها النفوس ..
ولكن هذه النشوة لم تدم طويلا على أى حال .. فقد انكشف الواقع الجديد عن صعوبات لم تكن مقدرة حق قدرها فى بادئ الأمر .. فساعات العمل طويلة ومضنية والأجر مع ذلك قليل إذا قيس بمطالب المدينة وارتفاع أسعار الحاجيات فيها . ففى الريف لم يكن يدفع الناس أجرا للمسكن سواء كانوا أجراء أحرارا أو أقنانا يعملون فى الأرض ، فمساكن القرية تورث جيلا بعد جيل يتربى فيها كل جيل جديد لا يدفع فيها أجرا حتى ولو لم يشعر بملكية حقيقية لها لأنها ملك للسيد الذى يملك الأرض بما عليها ومن عليها ملكية حقيقية أو معنوية .. وفى الريف لا يتكلف الناس لطعامهم وشرابهم كثيرا من المال ، فمن منتجات الألبان ومنتجات الدواجن يأخذون اللبن والزبد والبيض واللحم (فى المواسم على الأقل) ومما يزرعون يأخذون خبزهم وبقولهم وخضرهم فلا يكادون يحسون أنهم دفعوا فيها شيئا يذكر ، وإن كانوا فى الحقيقة يدفعون جهدهم كله فى عمل مضن طوال العام ، ويدفعون من كرامتهم وإنسانيتهم .
والآن تغير الحال .. كثيرا ..
لم تعد وطأة " السيد " ذات وقع حسى مباشر كما كانت فى ظل الإقطاع ، وإن كانت الوطأة المعنوية قائمة ولا شك .. قائمة فى حاجة العمال إلى العمل من أجل الحياة ، وغطرسة صاحب المصنع وتكبره وتجبره وتقتيره فى الأجور ..
ثم إن العمل ذاته له وطأة .. وهى وطأة حسية إلى جانب السطوة المعنوية لصاحب العمل . فهو عمل متواصل فى إدارة الآلات – وكانت فى مبدأ الأمر تحتاج إلى جهد بدنى كبير فى إدارتها – وليس من نوع العمل الريفى الذى كان مضنيا – نعم – ولكنه مرن فى أدائه إلى حد ما . فأنت فى الحقل حر – نسبيا – فى أن تبدأ عملك بعد الفجر مباشرة أو بعد ذلك بساعة ! ورح – نسبيا – فى أن تشغل المحراث ثلاث ساعات متوالية أو تشغله ساعة بعد ساعة بعد ساعة ! وحر – نسبيا – فى أن تجمع المحصول اليوم أو تجمعه غدا .. وحقيقة إن " السيد" دائما هناك .. ووكيله الذى يشرف على عمل الفلاحين قاعد بالمرصاد يؤز الفلاحين للعمل أزا ولا يتركهم فى راحة .. ولكنه لا يستطيع أن يقف طيلة النهار على رؤوسهم ! ومن ثم يتنفسون بين الحين والحين ، فى حديث خاطف أو قصة مروية .
أما السيد الجديد فلا يتيح شيئا من ذلك .
صحيح أنه ليس له سوط يمسك به هو أو عامله (وكيله Steward) ليهوى به على ظهور العمال إن توازنوا عن العمل ، ولكن فى يده سوطا معنويا لا يقل إيذاء وهو الخصم من الأجر أو الطرد من العمل !
ثم إن الأجر – حتى إن سلم من هاتين الآفتين جميعا – ضئيل بالنسبة لمطالب الحياة .
صحيح أنه – من حيث الكم – أضعاف ما كان يحصل عليه من الريف ، ولكنه إذا وزع على المسكن والملبس والمطعم المشرب لم يكد يفى بكل ذلك ولو على مستوى الكفاف .
ثم إن هناك أمرا هاما جدا فى هذه الحياة الجديدة كان له خطره البعيد فى تشكيل صورة المجتمع الصناعى الناشئ وإعطائه الطابع الذى يوافق هوى الشياطين .. فإن الأجر الضئيل الذى يتناوله العامل ولا يكاد يفى بحاجته لم يكن يسمح بحال بإنشاء أسرة فى المدينة ذات التكاليف . ومن ثم جاء العمال عزابا إلى المدينة – وهم فى سن الشباب والفتوة – أو إن كانوا متزوجين تركوا أسرهم فى الريف وعاشوا فى المدينة كالعزاب ..
وأضيفت إلى متاعب الحياة فى المدينة جوعة الجنس ، وهى جوعة ليست باليسيرة بالنسبة للشباب فى مثل هذه السن ، وما كان يفد للعمل إلى المدينة إلا الأقوياء ذوو الأجساد .
هل كان ذلك كله من تدبير اليهود أم هم استغلوه ؟!
يستويان ..
والأغلب أنه لم يكن من تخطيط اليهود ، إنما هو من جشع أصحاب الأموال وأصحاب الصناعات يهودا وغير يهود .. ولكن المؤكد أن " الحل " الذى قدم لهذه الأزمة كان هو الحل اليهودى الخالص الذى يعمل فيهاليهود من قديم ..
كان الحل هو البغاء !
لم يكن هو بغاء " السادة " الذى تعرفه " المدينة " من قديم .. فالمدينة الأوروبية كانت دائما تعرف ذلك اللون من البغاء الذى ينفق فيه السادة أموالهم الحرام – المغتصبة من دماء الفلاحين والعبيد – فى طلب اللذة المحرمة ، وكان اليهود ذوى صلة تاريخية بذلك البغاء يوقعون فى حبائله السادة من " النبلاء " ! ويسلبون به ما يقدرون على سلبه من أموالهم ، حتى يلجئوهم إلى الاستدانة منهم بالربا ذى الأضعاف المضاعفة ، ويفلس منهم فى النهاية من يفلس وتئول أمواله إليهم !
ولكن هذا البغاء الجديد كان بغاء " شعبيا " خالصا لقاء دراهم معدودات !
وفرك اليهود أيديهم سرورا فقد أمسكوا بأول الخيط ! الخيط الذى يجر " الأمميين " إلى حيث يريد لهم الشيطان .
وجاءت الخطوة التالية ..
فقد بدأ العمال يضربون عن العمل جماعات .. يطلبون تخفيض ساعات العمل وزيادة الأجور ..
وفى دستور الرأسمالية – غير المكتوب – أنها ينبغى أن تحتفظ دائما بجيش من العاطلين تستخدمهم حين يضرب العمال العاملون حتى لا يتوقف العمل من جهة ، وحتى يضربوا حركات الإضراب من جهة أخرى ، فيضطر العمال إلى الرجوع إلى أعمالهم صاغرين !
ولأمر ما استخدمت الرأسمالية المرأة العاملة لتضرب بها حركات العاملين من الذكور .. وأعطتها نصف الأجر ، وهى تعمل ذات القدر من العمل وذات العدد من الساعات !!
هل كان هذا من تدبير اليهود أم هم استغلوه ؟!
الأغلب أنه لم يكن من تدبيرهم ، وإن كان أشبه بتفكيرهم الشيطانى .. ولكن المؤكد أنهم استغلوه إلى أقصى طاقة الاستغلال ، وجعلوه أداة لتنفيذ كل مخططهم الشرير ..
لم يقدم على العمل فى بادئ الأمر إلا أفقر الفقيرات .. فقد كان عمل المرأة فى المصنع عارا هائلا جدا فى حس المجتمع الخارج لتوه من الإقطاع ، لم ينسلخ بعد انسلاخا كاملا من كل قيمه ومثله وأخلاقياته وتقاليده .
كانت المرأة فى الريف تعمل – بالطبيعة – فى بيتها ، فتربى الدواجن وتستخرج من اللبن منتجاته ، وتنسخ على المنسج اليدوى .. وما إلى ذلك من الأعمال كما كانت تساعد زواجها فى أعمال الحقل فى حدود معينة .
وكان الريف متعارفا على هذا الأمر من قديم ،وكان يحوط عمل المرأة بسياج معين من الأخلاق ، والتقاليد المستمدة من الدين ، فلا يحدث الاختلاط بالغرباء فى غير ضرورة ، ولا تحدث الفاحشة إلا شذوذا مستنكرا أشد الاستنكار فى ذلك المجتمع المحافظ إلى درجة التزمت . والزواج المبكر يغنى الشباب من الجنسين عن الصلات المحرمة ، ويقيم الأسرة على أساس من القيم المتوارثة النابعة كلها من الدين .
ولكن المرأة التى تركها عائلها وذهب " متحررا " إلى المدينة ، ولم يعد لها عائل غيره ، كانت مضطرة إلى العمل وغلا ماتت جوعا على الحقيقة لا على المجاز ! فما كانت الجاهلية الأوروبية التى لا تطبق شريعة الله تعرف ما تصون به المرأة من الجوع والآثار المترتبة على الجوع !
إن شريعة الله قد صانت المرأة فى جميع أحوالها أما وبنتا وزوجة وأختا ، فرتبت لها عائلا يعولها فى جميع حالاتها سواء كان ولدا أو والدا أو زوجا أو أخا أو قريبا من الأقرباء يكلف تكليفا بإعالتها وصيانتها ، ويكون مسئولا عن ذلك أمام اله وأمام شريعة الله ، بحيث يؤخذ من ماله قسرا إن كان ذا مال وحجبه عن الإنفاق ! فإن لم يكن لها أحد يعولها بالمرة – وهو أمر نادر فى مجريات الحياة العادية – فبيت المال فى الإسلام يكفل من لا عائل له ، رجلا أو طفلا أو امرأة .. وهكذا لا توجد امرأة فى المجتمع الإسلامى الذى تحكمه شريعة الله تضطر إلى العمل لكى تعول نفسها ، فضلا عن أن تعول سواها كما حدث فى المجتمع الصناعى " المتطور " !
أما فى تلك الجاهلية فقد وجد فى الريف نساء كثيرات بغير عائل ، لأن عائلهن تركهن وذهب إلى المدينة ثم عجز عن الإنفاق عليهن .. أو شغله البغاء عن بناء أسرة وتحمل تكاليفها ..
وشيئا فشيئا اضطر هؤلاء النساء إلى الهجرة إلى المدينة للعمل هناك ، حيث التقطهن أصحاب المصانع يضربون بهن حركات العمال المطالبة بتخفيض ساعات العمل وزيادة الأجور .. وعاملتهن الجاهلية بتلك الفظاظة الفذة ، فأعطتهن نصف الأجر على نفس العمل ونفس الساعات !
ولكن الأمر لم يقف مع الجاهلية عند هذا احد .. فالمرأة دائما " صيد " والمرأة المحتاجة صيد ميسر !
وساومها " الرجل " الذى تعمل عنده .. إما أن تفرط فى عرضها وإما أن تعود إلى الجوع الذى فرت منه !
ولم تكن الجوعة فى الحقيقة هى جوعة المعدة فحسب ، وان كانت هذه كافية للسقوط ! إنما كان إلى جانبها الحاجة الفطرية الطبيعية إلى الجنس ، والحاجة إلى اللباس والزينة ، وهى بالنسبة للمرأة ليست كلها كماليات ! وسقط من " الرعيل " الأول من العاملات من سقط .. وفتحن الطريق ! ووجد اليهود صيدا سهلا يشغلونه فى صناعتهم العتيقة " العريقة " ! صناعة البغاء .
وكتبت الصحافة الأوروبية كثيرا وكثيرا جدا عن البغاء باعتباره " ضرورة اجتماعية " ! وإنه ينبغى أن يكون رسميا وأن يكون تحت إشراف الدولة !!
وإذا علمنا – كما سنذكر فيما بعد – أن الصحافة الأوروبية كانت – وما تزال – تحت سيطرة اليهود ، علمنا لحساب من كانت تكتب هذه الصحافة عن البغاء و" تزكيه " !
ولو أن هؤلاء " الأمميين " فى أوروبا كانت لديهم ذرة من تفكير لعجبوا على الأقل – ولا نقول استنكروا ورفضوا – أن تكون " الدولة " هى حارسة البغاء وحاميته وراعية شئونه !
أى سخرية سخرها اليهود من الأمميين ، وهم يلعبون بهم على هذا النحو الشائن ؟! ويسقونهم السم فيشربونه بلا روية .. سم يمسخ الأرواح ويذهب بالعقول ..
وأيا كانت التعلات التى قدمت لتبرير البغاء ، وتبرير إشراف الدولة عليه ورعايته ، فهى سخرية المساخر فى الجاهلية المعاصرة ،وقمة من قمم التمكن اليهودى من " الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار " !
ورويدا رويدا أصبح البغاء الرسمى وغير الرسمى حقيقة واقعة فى المجتمع له صفة " الشرعية " الكاملة ، ونتحدث عن " تنظيمه " القوانين .. وأصبح الذى يستنكر هذه الأوضاع رجعيا متزمتا ، أو جاهلا مخرفا ، أو منافقا تافها ، أو " مثاليا " يعيش فى الأوهام ! واصبحت هذه هى " الواقعية " الجديدة التى يدافع عنها الكتاب والخطباء والصحفيون والقصصيون والروائيون .. والمحللون النفسانيون !!
غير أن المسألة لم تقف عند هذا الحد ، وإنما " تطورت " كثيرا .. فقد كثر العاملات فى المصانع ، اللواتى يقمن بنفس العمل ويتناولن نصف الأجر ، بسب استمرار هجرة العمال إلى المدينة وترك أسرهم بلا عائل .. فأصبحت لهن " قضية " ! قضية المساواة فى الأجر .. وهى قضية عادلة دون شك ، أيا كانت الظروف التى أدت إليها والملابسات التى أحاطت بها والنتائج التى ترتبت عليها .. فحين يعمل الرجل والمرأة نفس العمل ، ويقومان بنفس الجهد ، فأى مبرر فى الأرض يبرر أن يأخذ أحدهما نصف الآخر " " !
ولكن الجاهلية الأوروبية التى لم تحكم قط بما أنزل الله قد ارتضت هذا الأمر ، ورأت فيه شيئا طبيعيا لا يبعث على الاستنكار !
ولكن النساء اللواتى وقع عليهن الغبن رأين – أو رؤى لهن – أن يطالبن بحقوقهن المسلوبة .. نقول : رؤى لهن ، لأن التاريخ يشهد أنه كان هناك دائما محرك يحرك الأمور !
وسواء كان اليهود هم الذين حركوا " القضية " أم قوم طيبون أخذتهم الشفقة بالمظلومات فطالبوا لهن بحقوقهن ، فلاشك أن اليهود استغلوا الظروف لصالح مخططاتهم ، وشدوا الخيط إلى أقصى ما يمكن أن ينشد !
وسارت القضية فى خطوات متتابعة ، كل خطوة تؤدى إلى تاليتها بصورة تبدو طبيعية ومنطقية وتلقائية . وما كانت فى الواقع تلقائية . إنما كان ينفخ فيها الشياطين بصورة تظهرها فى هذا الوضع .
طالبت المرأة بالمساواة مع الرجل فى الأجر فرفضت الرأسمالية الناشئة وأصرت على الرفض ، كأنها تحافظ على وضع طبيعى لا يجوز تغييره ولا الخروج عليه ! ورفض " الرجل " كذلك ! كأن طلبها عدوان على حقوقه الشخصية أو عدوان على كيانه الذاتى !
ولم تعد القضية مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجل فى الأجر ، بل أصبحت – فى ذات الوقت – قضية ضد " الرجل " الذى يرفض إعطاءها مالها من حقوق فى عنجهية وغطرسة . وظل هذا الأمر يتسع كلما سارت القضية فى مسارها خطوة ، حتى أصبح فى النهاية كأنه هو القضية ! وانقلب الأمر بين شقى النفس الواحدة اللذين خلقهما الله ليكونا سكنا ومودة : {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [سورة النساء 4/1] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [سورة الروم 30/21] فأصبحت العلاقة هى العداء والصراع والمنافسة ..
وفرك الشياطين أيديهم سرورا بذلك " التطور " .. فأى شئ افعل فى فك روابط الأسرة وتقطيع أوصالها من إثارة الصراع والشقاق بين ركنيها الأساسيين ؟!
وما نريد أن نتعجل الأحداث !
رفض أصحاب المصانع قضية المساواة فى الأجر ورفضها الرجل كذلك ، فطالبت المرأة – أو طولب لها فى الحقيقة – بأن يكون لها حق الانتخاب حتى يكون لها – كما قيل – تأثير فى اختيار المرشحين للمجالس النيابية فيدافعوا عن حقوقها المسلوبة حين يصلون إلى البرلمان ، وكان الرجل قد نال هذا الحق (حق الانتخاب) قبل ذلك مع نمو الديمقراطية ونمو الحقوق السياسية للشعب " " .
ورفض الرجل إعطاءها هذا الحق ، ولم يعترف أصلا بأن ذلك حق من حقوقها أو أمر جائز بالنسبة إليها .
وتكفل رجال بالدفاع عن " قضية المرأة " : محامون وكتاب وخطباء وصحفيون .. بينما ظل أغلبية الرجال يرفضون فى إصرار . ولكن رويدا .. رويدا .. أخذت المعارضة تلين – أو فى الحقيقة تلين ! – بالدق المستمر عليها بكل وسائل الإعلام المتاحة فى ذلك الحين ، وفى مقدمتها الصحافة ، ومن بينها الخطابة والمحاضرة والتأليف .
وظاهرة لين المعارضة بعد اشتدادها فى أول الأمر تكررت فى كل مرحلة من مراحل " القضية " بصورة واحدة تقريبا .. يبدأ " المدافعون " بإثارة القضية فتنهال المعارضة من كل جانب ، وتحتد غضبات " الرجال " إلى حد يخيل للرائى أن الأمر قد انتهى إلى الأبد ، وأن القضية فاشلة لا محالة ! ورويدا .. رويدا تأخذ الأصوات المعارضة تخفت ، والأصوات المدافعة تعنف وتشتد ، حتى يأتى يوم لا يجرؤ فيه أحد على المعارضة لأنه يصبح ضد التيار ، ويصبح كلام مستهجنا ويقابل بالاستنكار ، لأنه رجعى متخلف ، يريد أن يرجع عقارب الساعة إلى الوراء ، ويريد أن يقف عجلة التطور الساحقة التى تسحق كل من يقف فى سبيلها !!
كيف يتم المر على هذه الصورة ؟!
هل هى صورة طبيعية وتلقائية ؟ أم تدخل فيها أصابع الشياطين ؟!
أما أنها طبيعية – من جانب – فنعم ! فما كان المعارضون يعارضون عن إيمان حقيقى بقيم معينة ، إنما هى عنجهية الرجل من جهة ، وكون ذلك من " التقاليد " الموروثة من جهة أخرى .. والتقاليد إذا فقدت الروح وفقدت المبدأ وفقدت الإيمان ، لم تعد قادرة على الصمود فى المعركة ، خاصة إذا كانت معاول الهدم حادة ، وكان المهاجمون أذكياء بل شريرين .
ولكنها من جانب آخر لم تكن طبيعية .
فلو تركت الأمور دون تدخل ودون توجيه ، فلربما كانت التقاليد الموروثة تتغلب ، أو ربما كانت عنجهية الرجل التقليدية تتغلب .. ولكن الذين بيدهم التوجيه الشيطانى كانوا – فى كل مرة – يحولون دون أن تنتهى الأمور إلى هذه النتيجة التى لا تخدم أهدافهم ، وتعطل مجئ اليوم الذى يركب فيه شعب الله المختار على ظهور الأمميين ويلهبها بالسياط !
ولا نتحدث هنا عن العدالة فى أى الجانبين كانت ، فى الجاهلية لا توجد عدالة .. والمتصارعون كلهم كانوا يعيشون فى جاهلية ترفض أن تحكم شريعة الله . وقد تكون بعض الأمور أو بعض الوجهات فى هذه الجاهلية أعدل من بعضها الآخر ، ولكنها فى النهاية تبتعد عن حقيقة العدل ، لأنها تصلح داء بداء آخر ، وتعالج مرضا فتحدث عدة أمراض ! فلئن كان المدافعون عن " حقوق المرأة " يبدون أكثر عدلا من الذين يحتقرونها ويهينونها ويستكثرون عليها أى حق من الحقوق ، فإن الصورة التى نالت بها حقوقها قد أحدثت من الفساد والظلم ما لم يكن يخطر على بال !
ومرة أخرى لا نحب أن نتعجل الأحداث !
طالبت المرأة بحق الانتخاب الذى كان الرجل قد حصل عليه ، ومن ثم أصبح لقضية بعد جديد – بعد سياسى – بعد أن كانت مجرد قضية مساواة فى الأجر ، ورفض طلبها بشدة فى أول الأمر ، ثم عادت المعارضة فلانت ، وحصلت المرأة فى معظم دول أوروبا على حق الانتخاب ..
ولكنها وجدت أن الأصوات الضئيلة التى تدلى بها فى الانتخابات ليس لها وزن حقيقى فى المعركة الانتخابية ، وحتى إن تأثرت تأثيرا جزئيا طفيفا فى إنجاح مرشح معين ، ممن يتعهدون – أو يكونون معروفين – بالتحمس لقضية المرأة والدفاع عنها فى المجالس النيابية ، فسرعان ما ينسى المرشح وعوده حين يصل إلى البرلمان ، أو تضيع صيحته فى زحمة الأعمال وزحمة الخطب والكلمات !
عندئذ رؤى لها أن تطالب بحق الترشيح ودخول البرلمان .. لكى تسمع صوتها بنفسها للذين يصنعون القوانين (كأنهم لم يكونوا سامعين من قبل) وتشارك بنفسها فى إعداد التشريع ، فتضمنه ما يحافظ للمرأة حقوقها .
وقامت قيامة المعارضة كما يحدث فى كل مرة ، واشتدت حتى ليظن الرائى أن الأمر لم يتم أبدا .. ثم ظلت أصوات المعارضة تخفت تدريجيا وتلين .. حتى نالت المرأة حق الترشيح .. ودخلت البرلمان !
ويجدر بنا أن نلاحظ ظاهرة " فنية " فى إدارة المعركة .
لقد كانت الصحافة دائما من أوسع المجالات التى تدور فيها المعركة إن لم تكن أوسعها جميعا .. والصحافة فى أوروبا كانت – وما تزال – فى أيدى اليهود ، الذين يوجهون المعركة كلها لحسابهم الخاص . ومع رغبتهم الشديدة فىأن تصل الأمور إلى إخفات صوت المعارضة نهائيا ، وعدم السماح لها بالظهور ،فقد كانوا – فى كل مرة – يدعون الصحف تفسح صدرها للرأى المعارض مهما كانت شدة لهجته وقساوة عباراته !
وهذا " فن " بارع ولا شك !
فمن ناحية لم تكن الصحافة هى المجال الوحيد لإبداء الرأى ، بل كان إلى جانبه الخطابة والمحاضرة والتأليف . (ولم تكن وسائل الإعلام الأخرى قد اخترعت بعد ، من إذاعة وسينما وتليفزيون … الخ) فلو أن الصحافة أغلقت أبوابها دون الرأى المعارض – وهو فى حدته – لانكشف للناس تحيزها ، وانكشف اللاعبون من ورائها ، وفشلت اللعبة من أولها ! بل ينبغى أن تبقى الصحافة " حرة !" فى ظاهرها حتى يطمئن الناس إليها وتصبح أداة جبارة لتشكيل " الرأى " العام على النحو المطلوب .
ومن ناحية أخرى فإن المعارضة والشد والجذب بين الرأى المعارض والرأى المؤيد ، مطلوبان – لذاتهما – من أجل إنجاح المعركة والوصول بها – فى النهاية – إلى الهدف المطلوب !
هب أن الرأى المطلوب إرساء قواعده – وهو إعطاء المرأة حق الانتخاب مثلا – قد ألقى فى الصحف أو فى أى مجال من مجالات الإعلام فلم يأبه بمعارضته أحد ولم يتقدم لمناقشته وتفنيده أحد .. أتراه ينجح أو يصل إلى هدفه ؟ كلا ! إنما يموت لتوه ويغطيه النسيان ! ويكون فى حس الناس أن مجنونا أخرق تقدم برأى شاذ فلم يأبه به أحد !
أما حين تدور المعركة ، بالمعارضة ، وإن اشتدت فى بادئ الأمر ، فهذا هو الضمان أن ينشغل الناس بالقضية ويولوها اهتمامهم ، وهذه هى الخطوة الأولى فى طريق النجاح ! ويكفى – فى مبدأ الأمر – أن تدور المعركة حول الرأى ! فمعنى ذلك أن الموضوع قابل للمناقشة وأن هناك وجهات نظر مختلفة فيه – ولو كان بعضها ضعيفا غاية الضعف وأن الأوضاع القائمة (المراد إزالتها) ليست حقيقة نهائية مقررة لا تقبل النقاش !
وما دام قد تقرر المبدأ ، وهو أن الأمر قابل للنقاش وليس حقيقة نهائية فمن باب " الحرية ! " ينبغى أن يسمح لكل الناس بإبداء آرائهم سواء كانوا مؤيدين أو معارضين ، ليتاح " للرأى العام " أن يحكم على الأمر !
عندئذ تأتى الخطوة " الفنية " التالية ، وهى الإلحاح المستمر على وجهة النظر المطلوبة ، والتقليل التدريجى من الرأى المعارض ، مهما كان قويا فى حقيقته فى الواقع الخارجى (أى خارج دائرة الصحافة) ، حتى يخيل للقارئ أن الراى المعارض قد خفت بالفعل ، وأن الرأى " المطلوب " أصبح هو الرأى الغالب .. وعندئذ تخفت المعارضة بالفعل بتأثير هذا الإيحاء ، ويتغلب الرأى المطلوب ، ويقال إن " الرأى العام ! " قد اقتنع بالقضية وأصبح من المتحمسين لها ! وترفع المرأة الزائفة أمام الناس فيظن كل واحد أن الآخرين كلهم قد اقتنعوا ولم يبق مترددا أو معارضا إلا هو ! فيقتنع هو الآخر بالإيحاء !
وتبقى – دائما بطبيعة الحال – قلة صلبة فى معارضتها تأبى أن تذوب سواء كانت معارضتها ناشئة عن إيمان حقيقى بمبدأ معين أو حقيقة معينة ، أو لأى سبب آخر .. وهذه يجرى التخلص منها بصورة من الصور ، إما بمحاولة الشراء ، وإما بتشويه السمعة ، وإما بالتصفية البدنية إذا لم تفلح جميع الوسائل فى ثنيها عن موقفها !
وهكذا ارتفعت صيحات المعارضة فى كل مرة طولب للمرأة فيها بحقوق جديدة ، ثم لانت المعارضة أو لينت ، وخفتت الأصوات بعد حين ، وبقى الرأى " المطلوب " وحده مرتفع الراية فى الآفاق ، وقيل إنه " التطور الحتمى " الذى لابد أن يأخذ مجراه ،وإن عجلة التطور ستسحق كل من يقف لها فى الطريق !
دخلت المرأة البرلمان لعبة مسلية أكثر مما هى واقع جدى ! ولم يتغير كثيرا حال المرأة بهذه اللعبة من ناحية " الحقوق " المطلوبة ، وكلنها – من وجوه أخرى – تغيرت كثيرا ولا شك !
كانت " القضية " فى أثناء ذلك قد سارت مسارات شتى ، وطرقت أبوابا جديدة ..
طالبت المرأة – أو طولب لها – بحق التعليم ..
وقد كان تعليم المرأة فى المجتمع الجاهلى الأوروبى يتم فى أضيق الحدود .. فأما أصحاب القصور فيعلمون بناتهم فى داخل قصورهم فيأتى المربون والمربيات والمعلمون والمعلمات إلى داخل القصر فيعلمون البنات تعليما " أرستقراطيا " يصنع منهن " سيدات قصور " !
وأما " الشعب ط فلا يكاد يعرف هذه القضية ، قضية تعليم البنات .. فإنما يتعلمن – داخل البيوت – إدارة البيوت وفنون الطهى وتربية النشء ، وتربية الدواجن والماشية والغزل والنسيج اليدوى وما إلى ذلك من فنون المعاش .
وقليلات من يتعلمن فى المدارس ، أكثرهن يتوقفن عند مرحلة ابتدائية وأقل القليل من يتعلمن فن التدريس أو فن التمريض ..
أما التعليم بمعناه العام فلم يكن يخطر على بال أحد من الرجال – ولا النساء – يومئذ أنه فى يوم من الأيام يكون !
وما حاجة المرأة إلى التعليم ؟ وما حاجتها إلى العلم ؟ إنما هى لتتزوج وتحمل وتلد وترضع ، وتكون ربة بيت" " .
ولكن " القضية " المشتعلة مدت لسانا من اللهيب نحو هذا الميدان فاشتعل بنيران المعركة ، واتسعت القضية – التى كانت فى أساها قضية المساواة مع الرجل فى الأجر – فشملت فى كل يوم أبعادا جديدة لم تكن لها من قبل ، وترتب على هذه التوسعة الجديدة آثار خطيرة لم تكن فى بال أحد من قبل على الإطلاق .
هل كان فى بال المخططين أنفسهم كل هذه الأبعاد وما يترتب عليها من آثار ؟!
ربما لم يكن ذلك كذلك !
ولكن كل خطوة كانت تقربهم إلى أفق جديد يكتشفون أنهم يستطيعون منه إحكام الرمى ، أما الهدف فواضح لهم من أول لحظة ، وهو تحطيم الدين والأخلاق والتقاليد ،وأما الوسائل فهى كل الوسائل المتاحة فى كل لحظة ، حتى تتاح وسائل جديدة فتستخدم على التو !
ولقد أتاح لهم استخدام قضية التعليم وسائل هائلة جدا لتحقيق الهدف المطلوب ، ربما لم تكن كلها فى حسبانهم يوم بدءوا " اللعبة " ، ولكن كل خطوة كانت تكشف لهم الإمكانيات المتاحة للخطوة التالية فيسارعون إلى التحضير لها حتى إذا جاءت كانوا هم حاضرين !
كانت قضية التعليم من أشد القضايا إثارة للمعارضة فى المجتمع الأوروبى الجاهلى .. وكانت عنجهية الرجل فيها على أشدها .. فقد كان التعليم خلال قرون طويلة حقا للرجل وحده ، لا تنازعه فيه المرأة ولا ينبغى لها أن تنازعه فيه .
وصيغت خلال القرون " نظريات " حول عقل المرأة وقابليتها للتعلم ، خلاصتها أن المرأة لا يمكن أن تتعلم ! هكذا خلقها اله ! لا تصلح أساسا للتعليم ! لا تفهم ! إلا تلك الأشياء الصغيرة التافهة التى تناسب عقليتها وطبيعتها من رعاية النشء (لأن عقلها صغير كعقل الأطفال فهى أقرب إلى مستواهم ، ومن ثم فهى أصلح لتربيتهم فى سنواتهم الأولى حتى " يعقلوا " فيتولاهم الرجال !) وإدارة شئون المنزل والغزل اليدوى والنسيج اليدوى وما أشبه ذلك من الفنون ..
أما العلم .. فلا ! تلك مزية الرجل التى حباه الله بها فاختص بها خلال القرون ..
أو تجئ المرأة اليوم فتنازعه هذا الاختصاص ؟! وأنى لها وهى لم تهيأ أصلا لتلقى التعليم ؟
وماذا تفعل بالتعليم بعد أن تتزوج وتصبح ربة بيت ؟ فعندئذ تستوى المتعلمة والجاهلة ، إذ أن هذا أمر تقوم به الجاهلة خير قيام ولا يلزمها من أجله العلم ، ولن تقوم به المتعلمة خيرا منها ، بل قد تتفوق الجاهلة عليها لأنها نالت من الدربة والخبرة فيه ما لا يتاح للمتعلمة التى تقضى شطر وقتها بعيدا عن البيت ، وهو الميدان الأصلى للتدريب .
ولقد كان فى هذا الكلام كثير من الأباطيل ولا شك ، وكان متأثرا تأثرا شديدا بالنظرة الكنسية المتزمتة إلى الجنس ، وإلى المرأة التى يتمثل فيها الجنس بالنسبة إلى الرجل ، تلك النظرة التى وصلت إلى حد أن : فلاسفة " فى القرن السابع عشر كانت " تتفلسف " فى هذا الشأن فتتساءل : هل للمرأة روح أم ليس لها روح ؟ وإذا كان لها روح فهل هى روح إنسانية أم روح حيوانية ؟ وإذا كانت روحا إنسانية فهل هى من جنس روح الرجل أم من درجة أدنى ؟!
ولكن وجها واحدا للحق كان قائما فى هذا الكلام كله المحتوى على كل تلك الأباطيل ، هو أن التعليم – على النحو الذى كان يراد ويخطط له – كان يشغل المرأة عن وظيفتها الأساسية ويحولها إلى وجهات أخرى تتلقفها فيها الشياطين !
هل اليهود ينشئون الأحداث على هواهم بتدبيرهم الماكر كما يقول وليم كار ؟!
كلا ! إنما هم يستغلون الأحداث ، ويتربصون لينفذوا من أى ثغرة تعرض لهم فى حياة " الأمميين " ولكنهم لا ينشئون الأحداث من عند أنفسهم مهما خططوا ومعهما دبروا مئات من السنين أو ألوفا من السنين !
فلولا أن الجاهلية الأوروبية شغلت المرأة بنصف أجر الرجل ، فمن أين كان لليهود أن ينشئوا للمرأة قضية ؟ ولولا أن تلك الجاهلية حرمتها من التعليم تحقيرا وامتهانا لها فمن أين كان لليهود أن يوسعوا القضية حتى تشمل تعليم المرأة ، ثم يحدثوا عن طريق تعليمها كل ما أحدثوا من الفساد ؟!
كلا ! إن " الأمميين " هم الذين يتيحون الفرصة – بأعمالهم – ليستحمرهم شعب الله المختار ويركب ظهورهم ، ولولا أعمالهم الخاطئة تلك ما استطاع شعب الله المختار أن يركب ، مهما كان فى قلبه من الغل ، ومهما كان فى عقله من التدبير .
  

ونمضى مع قصة تعليم المرأة فنجد المعارضة الثائرة فى أول الأمر ، ثم نجد هذه المعارضة تخفت رويدا رويدا ويمضى ما كان يبدو مستحيلا فى مبدأ الطريق !
عند بدء المعركة طالب المطالبون بإنشاء تعليم لا ببعد المرأة إبعادا كاملا عن وظيفتها ، وإن كان يبعدها – دون شك – إلى حد غير قليل ! فقد أنشئ لها تعليم " نسوى " يحوى العلوم التى تعطى للأولاد ، مضافا إليها دروس فى تدبير المنزل ورعاية النشء وبعض الفنون النسوية كشغل الإبرة والتفصيل والخياطة .. الخ ، وكان هذا مجرد خطوة خطوة فى الطريق ، حتى يحين الوقت الذى تلغى فيه المواد النسوية إلغاء كاملا ويتم " ترجيل " المرأة .
كذلك طالب المطالبون بتوفير الصيانة الخلقية التامة للفتاة التى تذهب إلى المدرسة ، فتذهب فى سيارة مقفلة مغطاة بالستائر ، أو يذهب معها ذووها ويعودون بها بحيث لا تتعرض للفتنة فى الطريق !
والحكمة فى هذا وذاك واضحة !
فلو أن المخططين كشفوا عن وجوههم دفعة واحدة ، ودفعوا الفتاة الذاهبة إلى المدرسة للتبرج من أول لحظة ، أو دفعوها للانسلاخ الكامل م، أنوثتها فأى أب كان يبعث بابنته إلى المدرسة ، والتيار المعارض جارف والحملة ضد تعليم المرأة قائمة على قدم وساق ؟!
لابد من طمأنة أولياء الأمور طمأنة كاملة فى مبدأ الطريق ، حتى يرسلوا ببناتهم إلى المدرسة ، وعندئذ – بعد أن يذهبن بالفعل – يكون لنا معهن دور أى دور !
ورويدا رويدا .. على مدى طويل بطئ " " ظلت المواد النسوية تتضاءل بحجة عدم الإثقال على الفتاة .. أو بأية حجة أخرى ! وتقترب المناهج بين البنات والبنين حتى صارت متطابقة تماما فى آخر الأمر .. مناهج رجالية كاملة !!
ورويدا رويدا كذلك وبنفس البطء بدأت المدرسة تتحلل من القيود الصارمة التى فرضت عليها – بعناية – فى مبدأ الأمر ! فلم تعد السارة مغطاة بالستائر ، ولم يعد ذووها يوصلونها إلى المدرسة أو يعودون بها إلى البت !
وجاء الوقت الذى تقدمت فيه الفتيات إلى الشهادة الثانوية على مناهج البنين كاملة بلا زيادة ولا نقصان ، وحدثت " المعجزة " فنجحت الفتيات فى الامتحان الموضوع ألا للبنين ، بل تفوقن عليهم فى غير قليل من الحالات !
وحدثت ضجة هائلة – فى الصحافة بصفة خاصة – لم تهدأ من قريب !
ها هى ذى الفتاة التى قلتم عنها إنها لا تفهم ولا تستطيع أن تتعلم .. ها هى ذى التى قلتم عنها إنها أقل ذكاء من الفتى وأقل قدرة على الاستيعاب .. ها هى ذى التى قلتم عنها إنها لا تصلح – إن صلحت على الإطلاق – إلا للمناهج النسوية الخالصة .. ها هى ذى تدخل ذات الامتحان مع الفتى فتجاريه بل تتفوق عليه !
أرأيتم أيها الرجعيون ؟ ! أرأيتم ايها الظالمون ؟! أرأيتم يا جنس الرجال ؟! أيها المغرورون ! أيها المتعصبون!!
ولئن كان نجاح الفتاة قد قوبل بالاستغراب الكامل فى الغرب ، فما ينبغى أن يستغرب فى الحقيقة ، فقدرة الفتاة على التحصيل العلمى لا تفترق عن قدرة الفتى حين تتخصص لها وتوليها جهدها .. أما تفوق الفتاة أحيانا فقد كان مرجعه إلى روح التحدى من جهة ، وانقطاع الفتاة للاستذكار فى المنزل بينما الأولاد مشغولون – فى الشارع – بألوان من النشاط لا تمارسها الفتيات فى ذلك الحين !
وليست القضية – كما أثارتها الجاهلية من جانبيها ، جانب المعارضة وجانب التأييد – هى القدرة على التحصيل على ذات المستوى عند كل من الجنسين ، إنما القضية هى الإعداد المناسب لوظيفة كل من الجنسين واستعداده النفسى بصرف النظر عن قدرته العقلية .
يقول الدكتور ألكسيس كاريل فى كتاب " الإنسان ذلك المجهول L’Homme cet unconnu (ص 108 – 109 من الطبعة الثالثة من الترجمة العربية لشفيق أسعد) .
" إن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة لا تأتى من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية ، ومن وجود الرحم والحمل ، أو من طريقة التعليم ، إذ ا،ها ذات طبيعة أكثر أهمية من ذلك . إنها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها ومن تلقيح الجيم كله بمواد كيمائية محددة يفرزها المبيض .. ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليما واحدا ، وأن يمنحا قوى واحدة ومسئوليات متشابهة ..
والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافا كبيرا عن الرجل .. فكل خلية من خلايا جسمها نتحمل طابع جنسها .. والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها .. وفوق كل شئ بالنسبة لجهازها العصبى . فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة لين مثل قوانين العالم الكوكبى . فليس فى الإمكان إحلال الرغبات الإنسانية محلها . ومن ثم فنحن مضطرون إلى قبولها كما هى . فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعا لطبيعتهن ولا يحاون تقليد الذكور ، فإن دورهن فى تقدم الحضارة أسمى من دور الرجال ، فيجب عليهن ألا يتخلين عن وظائفهن المحددة ؟ .
ولكن الجاهلية – من جانبيها كما قلنا – ركزت على المقدرة العقلية أكثر من أى شئ آخر ، فخسر المعارضون حين نجحت الفتاة بل تفوقت أحيانا على الولد ، وهلل المدافعون وأمنونا فى إثارة الضجة حول قدرة الفتاة التى لا تقف عند حد ، ومساواتها التامة للرجل فى كل شئ !
حقيقة إن قضية الوظيفة والاستعداد النفسى قد أثيرت من جانب المعارضين ، ولكنها أثيرت بروح التحقير والامتهان ، لا على أساس توزيع الوظائف والتكاليف على شقى النفس الواحدة مع المساواة فى الإنسانية كما قال رب العالمين ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم :
{ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [سورة النساء 4/1]
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [سورة آل 3/195]
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [سورة النحل 16/97]
" إنما النساء شقائق الرجال " " " .
لذلك كانت موضع الرفض الكامل من الفريق الذى تصدى للدفاع عن المرأة ، وكانت موضعا لتنديدهم بعنجهية الرجل المتغطرس على غير أساس !
وما نقول إن إثارتها على النحو الصحيح كما شرعها الله كانت ستجدى شيئا فى الدوامة التى أثيرت حول "قضية المرأة " ووجهت توجيها معينا منذ البدء يخدم أغراض الشياطين ، إنما نقول إنه لو كانت الحياة فى المجتمع قد سارت منذ البدء على هدى المنهج الربانى لما وجد الشياطين قضية يثيرونها ويلعبون بها على النحو الخطير الذى فعلوه .
وحين نجحت الفتاة فى الدراسة وساوت الولد أو تفوقت عليه أحيانا فهل كان هناك شك فى الخطوة التالية ؟!
طالبت – أو طولب لها – بدخول الجامعة !
ويبدو الأمر طبيعيا جدا ومنطقيا جدا .. بينما تبدو المعارضة قائمة على خير أساس !
وعلى أى حال فقد قامت المعركة المعتادة كما قامت من قبل مع كل خطوة سابقة وكما قامت من بعد فى كل خطوة لاحقة .
قال المعارضون : إن نجاحها فى المرحلة الثانوية لا يعتبر دليلا على مقدرتها على الدراسة الجامعية ، فالجامعة شئ آخر غير الدراسة الثانوية !
وقالوا : إن التعليم الجامعى لا يناسب طبيعتها (وهى هنا الطبيعة الرقيقة اللطيفة) فهةو تعليم جاف لا يناسب إلا الذكور !
وقالوا : إن مكان الفتاة الطبيعى هو البيت ، لتكون زوجة وأما وراعية أطفال ، وليس هو الجامعة البعيدة كل البعد عن طبيعتها والمعطلة لها عن وظيفتها طوال مدة الدراسة .
وقالوا : إنها تفعل بالدراسة الجامعية ؟ وما حاجتها إليها حين تصبح ربة بيت وزوجة وأم أطفال ؟!
وقالوا : إنها تتزوج – عادة – فى السادسة عشرة أو السابعة عشرة .. فمتى تذهب إلى الجامعة ؟!
وقالوا : إن ذلك يخالف التقاليد ..
وصمد " المدافعون عن حقوق المرأة " .. لهذه الهجمات كلها ، وكأنهم – الآن – قد اصبحوا يعرفون النتيجة ! إنها مسألة وقت فحسب !
أما المخططون فما كانوا ليكشفوا أوراقهم كاملة من أول لحظة فذلك ينافى " فن " اللعب ، كما أنه قمين بإفساد اللعبة بكاملها !
أيقولون للناس الآن ماذا يريدون أن يفعلوا بقضية المرأة فى المستقبل فيحجم الآباء عن إرسال فتياتهم إلى الجامعة ، بل تحجم الفتيات أنفسهن بالبقية الباقية فيهن من الدين والأخلاق والتقاليد .. والحياء ! الحياء الأنثوى الفطرى الذى خلقه الله ، والذى يخطط لإفساده شعب الله المختار !
كلا ! إنما يترك ذلك للتخطيط البطئ .. بطئ ولكنه أكيد المفعول !
قال المدافعون : إن الفتاة ستثبت جدارتها فى التعليم الجامعى كما أثبتت جدارتها من قبل فى التعليم الثانوى . وكنتم أيها الرجعيون المتزمتون تشككون فى قدرتها على تلقى علوم الأولاد فى المرحلة الثانوية ونجاحها فيها فهزمكم الواقع وأسقط حجتكم وألجم أفواهكم ! وسيتبين لكم غدا أنكم كنتم واهمين بالنسبة للتعليم الجامعى كما كنتم واهمين من قبل بالنسبة للتعليم الثانوى .. فقط اتركوا لها الفرصة لتثبت مقدرتها ! كيف تحكمون على شئ لم تجربوه بعد ؟!
وقالوا : إن الرجل يخشى المنافسة ! يخشى على مكانته " التقليدية " أن تنافسيه فيها المرأة فيفقد هذه المكانة ! إنها عقدة النقص ! لو كان الرجل واثقا من نفسه ما خشى المنافسة ! إنه يلجأ إلى " التقاليد " ليحمى امتيازاته ! تلك التقاليد البالية المتعفنة التى ينبغى أن تزول ! التقاليد التى تحتقر المرأة وتمتهنها وتجعلها مستعبدة للرجل ! لا عبودية بعد اليوم !
وقالوا : إن الدراسة الجامعية لا تمنع المرأة عن وظيفتها .. فما الذى يمنعها أن تتزوج ؟ فقط تؤجل الزواج بضع سنوات ! ومن أرادت أن تتزوج وتترك الدراسة الجامعية فمن يمنعها !
وقالوا : إن الدراسة الجامعية – على العكس – توسع مداركها وتوسع آفاقها فتعينها على أداء وظيفتها ! أتريدون أن تكون أمهات أطفالكم جاهلات ؟ أو ليس الخبير لكم أن تكون الأم متعلمة فتحسن تربية أولادها ؟!
وقالوا : إن الفتاة يمكن أن تختار من الدراسات الجامعية ما يناسب طبيعتها " الرقيقة اللطيفة " فتدرس الأدب فى كلية الآداب .. أليست الفتاة رقيقة المشاعر رقيقة المزاج ؟ أو ليس الشعر والأدب يرقق المشاعر ويوسع الخيال ؟! فأى ما نع لديكم ؟! وتدرس الطب لتطبب النساء .. أى مانع لديكم ؟! وتتخرج مدرسة لتعليم البنات .. أى مانع لديكم ؟!
ولكن بقيت – مع كل ذلك – عقبة غيير ذلول ..
التعليم الجامعى معناه الاختلاط .. اختلاط الفتيات بالشبان فى الجامعة .. ودون ذلك يحول الدين والأخلاق والتقاليد .. (ولم يفكر أحد – من طرفى الجاهلية : المؤيدين والمعارضين – فى عمل جامعات نسوية خاصة بالفتيات !) .
وكانت تلك العقبة هى البندقة الصعبة الكسر كما يقولون فى أمثالهم .. فقد تشبث المعارضون بالتعلق بالدين والأخلاق والتقاليد فى وجه قضية الاختلاط ، واحتال المدافعون لتزيين الاختلاط فى بادئ الأمر ، ثم لجأوا فى النهاية إلى الكف عن وجوههم جهرة ، ومهاجمة الدين والأخلاق والتقاليد مهاجمة صريحة حين أصبح ذلك – بالدق المستمر – أمرا فى حيز الإمكان .
قالوا : لا تخافوا ! لن يحدث شئ على الإطلاق !
إنها لا تختلط به فى رقص ولا لهو ! إنها تختلط به اختلاطا " برئا " فى جو علمى خالص ، تنحت إشراف الأستاذ وسمعه وبصره .. الأستاذ هو الوالد والمربى والموجه لكلا السباب والفتاة فى قاعة الدرس ، وتحت إشرافه التربوى التوجيههى يجلس الفتى والفتاة ساعة من الوقت يتلقون العلم ويتناقشون فى قضايا علمية وإنسانية واجتماعية وفكرية .. فأى جو أطهر نم هذا الجو ,اقدر على رفع المشاعر وتهذيب الأخلاق ؟! من ذا الذى يخطر له – فى هذا الجو -أن يسئ الدب أو يسئ إلى الأخلاق أو تخطر فى باله خاطرة من خواطر الفساد ؟!
بل إن الاختلاط ذاته أداة للتهذيب !
ألا ترون إلى الشبان فى مجتمعاتهم كيف تجرى بينهم ألفاظ الخشنة والألفاظ الخارجة .. أيجرؤ أحدهم – فى حضرة الفتيات – أن يلفظ بلفظ خارج ؟
بل إن الاختلاط أداة لنفى خواطر الجنس !
ألا ترون أن صورة المرأة فى حس الرجل – لأنها بعيدة عنه – هى صورة الجنس ؟ وأن صورة الرجل فى حس المرأة – لأنها بعيدة عنه – هى صورة الجنس ظ .. فإذا التقيا فى هذا الجو الطاهر البرئ .. جو العلم والقضايا الفكرية والإنسانية والاجتماعية ، كف الرجل عن النظر إلى المرأة على أنها " أنثى " وفكر فيها على أنها " امرأة " .. أنها إنسانة .. أنها شريكة فى أمور الحياة .. وكفت المرأة كذلك عن التفكير فى الرجل على أساس الجنس والعلاقات الجنسية ، ورأت فيه الزميل والشريك والإنسان ..
أى تهذيب للجنس أشد من ذلك التهذيب ؟!
وابتلع " الأمميون " الكأس المسمومة .. وشربوها حتى الثمالة !
ولا شك أن الأمميين ما كانوا ليدركوا أبعاد اللعبة بكاملها .. وإلا فإن البقية الباقية من الدين والأخلاق التقاليد كانت قمينة أن تردهم عن الخوض فى المستنقع الآسن لو رأوه على حقيقته منذ أول خطوة ، مع كل المعركة القائمة ضد الكنيسة ، ومع كل الوهن الذى أصاب الدين فى نفوسهم ، فإن الفكرة ذاتها لتنفر من المستنقع الآسن حين تكون فيها بقية من باقيا السلامة أيا كان مقدارها .. ولكنها لا تعود تنفر منه ، بل تستعذب البقاء فيه إذا غرقت فيه بالفعل وفقدت كل سلامتها ولم يبق لها منها شئ ، وتصبح كدودة الأرض التى تعيش فى الطين العفن ، إذا أمسكت بها لتخرجها أفلتت منك وزادت لصوقا الطين !

البيان
10-18-2007, 07:48 PM
وكلك سار الشياطين بالأمميين ، يجرونهم خطوة خطوة حتى أغرقوهم فى المستنقع الآسن وجلعوهم يستعذبون البقاء فيه !
احتدمت المعركة كثيرا بالنسبة لدخول الفتيات فى الجامعة .. ولكن النهاية كانت كما كان متوقعا منس ير الأحداث .
دخلت فتيات قليلات فى مبدأ الأمر إلى الجامعات معظمهن فى كليات الآداب .. وكن بلا شك هن أجرأ الفتيات فى ذلك الحين .
وسارت الأمور سيرا " طبيعيا " فترة من الوقت ، فما كان من الممكن تحطيم التقاليد دفعة واحدة ، وما كان المخططون أنفسهم يرغبون فى العجلة – مع لهفتهم الأكيدة فى الوصول إلى النتيجة – فقد كانوا يعلمون أن العجلة تفسد اللعبة بأكملها ، وتثير التوجس ، وتصدق ظنون المتشككين ، وتؤيد دعاوى " المتزمتين " الذين قالوا من أول لحظة إن دخول الفتاة الجامعة نذير شر عظيم يحل بالمجتمع .
وكل للفتيات حجرة خاصة من أجل راحتهن وزينتهن وخلوتهن .. وكن يهرعن إليها فيما بين المحاضرات لكى لا ينفردون بالطلاب فى غيبة الأستاذ ، الذى يتم فى حضوره " الاختلاط البرئ " .
ولكن الأمور لم تظل على هذه الصورة ، وليس من شأنها أن تظل .. وكان المخططون يعلمون أنها لن تظل !
رويدا رويدا بدأت " أجرأ " الفتيات تتلكأ فلا تذهب إلى حجرتها فيما بين المحاضرات .. وبدأ أجرأ الفتيان يلقى إليها بتحية .. ثم حديث .. وجاءت ثانية وثالثة .. وصار من المعتاد أن يبقى الفتيات فى الحجرة لا يغادرنها بين الدرس والدرس .. وصار من المعتاد أن تجرى التحية ويجرى الحديث ..
وكان حديثا " بريئا " دون شك ! فمنذا الذى يملك أن يتحدث فى ذلك الحين حديثا غير برئ ؟ وأى فتاة مهما يكن من " جرأتها " تستطيع – فى ذلك الوقت – أن تتلقى حديثا غير برئ وتتقبله أمام الآخرين ؟!
بقية من الحياء ، إن لم يكن هناك دين ولا أخلاق ولا تقاليد !
وهذه البقية من الحياء هى التى عمل الشياطين على قتلها والقضاء عليها ، فما تصلح الخطة كلها إن بقى عند الفتاة شئ من هذا الحياء الفطرى الذى خلقه الله فى الفطرة السليمة سياجا يحمى الفتاة من السقوط والتبذل ، وميز به أنثى الإنسان عن إناث الحيوان " " ، كما جعل لعفة علامة حسية فى جسدها ميزها بها عن إناث الحيوان ، فجعل أخلاق الجنس جزءا لا من التكوين النفسى وحده ، ولكن من التكوين البيولوجى والفسيولوجى كذلك لأنثى الإنسان .
ولكن الجاهلية المعاصرة التى يقودها اليهود ويقودون الناس إليها تأبى هذا التميز الفطرى عن الحيوان ، وساء فى قضية العفة أو فى قضية الحياء .. لأن شعب الله المختار لا يريد أن يبقى على شئ من آدمية الآدميين ، لأنهم حينئذ سيرفضون أن يركبهم الشعب المختار ويسخرهم لمصالحه .. سيرفضون أن يكونوا الحمير التى تركبها الشياطين .
لذلك جردوا حملاتهم على الفتاة لتتلخص مما بقى من حيائها ، وتصبح قليلة الحياء !
قالوا عن الفتاة التى ما تزال تحفظ فى سلوكها إنها حبيسة التقاليد ! حبيسة القيود الطويلة التى غللتها خلال القرون ! إنها ما تزال غير واثقة فى نفسها ، من تأثير السلطان الطويل الذى مارسه الرجل عليها واذل به كرامتها ! إنها خائفة .. لأنها متأثرة بتقاليد المجتمع الزراعى المتأخر ! إنها لا تريد أن تعيش عصرها ، الذى حررها من القيود وجعلها مساوية للرجل .. إنها .. إنها .. أنها .. !
وفى الوقت ذاته جردوا حملات التشجيع لكل فتاة خلعت حياءها وأصبحت قليلة الحياء .. فالمجلات تنشر الصور ، وتشيد " بالتحرر " وتكتب التعليقات التى تجعل كل فتاة تتمنى أن لو استطاعت من لحظتها أن تتجرد من حيائها كله لتصبح شهيرة ومعروفة وموضع حديث بين الناس .. والشهرة شهوة لا ينجو من جذبها أحد من البشر – رجالا أو نساء – إلا من رحم ربك ، وبصفة خاصة شهوة نشر الصورة بوسيلة من وسائل الإعلام .. فكيف إذا كانت الفتاة جميلة ؟ والشياطين يبدأون دائما بالجميلات !
ومع ذلك فقد استغرق الشياطين قرابة نصف قرن حتى أذابوا أو أزالوا البقية الباقية من الحياء ، كما أزالوا البقية الباقية من الدين والأخلاق والتقاليد .
امتد الاختلاط البرئ كما كان متوقعا من حجرة الدرس إلى فناء الجامعة .. على استحياء أول الأمر .. لا تنفرد فيه فتاة وحدها مع فتى بمفرده ، حتى لا تضيع سمعتها بين الفتيات أنفسهن قبل الشبان .. ثم تقدمت " أجرأ " الفتيات ، أى أقلهن حياء فقبلت دعوة أجرأ الشبان إلى الوقوف أو المسير معها لحظة منفردين فى الفناء ولكن فى غير عزلة عن الجموع ، وفى أدب ظاهر للجميع .
وما هى إلا أن يتعود الطلاب المنظر – والنفس تتبلد على المنظر المكرور حتى تفقد حساسيتها له ، ما لم تكن تصدر عن عقيدة حية وإيمان حى بقيم ومثل مضادة – ما هى إلا أن يتعود الطلاب حتى يتكرر المنظر بين أزواج متعددين من أجرأ الفتيات وأجرأ الفتيان ، حتى يصبح الأمر عاديا وميسرا لا يحتاج إلى " جرأة " فيقتحمه كل فتى وتقتحمه كل فتاة !
وحين يصبح الجميع كذلك أو الأغلبية فلابد – فى طبائع الأشياء – أن يخطو الأمر خطوة جديدة إلى " الأمام" !
إنه – لهذا – جعل الله معيار الخيرية فى أية أمة هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ومثار ال***ة على أية أمة ألا يتناهى فيها عن المنكر ولا يؤمر بالمعروف .
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110]
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [سورة المائدة 5/78-79]
لأن المنكر إذا نهى عنه تو حدوثه يتوقف فلا يمتد ولا يتوسع .. أما إذا سكت عنه فإنه يزداد ، ويظل فى ازدياد حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا ، وعندئذ تفسد الحياة ، وتحل ال***ة التى كتبها الله ..
ولقد أصبح من الأمور المعتادة أن ينتحى فتى وفتاة جانبا من الفناء ليتناجيا لا ليتحدثا حديثا عاما بصوت مسموع ! وتبدأ – بطبيعة الحال – قلوب تكون أميل إلى قلوب .. ويكون حديث النجوى هو حديث هذه العواطف التى تتجاوب بها القلوب !
والعواطف – حتى الآن – " بريئة " !
لا لأنها فى طبيعتها بريئة .. ولكن لأنها – حتى الآن – محصورة فى داخل الجامعة لا تستطيع أن تخرج إلى الطريق .. لأن المجتمع لم يتعود بعد أن يرى الاختلاط فى قارعة الطريق ..
لقد كانت هناك طبقة فاسدة – دائما – فى المجتمع هى طبقة " الأرستقراطيين " أصحاب القصور ، وهذه يعرف عنها الاختلاط " غير البرئ " وتنشر فضائحها على المجتمع وتتناقلها أفواه الناس .. وال تبالى ! لأنها – دائما – بتأثير الترف الفاجر الذى تغرق فيه ضعيفة الإحساس بالقيم فى المبادئ ، والقيم الخلقية بصفة خاصة .. وانظر إلى امرأة العزيز فى مجتمع مقرف فى التاريخ .. انظر إليها كيف تصارح نساء طبقتها بالفاحشة ولا تبالى أن يتحدث المجتمع عن " فضيحتها " ..إنما تغضب غضبا " طبقيا " فقط ، لأن ألسنة النسوة تستنكر منها أن تتجه بنزوتها إلى عبد مملوك لها ، وإن كن لا يستنكرن النزوة فى ذاتها ، ولا يعترض عليها لو كانت مع رجل أو شاب من " طبقتها " " " !
{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)} [سورة يوسف 12/30-32]
ولقد كانت هذ الطبقة فى أوروبا تحت تسلط اليهود من قديم كما مر بنا من قبل ، ييسرون لها البغاء المترف فى المدينة ، ويوقعونها فى الدين والربا ذى الأضعاف المضاعفة ، ويسلبون ثرواتهم عن هذا الطريق.
ثم سنحت لهم الفرصة لإفساد طبقة أخرى من طبقات المجتمع حين تحرر عبيد الإقطاع وجاءوا إلى المدينة شبابا فارها بلا أسر ، فيسرت لهم البغاء الشعبى ووضعت " الدولة " حارسة أمينة عليه ! وزادت الفرصة سنوحا لإفساد هذه الطبقة – طبقة العمال – حين بدأت المرأة التى هجرها عائلها فى الريف تفد للعمل فى المصانع وتفرط فى عرضها لقاء لقمة الخبز ، فار الفساد فى داخل الطبقة قريب المنال .
ولكن هذا وذاك لم يكن كافيا ، ولم يكن ليحقق مطامع اليهود فى المجتمع الجديد " المجتمع الصناعى المتطور ".
إن " الأرستقراطية " – سواء الأرستقراطية الإقطاعية البائدة أو الأرستقراطية الرأسمالية الناشئة – لا تستطيع – بفسادها – أن تفسد المجتمع كله ، لأنها – دائما – معزولة فى قصورها وحفلاتها الماجنة الخاصة ، تحتمى فى داخل تلك القصور من العيون المتطلعة ، وتمنع عدواها فى الوقت ذاته عن الناس ، لأن جرثومتها " طبقية ط لا تعمل إلا داخل القصور ، ولا تعدى إلا أصحاب القصور !
أما إفساد طبقة العمال – وإن كانوا عددا غير قليل ويتزايد على الدوام – فلم يكن يومئذ ليفسد المجتمع الجديد ، لأنهم – بعد – طبقة محتقرة مزدراة ، تنظر إليها كلتا الطبقتين العلويتين : الطبقة الوسطى والطبقة الأرستقراطية نظرة ازدراء وتعال فلا تنتقل منها العدوى إلى غيرها مهما بلغت هى فى ذاتها من التبذل والفساد ..
ولقد كان المطلوب بالذات هو إفساد الطبقة الجديدة الناشئة فى المجتمع الرأسمالى ، التى تسير الأمور – ظاهريا – على الأقل – فى ذلك المجتمع الجديد ، وهى الطبقة المتوسطة .
لقد كانت الديمقراطية الناشئة فى المجتمع الرأسمالى الناشئ تنمو تدريجيا ، وكانت فى أثناء نموها تبرز بصورة متزايدة هذه الطبقة الجديدة : الطبقة المتوسطة ،التى لم يكن لها وجود فى المجتمع الإقطاعى ، أو كان وجودها ضعيفا لا يؤبه به .
وفى ظل الديمقراطية كانت هذه الطبقة الجديدة تناضل لكى تصبح هى الطبقة الحاكمة ، وتنزع السلطان من الذين استقلوا به من قبل وطغوا به على " الشعب " وهم الأغنياء أصحاب الأموال " " .
كانت المجالس النيابية تتجه رويدا رويدا أن تكون غالبيتها من هذه الطبقة ، وكان منها معظم موظفى الدولة فى صورتها الجديدة ، من الموظف الناشئ إلى وكلاء الوزارات والوزراء ، وكان منها بصفة عامة الطبقة المثقفة التى توجه أفكار المجتمع وتحدد له اهتماماته واتجاهاته الفكرية والسياسية والخلقية والفنية .. الخ " " ، وكان منها بصفة خاصة مدرسو المدارس وأساتذة الجامعات ، أى جهاز التربية والتشكيل للمجتمع الجديد ..
باختصار كانت هى الأداة الجديدة للحكم فى ظل الديمقراطية الرأسمالية ، أيا كان المستفيد الحقيقى من هذه الأداة .
لذلك كان لابد فى تخطيط المخططين من إفساد هذه الطبقة بالذات ن فإن فساد الطبقة الأرستقراطية وطبقة العمال – مع فائدته التى لا شك فيها بالنسبة لليهود – لم يكن ليؤدى الدور المطلوب فى إفساد المجتمع الجديد الذى يراد إفساده بأكمله ، إلا أن تفسد الطبقة المتوسطة التى تقوم بالدور الأكبر والأخطر فى رسم الصورة الظاهرة لهذا المجتمع ، والتى فى يدها – فى ظاهر الأمر على الأقل – مقاليد السلطان .
والجامعة هى المكان الرئيسى لتخريج الكثير من أفراد هذه الطبقة ، أو البارزين منهم على أقل تقدير . لذلك كانا لتركيز على أن يبدأ الفساد من هناك .. ومن هناك ينتشر فى جميع الأرجاء .
  

كان الاختلاط " البرئ " ما يزال يجرى داخل أسوار الجامعة ، ولكنه كان يحمل فى أطوائه الجرثومة التى تقضى فى النهاية على براءته ، فقد بدأت " العلاقات الخاصة " تنمو بين أزواج من الفتيان والفتيات كما لابد أن يكون ..وبدأت هذه العلاقة الخاصة تضيق بالانحصار داخل الأسوار ، التى تفرض البراءة المصطنعة على وضع هو بطبيعته غير برئ .
وكان لابد أن " يتفجر " الوضع ويخرج إلى الطريق ..
وأخذ المجتمع يتعود أن يرى أزواجا من البنين والبنات يخرجون من بناء الجامعة مصطحبين ، فى أدب ظاهر أول الأمر ، ثم يخف الأدب ويقل الحياء بالتدريج .. وأيا كان رأى ذلك المجتمع فى هذه البدعة الجدية فإنه سرعان ما تبلد حسه عليها فلم تعد تثير انتباهه ، إلا أن يرى حركة مستهجنة (أى كانت فى ذلك الوقت مستهجنة) كضحكة أو لفتة أو نظرة أو لمسة مما كان – يومئذ – أمرا غير لائق فى الطريق ! ولكنه عاد فتبلد حسه حتى على الحركات التى كان يستهجنها منق بل ، وعزاها – ببساطة – إلى أن هذا الجيل الجديد جيل فاسد لا يرجى منه خير ، وألقى القضية من حسه ، وتركها لتصبح أمرا واقعا فى المجتمع " الجديد " !
وملأت " الصدقات " المجتمع .. الصداقات بين الفتيان والفتيات صداقات بريئة – هل فى ذلك شك ؟!
زميل وزميلة .. أحس كل منهما بالميل إلى الآخر والراحة إليه ..
ويلكم أيها المتزمتون ! أليس لكم هم إلا الاعتراض على الأمور التى لا تستوجب الاعتراض ؟! ألا تريدون أن يبنى البيت السعيد على المودة والحب ؟ هذا فتى وفتاة سيجمع بينهما الزواج السعيد عما قريب ! أليس من الأفضل أن يتعارفا لتدوم المودة ؟ أم تريدون أن يؤتى له بفتاة لم يرها قط إلا ليلة الزفاف ، رأتها أمه أو أخته ، فأعجبتها ، أما هو فلا يعرف شيئا عن شكلها ولا طبعها ولا ثقافتها ولا نظرتها للأمور ؟!
وهى ؟ أليس من حقها أن تعرف شريك حياتها وتشارك فى اختياره ؟ أليس من الظلم أن تباع بيعا إلى رجل لا تعرفه قبل اللحظة ، لأنه أعجب أباها أة أخاها ، أو كان صاحب مال وجاه ، وقد يكون فظا قاسيا لا قلب له ؟ أليس من الأفضل أن تتعرف إليه عن طريق الصداقة ..الصداقة البريئة .. التى تكشف عن الطبائع وتؤلف الطباع ؟!
  

ثم بدأت " البراءة " تذهب رويدا رويدا عن الاختلاط .
بدأت تقع حوادث مشينة .. أى كان ينظر إليها فى ذلك الحين على أنها مشينة !
وانبرى المدافعون يدافعون عن الاختلاط . إنه ليس هو السبب فيما حدث ! إنما هى التجربة الجديدة لابد أن يكون لها ضحايا ! إنها تجربة " التحرر " ..تحرر الفتى والفتاة كليهما من القيود العتيقة والتقاليد البالية .. والفتاة بصفة أخص ، فقد كانت هى التى يقع عليها عبء هذه التقاليد البالية .. فإذا وقعت هنا أو هناك حادثة مشينة فذلك رد الفعل للكبت الطويل الذى كان الشباب يعيش فيه ، وللقيود الظالمة التى كانت تعيش فيها الفتاة بصفة خاصة ، فلا ترفعوا عقيرتكم أيها المتزمتون تستغلون هذه الحوادث الفردية وتضخمونها فوق حقيقتها ! إنها نزوات طارئة ، وسرعان ما تهدأ الأمور وتستقيم حين يصبح الاختلاط شيئا عاديا فى المجتمع ، وتزول آثار الكبت الماضية ، وآثار التقاليد البالية التى سجنت الفتاة طويلا داخل الجدران ، وجعلت التجربة الجديدة – تجربة التحرر – تبهرها فتزل من أجل ذلك بعض الأقدام ! لابد أن نرعى التجربة الجديدة ، ونوجهها بالحسنى إلى الطريق القويم ، بدلا من هذا الصياح الفارغ الذى يتصايح به المتزمتون !
ويمضى الزمن فى طريقه فتتكاثر الحوادث المشينة ، ويخفت صوت المدافعين عن الاختلاط البرئ ، فقد فقد براءته ولم يعد من المقبول ادعاؤها ولا من الممكن تصديقها !
ولكن .. فلتذهب تلك البراءة إلى غير رجعة ! هل كنا نريدها حقيقة أو ندافع عنها مخلصين ! إنما كانت هى الطعم المزيف الذى وضعناه ليأتى الصيد .. وقد جاء .. فما حاجتنا بعد للتزييف " " ؟!
ولكن " تطورات" كثيرة كانت تحدث فى تلك الأثناء .. كانت ألسنة اللهب تمد مدا لتحرق أشياء جديدة فى مجالات جديدة ..
طالبت المرأة – أو طولب لها – بحق العمل بعد حق التعليم .
وله كان فى ذلك شك لمن يرقب سير الأمور ؟
هذه هى الفتاة قد تعلمت على خط الرجل تماما من الألف إلى الياء .. من التعليم الابتدائى حتى الجامعة .. و" أثبتت جدارتها " فى كل مرحلة من هذه المراحل ، بل تفوقت على الرجل فى كثير من الأحيان .. فلماذا لا تعمل كما يعمل ؟! ما الذى يمنع ؟!
الدين ؟ الأخلاق ؟ التقاليد ؟!
لقد رفع " الرج " هذه الشعارات كلها فى وجه المرأة ليصدها عن السير فى هذا الطريق ..
وقال المدافعون كما قالوا كل مرة : إن الرجل يخشى على مكانته التقليدية وتميزه التقليدى ، ويخشى منافسة المرأة له فى ميدانه الوحيد المتبقى له بعد أن تخلى عن تفرده فى جميع الميادين بفعل الكفاح " المر " الذى خاضته المرأة لنيل حقوقها .. وسيتخلى عن هذا الميدان كذلك رضى أم أبى .. لأن خطى " التطور الحتمى " ستجبره فى النهاية على التسليم .
ولكن الرجل لم يتنازل عن تفرده فى هذا المجال بسهولة ، وظل يرفع تلك الشعارات يحاول بها أن يصد المرأة عن اللحاق به فى هذا الميدان ..
هل كان يؤمن حقيقة بالدين والأخلاق والتقاليد ؟
كلا ! إنما هو مجرد سلاح يستخدمه فى المعركة حين يظن أنه سلاح مفيد !
ولكن الشياطين دخلوا مرة أخرى يستغلون الفرصة السانحة أقصى ما يستطيعون من استغلال .
دخلوا ليثيروا فى قلب المرأة حقدا جارفا على الدين والأخلاق والتقاليد .. على أساسا أن كل ما تطالب به المرأة هو حقوقها المشروعة ، وأن الذى يقف فى سبيل نيلها لهذه الحقوق هو هؤلاء الأعداء الثلاثة : الدين والأخلاق والتقاليد .. فلتذهب جميعها إذن إلى غير رجعة ، لتنال المرأة حقوقها وتستريح.
واكن هذا لأمر يراد ..
كان يراد إحراج صدرها ضد الدين والأخلاق والتقاليد لتنسلخ هى منها أولا ، ثم لا تربى أبناءها عليها فيما بعد ، لأن ذلك هو الضمان الوحيد لإفساد المجتمع فسادا لا رجعة فيه !
لقد جرب المخططون من قبل محاولة إفساد المجتمع عن طريق إفساد الرجل وحده فلم تنجح التجربة بالصورة المطلوبة .. إن الشاب مهما فسد فى فترة شبابه فإنه يعود إلى ما لقنته له أمه فى طفولته من مبادئ الدين والأخلاق والتقاليد ، حتى إذا أخذ يؤسس أسرة أسسها على تلك القيم التى تلقاها من قبل ، ولم تفلح الفترة التى انفلت فيها فى شبابه فى تحويله إلى المسار الجديد ..
وعندئذ أدركوا أنه لابد من إفساد الأم ذاتها لكى لا تلقن أطفالها تلك " المبادئ " التى تعرقل خطوات الشياطين .. وساروا بها تلك المسيرة الطويلة فى طريق الفساد ، ولكن الحواجز – أو بقايا الحواجز – ما تزال تمنعها أو تبطئ خطواتها على الطريق .. فلتكن المعركة إذن حامية بين المرأة وبين الدين والأخلاق والتقاليد ، لكى تحطمها بنفسها ، ولكى تكون فى مناعة كاملة منها حين تصبح أما ذات أطفال .. فلا تبذر فى نفوسهم تلك البذور السامة التى يكرهها شعب الله المختار ن أشد ما يكره من شئ على الإطلاق !
لقد كانت مسألة إقحام المرأة فى ميدان العمل جزءا رئيسيا من الخطة الشريرة .
فإخراجها من البيت لتتعلم ، وإشاعة الاختلاط والصداقات بين فتيان الجامعة وفتياتها ، وتعويد المجتمع على قدر من الفساد الخلقى ، وتحطيم التقاليد التى كانت تمنع ذلك كله .. كل ذلك مفيد ولا شك ، ولكنه ليس كفاية !
ما زالت المرأة – بقدر ما – خاضعة للرجل فى الأسرة والمجتمع ، وما زال هذا القدر من الخضوع – على ضآلته بالنسبة لما كان من قبل – عائقا يعوق المرأة عن مزيد من الفساد ن لأن الرجل – بأنانيته كما يقولون ، أو بشئ من التعقل والتفكير وعدم الاندفاع – يعارض فى توسيع مجالات المرأة ، ويريد أن يربطها بوظيفتها وببيتها وأولادها ، ولك كله يعوق خطوات الشياطين .
لذلك كان لابد من إخراج المرأة نهائيا من سيطرة الرجل ، ليتم للمخططين كل ما يريدون .
وهل من وسيلة لكسر هذه السيطرة أفعل من أن تعمل المرأة و" تستقل " اقتصاديا عن الرجل ؟
لقد عملت المرأة من قبل فى المصانع ، ولكن الطبقة العاملة كما قلنا لم يكن لها وزن فى توجيه المجتمع .. والفساد الخلقى فى هذه الطبقة – رغم فائدته الجزئية للمخططين – لا يكفى وحده ولا يؤتى الثمرة المطلوبة ، إنما لابد كما أسلفنا من إفساد الطبقة الوسطى ، أداة التوجيه الجديدة فى المجتمع الجديد .
ولم يقل المخططون للأمميين بطبيعة الحال إنهم يريدون أن يثيروا الخبال فى صفوفهم – بتشغيل المرأة المتعلمة وإبعادها عن بيتها وعن وظيفتها – وما كان من الممكن أن يكشفوا لهم عن لبتهم ليوقظوهم من غفلتهم ، إنما قالوا لهم إنه " التطور " ! وإنه تطور " حتمى " ! وإنه لابد أن يأخذ سبيله رضيه الناس أم أبوه ! أما المرأة فقد قالوا لها إن هذا حقها " الطبيعى " وإنها ينبغى أن تتشبث به ولا تتنازل عنه ولا تتخاذل فى الكفاح من أجله .
وأغريت المرأة بكل وسائل الإغراء لكى تهجر بيتها وتخرج إلى " المجتمع " !
قيل لها إن حبسها على وظيفة الزوجية والأمومة ورعاية النشء هو امتهان لها وإهدار لكرامتها وتعطيل لطاقتها ، وهو فى الوقت نفسه تعطيل للمجتمع عن التقدم ، فما يستطيع المجتمع أن يتقدم ونصفه حبيس وراء الجدران !
وقيل لها إن الرجل هو الذى حبسها على هذه الوظائف أنانية منه ، لتقوم على خدمته ، ولينفرد هو بأمور "المجتمع " ! وإنها منذ هذه اللحظة ينبغى أن تثور على هذا الوضع المهين ، وتقف الرجل عند حده ، وتفرض عليه احترامها ، وتفرض عليه المشاركة فى أمور المجتمع .ز وإن الوسيلة لهذا كله هو أن تعمل ، فإنها حين تعمل تصبح مثله تماما فى كل شئ ، فيتنازل عن أنانيته وغطرسته ويحترمها !
ولما قيل إن الدين – لا الرجل – هو الذى خصص للمرأة هذه الوظائف ثارت ثائرتها على الدين ، وتمنت فى قرارة نفسها أن يزول سلطانه على النفوس ، لتتحر هى وتأخذ مكانتها التى تصبو إليها ..و بذلك جندها الشياطين لمحاربة الدين ، تحاربه لحسابها الخاص ، فتحاربه بحماسة ، وتحاربه بإخلاص ! يتحقق للشياطين ما يريدون من إبعاد " الأم " عن الدين ، لضمان تنشئة الأجيال المقبلة بعيدا عن حماه ..
وفعلت اللعبة الخبيثة فعلها ، وسرت كالسم فى دماء الأمميين .
استقلت المرأة اقتصاديا وتمردت على قوامة الرجل ، كما تمردت على الدين والأخلاق والتقاليد .. وانفلتت – كما أريد لها – بلا ضوابط ولا قيود .
وسارع الشياطين إلى انتهاز الفرصة المتاحة من كل جوانبها .
فالآن فلتنشط بيوت الأزياء وبيوت الزينة ، بعد أن انحلت العقدة الكبرى التى كانت تبطئ خطى الفساد " "
ولقد كانت الملابس من قبل طويلة وساترة إلى حد ما – برغم ما فيها من زينة – لا تبرز " مفاتن " المرأة بشكل مفضوح . فالآن وقد سنحت الفرصة فلتنشط بيوت الأزياء فى إخراج " المودات " اتى تكشف رويدا رويدا عن هذه " المفاتن " ، ولتنشط معها الصحافة لنشر الأمر على أوسع نطاق .
فلتكن هناك مجلات خاصة بالمرأة ، وركن خاص بالمرأة فى الصحف والمجلات غير المتخصصة ،وليكن حديثها عن " المودة " مغريا إلى الحد الذى لا تفلح الضوابط فى مقاومة إغرائه ، خاصة وقد انحلت عقدة الحياء .
ولا شك أن الأحاديث الأولى كانت مهذبة جدا ومتحفظة جدا حتى لا تثير ثائرة المتزمتين من الرجال .. ماذا لو قلنا مثلا : كيف تحافظين على محبة زوجك ؟ كيف تبدين أنيقة فى نظر زوجك ؟ وأرفقنا بالرسوم التى تبعث على الفتنة مجموعة من النصائح للمرأة المتزوجة لكى تحافظ على أناقتها ورشاقتها حتى تحتفظ بحب زوجها ولا تجعله يشرد عنها ؟ وهل يكره الرجل أن تتجمل زوجته من أجله ؟!
ثم .. فلنحذ لفظ الزوج .. فهو لفظ ثقيل استخدمناه لتغطية فقط فى مبدإ الأمر .. وما نريد أن يكون ل نصيب أصلا فى هذا المجال .. ثم إنه لم يعد اليوم هو المسيطر .. لقد استقلت المرأة اقتصاديا .. وتستطيع – من سكبها الخاص – أن تنفق ما تنفق على اللباس والزينة ، ولا أحد يحرج عليها ، ولا أحد يتحكم – بماله – فى تصرفاتها !
فلنقل فقط : كيف تحافظين على أناقتك .. كيف تبدين جميلة ..ز ولينظر إليها من ينظر ! زوجها أو غير زوجها ! إنها سائرة بأناقتها ورشاقتها فى الطريق ، ومن شاء فلينظر ومن شاء فليعرض .. إننا نحث فقط على الأناقة والجمال !
ثم فلنكن أكثر صراحة ..
فلنقل : كيف تجذبين نظر " الرجل " ى رجل ! نعم ! وماذا فيها ؟
ألا ينبغى أن " ينجذب " نظر الرجل ليختار من بين العابرات الرشيقات المتأنقات واحدة ربما تكون شريكة حياته ؟!
ثم .. فلنكن أكثر صراحة .. فنحن الآن فى وضع يمكننا من أن نقول كل ما نريد .. وبغير ستار ..
فلنقل : صراحة – هاذ فستان يكشف جمال الساق .. وهذا فستان يكف مفاتن الصدر " " وليمت بغيظه كمدا من أراد أن يموت من الرجعيين المتزمتين الذين يريدون أن يرجعوا عقارب الساعة إلى الوراء !
وخرجت المرأة فتنة هائجة فى الطريق ! كأن مهمتها الأولى هى أن تبرز مفاتنها لكل عين منهومة فى الطريق!
واتسع نطاق " الصداقات " فى المجتمع ، فلم يعد مقصورا على طلاب الجامعة وطالباتها كما كان فى أول الأمر ، فإنما كانت هذه مجرد خطوة على الطريق .. أما اليوم وقد استقلت المرأة اقتصاديا فأى حاجز بقى ؟!
قيل فى البدء إن الصداقة هى مقدمة الزواج .. وإنها ينبغى أن تباح – بصرف النظر عن براءتها أو عدم براءتها – لضمان قيام الزوجية على أسس ركينة فلا تتزعزع فيما بعد !
ثم انجلت الحقيقة عن أنه لا زواج ! فلا الزواج فى نية الفتى العابث ولا فى نية الفتاة !
الصداقة من أجل الصداقة لا من أجل الزواج .. من أجل المتعة .. من أجل قضاء " وقت يطب " فى هذه الحياة !
إن المخططين لا يريدون أن يكون الزواج هو الذى يحكم علاقة الرجل والمرأة ، أو – على الأقل – لا يريدون أن يكون الزواج هو الصورة الوحيدة لهذه العلاقة إن لم يستطيعوا – الآن – ان يقضوا قضاء مبرما على الزواج .
ألم تسمع إلى قول دوركايم : كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة هى أشياء من الفطرة .. ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية فى الإنسان ! لقد كان " العالم الكبير " يقوم بدوره – على طريقته – فى تحطيم الزواج والأسرة ، والآن تقوم العصابة الأخرى – على طريقتها – بذات الدور.
ينبغى أن تحل " الصداقة " محل الزواج ، وليتم فيها كل ما يتم فى الزواج ولكن دون رباط مقدس ولا أسرة ولا أولاد !
تحتجون أيها المتزمتون ؟!
أما قرأتم فرويد ؟ أما قرأتم ما قاله عن الكبت ؟
أتريدون أن تتلفوا أعصاب الشباب وتصيبوه بالعقد النفسية والاضطرابات العصبية ؟
أو .. قولوا لنا ماذا يفعل الشباب بطاقته الجنسية الفوارة ؟
يتزوج ؟ قولوا لنا كيف يتزوج ؟ تعالوا معنا نناقش الواقع ؟ كم سنة يقضى الشاب فى التعليم حتى يتخرج من الجامعة ؟ وحين يتخرج كم يكون راتبه ؟
أيكفى هذا الراتب الهزيل لتكوين أسرة والإنفاق عليها ؟ إن أمامه على الأقل عشر سنوات حتى يصبح راتبه كافيا – مع ارتفاع تكاليف المعيشة – للزواج وتكوين الأسرة .. فماذا يفعل فى تلك الأثناء ؟ تريدون أن تحرقوا أعصابه أيها الرجعيون باسم الدين والأخلاق والتقاليد ؟!
  

يقول " ول ديورانت " الفيلسوف الأمريكى فى كتابه " مباهج الفلسفة " " ص 126 – 127 من الترجمة العربية " .
" فحياة المدينة تفضى إلى كل مثبط عن الزواج ، فى الوقت الذى تقدم فيه إلى الناس كل باعث عل الصلة الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها . ولكن النمو الجنسى يتم مبكرا عما كان من قبل ، كما يتأخر النمو الاقتصادى . فإذا كان قمع الرغبة شيئا عمليا ومعقولا فى ظل النظام الاقتصادى الزراعى فإنه الآن يبدو أمرا عسيرا وغير طبيعى فى حضارة صناعية أجلت الزواج حتى بالنسبة للرجال حتى لقد يصل إلى سن الثلاثين ،و لا مفر من أن يأخذ الجسم فى الثورة ، وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان فى الزمن القديم ، وتصبح العفة التى كانت فضيلة موضعا للسخرية ، ويختفى الحياء الذى كان يضفى على الجمال جمالا ، ويفاخر الرجال بتعداد خطاياهم ، وتطالب النساء بحقها فى مغامرات غير محدودة على قدم المساواة مع الرجال ، ويصبح الاتصال قبل الزواج أمرا مألوفا ، وتختفى البغايا من الشوارع بمنفسة الهاويات لا برقابة البوليس . لقد تمزقت أوصال القانون الأخلاقى الزراعى ، ولم يعد العالم المدنى يحكم به " " .
ولا يناقش " ول ديورانت " تلك الأسباب التى قال إنها تعطل الشباب عن الزواج الباكر ، إنما يأخذها أمرا واقعا وقضية مسلمة وينظر إلى آثارها كذلك على أنها أمر واقع لا حيلة فيه أكثر من كلمة أسى عابرة يقولها ويدعها تمضى تصيب من تصيب !
ولكن ! أهى حقا كذلك ؟ أهى أمر لا مفر منه ؟
من الذى وضع العوائق فى طريق الزواج ، ثم وضع الصداقة (أو البغاء !) بديلا من الزواج ، ثم زعم أنه تطور حتمى جاء به الطور الاقتصادى الجديد ؟!
إنهم – كلهم – يهود !
ثم سمموا أفكار الأمميين ، فأصبحوا يرددون وراءهم ما يقولون !
لو بقيت الأسرة الكبيرة على ترابطها وظل الأب ينفق على أولاده حتى يتكسبوا (وهم ينفقون عليه فى كبرته إذا احتاج) وظلت أسعار الحاجيات فى النطاق المعقول ، وجعلت رواتب الخريجين بحيث تكفى لتكوين أسرة أو أعطى الراغبون فى الزواج منحة تمكنهم من إنشاء الأسرة فأى حتمية كانت تقف فى طريق ذلك كله وتمنع تنفيذه ؟
كلا ! إن القضية كلها أن الشياطين لا يريدون ! لا يريدون أن يظل للأمميين دين ولا أخلاق ولا أسرة ولا زواج ، لأن هذه كلها " عوائق " تمنع دوران العجلة الشريرة التى تنشر الفساد !
لذلك أنشأوا الواقع على هذه الصورة وزعموا أنه التطور الحتمى . وأن عجلته ستسحق كل من يقف فى الطريق !
ودارت العجلة دورتها فأحدثت كثيرا من الشر .
ولندع ول ديورانت نفسه يصف جانبا من هذا الشر ، كما وجده فى بلاده فى أوائل القرن ، وكما تخيل نتائجه المقبلة . وإن كان الواقع الذى حدث بالفعل أفظع بكثير مما تخيله فى ذلك الحين :
" ولسنا ندرى مقدار الشر الاجتماعى الذى يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسؤولا عنه . ولا فى أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة فى التعدد لم تهذب ، لأن الطبيعة لم تهيئنا للاقتصار على زوجة واحدة . ويرجع بعضها الآخر إلى ولاء المتزوجين الذين يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة على الملال الذى يحسونه فى حصار قلعة مستسلمة . وكلن معظم هذا الشر يرجع فى أكبر الظن فى عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعى لحياة الزوجية . وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو فى الغالب ثمرة التعود قبله . وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية فى هذه الصناعة المزدهرة ، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه فى عالم خلقه الإنسان . وهذا هو الرأى الشائع لمعظم المفكرين فى الوقت الحاضر . غير أنه من المخجل أن نرضى فى سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية وهى تعرض علينا فى المسارح وكتب الأدب المكشوف ، تلك التى تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية فى الرجال والنساء المحرومين – وهم فى حقى الفوضى الصناعية – من حمى الزواج ورعايته لصحة .
" ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة . لأن كل رجل حين يؤجل الزواج يصحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن فى ابتذال ظاهر . ويجد الرجل لإرضاء غرائزه الخاصة فى هذه الفترة من التأجيل نظاما دوليا مجهزا بأحدث التحسينات ومنظما بأسمى ضروب الإدارة العلمية .. ويبدو أن العالم قد ابتدع كل طريقه يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها " ..
" وأكبر الظن أن هذا التجدد فى الإقبال على اللذة ، قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم دارون على المعتقدات الدينية . وحين اكتشف الشبان والفتيات – وقد أكسبهم المال جرأة – أن الدين يشهر بملاذهم التمسوا فى العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين . وأدى التزمت فى حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعل فى الأدب وعلم النفس صور الجنس مرادفا للحياة . وقد كان علماء اللاهوت قديما يتجادلون فى مسألة لمس يد الفتاة أيكون ذنبا ؟ أما الآن فلنا أن ندهش ونقول : أليس من الإجرام أن نرى تلك اليد ولا نقبلها ؟ لقد فقد الناس الإيمان وأخذوا يتجهون نحو الفرار من الحذر القديم إلى التجربة الطائشة " ..
" وكانت الحرب العظمى الأولى آخر عامل فى هذا التغيير . ذلك أن تلك الحرب قوضت تقاليد التعاون والسلام المتكونين فى ظل الصناعة والتجارة ، وعودت الجنود الوحشية والإباحية ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم فكانوا بؤرة للفساد الخلقى . وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمة الحياة بكثرة ما أطاحت من رؤوس ، ومهدت إلى ظهور العصابات والجرائم القائمة على الاضطرابات النفسية ، وحطمت الإيمان با***اية الإلهية ، وانتزعت من الضمير سند العقيدة الدينية . وبعد انتهاء معركة الخير والشر بما فيها من مثالية ووحدة ، ظهر جيل مخدوع وألقى بنفسه فى أحضان الاستهتار والفردية والانحلال الخلقى . وأصبحت الحكومات فى واد والشعب فى واد آخر ، واستأنفت الطبقات الصراع فيما بينها . واستهدفت الصناعات الربح بصرف النظر عن الصالح العام ، وتجنب الرجال الزواج خشية مسؤوليته ، وانتهى الأمر بالنساء إلى عبودية خاملة أو إلى طفيليات فاسدة . ورأى الشباب نفسه وقد منح حريات جديدة تحميه الاختراعات من نتائج المغامرات النسائية فى الماضى " " وتحوطه من كل جانب ملايين المؤثرات الجنسية فى الفن والحياة " ..
" لما كان اليوم هو عصر الآلة ، فلابد أن يتغير كل شئ . فقد قل أمن الفرد فى الوقت الذى نما فيه الأمن الاجتماعى . وإذا كانت الحياة الجسمانية أعظم أمنا مما كانت فالحياة الاقتصادية مثقلة بألف مشكلة معقدة مما جعل الخطر جاثما كل لحظة . أما الشباب الذى أصبح أكثر إقداما واشد غرورا من قبل فهو عاجز ماديا وجاهل اقتصاديا إلى حد لم يسبق له مثيل . ويقبل الحب فلا يجرؤ الشاب على الزواج وجيبه صفر من المال . ثم يطرق الحب مرة أخرى باب القلب أكثر ضعفا (وقد مرت السنوات) ومع ذلك لم تمتلئ الجيوب بما يكفى للزواج . ثم يقبل الحب مرة أخرى أضعف حيوية وقوة عما كان من قبل (وقد مرت سنوات) فيجد الجيوب عامرة فيحتفل الزواج بموت الحب "
" حتى إذا سئمت فتاة المدينة الانتظار اندفعت بما م يسبق له مثيل فى تيار المغامرات الواهية . فهى واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والتسلية وهدايا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا فى نظير الاستمتاع بالمباهج الجنسية . وقد ترجع حرية سلوكها فى بعض الأحيان إلى انعكاس حريتها الاقتصادية . فلم تعد تعتمد على الرجل فى معاشها ، وقد لا يقبل الرجل على الزواج من امرأة برعت مثله فى فنون الحب ، فقدرتها على سكب دخل حسن هو الذى جعل الزوج المنتظر مترددا ، إذ كيف يمكن أن يكفى أجره المتواضع للإنفاق عليهما معا فى مستواهما الحاضر من المعيشة ؟
" وأخيرا تجد الرفيق الذى يطلب يدها للزواج ، ويعقد عليها لا فى كنيسة ، لنهما من أحرار الفكر الذين ألحدوا عن الدين ، ولم يعد للقانون الخلقى الذى ظل جاثما على إيمانهما المهجور أثر فى قلبيهما ، إنهما يتزوجان فى قبو المكتب البلدى (الذى يفوح منه عبير السياسة) ويستمعان إلى تعاويذ العمدة . إنهما لا يرتبطان بكلمة الشرق ، بل بعقد من المصلحة ن لهما الحرية فى أى وقت فى التحلل منه . فلا مراسيم مهيبة ، ولا خطبة عظيمة ، ولا موسيقى رائعة ، ولا عمق ولا نشوة فى الانفعال تحيل ألفاظ وعودهم إلى ذكريات لا تمحى من صفحة الذهن . ثم يقبل أحدهما صاحبه ضاحكا ، ويتوجهان إلى البيت فى صخب .
" إنه ليس بيتا ! فليس ثمة كوخ ينتظر الترحيب بهما أنشئ وسط الحشائش النضرة والأشجار الظليلة ، ولا حديقة تنبت لهما الزهور والخضراوات التى يشعران بأنها أبهى وأحلى لأنها من زرع أيديهما . بل يجب أن يخفيا أنفسهما خجلا كأنهما فى زنزانة سجن فى حجرات ضيقة لا يمكن أن تستبقيهما فيها طويل ، ولا يعنيان بتحسينها وتزيينها بما يعبر عن شخصيتهما . ليس هذا المسكن شيئا روحيا كالبيت الذى يتخذ مظهرا ويكسب روحا قبل ذلك بعشرين عاما (لكتاب مكتوب سنة 1929) بل مجرد شئ مادى فيه من الجفاف والبرودة ما تجده فى مارستان . فهو يقوم وسط الضوضاء والحجارة والحديد حيثل ا ينفذ إليه ربيع ، ولا ينبت لهما الصيف الزرع النضر بل سيلا من المطر .. ولا يريان مع ورود الخريف قوس قزح فى السماء أو أى ألوان على أوراق الشجر بل المتاعب والذكريات الحزينة .
" وتصاب المرأة بخيبة أمل ، فهى لا تجد فى هذا البيت شيئا يجعل جدرانه تحتمل فى الليل والنهار ، ول تلبث غلا قليلا حتى تهجره فى كل مناسبة ولا تعود إليه إلا قبل مطلع الفجر .. ويخيب أمل الرجل ، فهو لا يستطيع أن يتجول فى أنحاء هذا البيت يعزى شعوره ببنائه وغلاحه ما تصاب به أصابعه من دق المطارق .. ويكتشف بعد قليل أن هذه الحجرات تشبه تمام الشبه تلك التى كان يعيش فيها وهو أعزب ،وأن علاقاته مع زوجته تشبه شبها عاديا تلك العلاقات غير البريئة التى كان يعقدها مع المستهترات من النساء . فلا جديد فى هذا البيت ، ولي فيه ما ينمو ، ولا يمزق سكون الليل صوت الرضيع ولا يملأ مرح الأطفال لانهار بهجة ولا أذرع بضة تستقبل الزوج عند عودته من العمل وتخفف عنه وطأته . إذ أين يمكن أن يلعب الطفل ؟ وكيف يمكن للزوجين تخصيص حجرة أخرى للأطفال وتوفير ا***اية بهم وتعليمهم سنين طويلة فى المدينة ؟ والفطنة فيما يظنان أفضل جوانب الحب .. فيعنزمان منع السنل .. إلى أن يقع بينهما الطلاق !
" ولما كان زواجهما ليس زواجا بالمعنى الصحيح لأنه صلة جنسة لا رباط أبوة فإنه يفسد لفقدانه الأساس الذى يقوم عليه ، ومقومات الحياة . يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع . وينكمش الزوجان فى نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان ، وتنتهى الغيرية الموجودة فى الحب إلى فردية يبعثها ضغط حياة المساخر ، وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية فى التنويع ، حين تؤدى ألفة إلى الاستخفاف ، فليس عند المرأة جديد تبذله أكثر مما بذلته ..
" ولندع غيرنا من الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجرابنا . أكبر الظن أنها لم تكون شيئا نرغب فيه أو نريده .. فنحن غارقون فى تيار من الغيير ، سيحملنا لاريب إلى نهائيات محتومة لا يحلة لنا فى اختيارها . وأى شئ قد يحدث مع هذا ، الفيضان الجارف من العادات والتقاليد والنظم . فالآن وقد أخذ البيت فى مدننا الكبرى فىالاختفاء فقد فقد الزواج القاصر على واحدة جاذببيته الهامة . ولا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر حيث لا يكون النسل مقصودا ، وسيزداد الزواج الحر ، مباحا كان أم غير مباح . ومع أن حريتهما إلى جانب الرجل أميل فسوف تعتبر المرأة هذا الزواج أقل شرا من عزلة عقيمة تقضيها فى أيام لا يغازلها أحد . سنهار " المستوى المزدوج " وستحث المرأة الرجل بعد تقليده فى كل شئ على التجربة قبل الزواج . سينمو الطلاق ، وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحطمة ثم يصاغ نظام الزواج بأسره فى صور جديدة أكثر سماحة ، وعندما يتم تصنيع المرأة ، ويصبح ضبط الحمل سرا شائعا فى كل طبقة يضحى الحمل أمرا عارضا فى حياة المرأة ، أو تحل نظم الدولة الخاصة بتربية الأطفال محل عناية البيت .ز وهذا كل شئ ! " " " .
إن إخراج المرأة من البيت ودفعها إلى العمل فى الخارج – أيا كانت الدوافع الت أدت إليه وايا كانت النوايا الكامنة وراءئ ذلك –قد أحدث دمارا عنيفا فى المجتمع ، لا يمكن الإحاطة بكل أبعاده ، لأنه ما زال يلد شرورا جديدة حتى هذه اللحظة .
إن تخصيص المرأة للبيت لوظيفة الأمومة ورعاية النشء لم يكن ظلما للمرأة ، ولا تحقيرا لها ، ولكن الجاهلية هى التى جعلته كذلك حين عيرت المرأة بأنها تحمل وتلد ولا تصنع غير ذلك !
والجاهلية – دائما – تظلم المرأة وتقسو عليها وتهينها وتعيرها ، ولا ينقذها من ذلك شئ إلا شرع الله ومنهجه المنزل لإصلاح البشرية وغقامة العدل فى الأرض .
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد 57/25]
كل جاهلية من جاهليات التاريخ عيرت المرأة بوظيفتها ، وجعلتها تشه=عر أنها دون الرجل من أجل هذه الوظيفة .. بينما يقول الوحى المنزل من عند اله :
{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)} [سورة لقمان 31/14]
فالوصية هى بالوالدين كليهما ، لكن التكريم الأكبر هو للأم الت حملته وهنا على هن .
ويسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أولى الناس بحسن صحابتى قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال ثم من ؟ قال أمك : قال ثم من ؟ قال : ثم ابوك ! " " والحديث واضح الدلالة على تكريم الأم ووظيفة اأمومة .
أما وهى زوجة فهذا هو المنهج الربانى :
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)} [سورة النساء 4/19]
ويقول رسول الله صلى الله عيه وسلم : خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى " " .
فالمنهج الربانى الذى خصص المرأة لوظيفتها لم يعيرها بها ويجعلها مهينة منأجلها ن بل كرمها من أجل تلك الوظيفة وأكرمها وهى تقوم بها ، وقال لها إن قيامها بهذه الوظيفة هو سبيلها إلى رضوان الله والجنة ، كما أن القتال فى سبيل الله هو طريق الرجل إلى رضوان الله والجنة ، فجعل هذه مكافئة لتلك ، لأن الله يعلم سبحانه أن هذا هو الميزان الصحيح الذى يقيم الحياة البشرية بالقسط ، ويعلم خطورة الدور الذى تقوم به المرأة فى رعاية البيت وتنشئة النشء ويعلم كذلك مدى الفساد الذى يمكن أن ينشأ حين تهجر المرأة وظيفتها من أجل أى شئ آخر فى هذا الوجود ، فضلا عن أن يكون هذا الشئ هو مجرد اللهو والعبث والفساد الخلقى !
ولكن الجاهلية التى يسيطر عليها اليهود ويوجهونها قد ضربت بالمنهج الربانى عرض الحائط .. واتبعت وحى الشياطين ، فأى أصابها حين فعلت ذلك وأى خبال ؟!
فأما لافساد الخلقى فحدث عنه ولا حرج !
لقد ظل الرجل – " يكافح " ضد " حقوق المرأة " ردحا من الزمن غير قليل ويعارض – بالذات – مزاحمتها له فى ميدان العمل . ولكنه أخيرا لأن فى معارضته ، بل كف عنها نهائيا وتحمس لمشاركة المرأة له فى جميع الأعمال ! فهل تغير الرجل حقيقة فى تلك الجاهلية فأصبح – فجأة – مؤثرا عادلا بعد أن كان ظالما مستأثرا لنفسه بالمكانة السامية والمنزل الرفيعة ؟! أو أن المرأة أجبرته بالفعل على احترامها كما زعمت الجاهلية وهى تزين للمرأة أن تقحم نفسها فى كل ميدان كان الرجل يستأثر به من قبل حتى ميدان الفساد الخلقى ؟!
كلا ! إنما حسب الحسبة فوجدها رابحة !
وأربح ما فيها سهولة الحصول على المرأة فى المكتب والمصنع والنادى والشارع والمرقص والملعب .. فى كل مكان !
لم يعد يتعب فى الحصول على لذائذ الجنس ! فهى متاحة له أبدا فى كل لحظة ! بإشارة ومن غير إشارة ! فالمرأة العارية المتبرجة المبرزة " لمفاتنها " أمامه حيث ذهب ، يلقاها حيث توجه .. لا واحدة ولا عشر ولا مئات ! كلهن ! من فيهن بغير تبرج ولا زينة ولا تفتن فى " جذب " الرجل إليها ؟!
فإذا حركته الفتنة لطلب الجنس فما أيسر !
فإن كان دنئ الحس حيوانا فالبغاء الرسمى وغير الرسمى ميسر ، والمحترفات كثير ! وإن كان " مهذبا ! " " متحضرا ! " " مترفعا ! " فهناك " الصداقة" وهى متاحة أبدا بحكم الزمالة والاختلاط المستمر ، وفى الصداقة يقضى حاجة الجنس كلها ، ومعها " تقدير " المجتمع لتهذبه وتحضره وترفعه ، وقضائه حاجة الجنس مع الهاويات لا مع المحترفات !
أما هى فقد رضيت بتلقى " عواطف " الرجل ومغازلاته وإطرائه " لجمالها " و" فتنتها " و" رشاقتها " و" جاذبيتها " .. ورضيت كذلك بتلقى نزوات جسده لأنهخا هى أيضا تطلب الجنس !
أما قرأت فرويد ؟!
ألم يقل لك فرويد فى التفسير الجنسى للسلوك البشرى إن الإنسان كله طاقة جنس مترحكة تسعى لإثبات الذات عن طريق ممارسة الجنس ؟ وإن التحقيق الأكبر للذات هوالذى يتم عن طريق الجنس ؟!
ألم يقل إن أى حاجز يوضع أمام طاقة الجنس فمعناه الكبت والعقد النفسية والاضطرابات العصبية ؟
وهى أيضا لا تريد لنفسها الكبت ولا العقد ولا الاضطراب ! إنها تبحث عن " الصحة النفسية " وهذا "حقها " الطبيعى ! .. والصحة لانفسية لا تتحقق – كما ف=قال فرويد – إذا كان هناك حاجز يقف فى طريق الإشباع الجنسى !
فلما قيل لها كما قيل فى كل مرة ، الدين .. وألأخلاق .. والتقاليد ..***ت كل أولئك وطالبت " بحقها " ! حقها فى إبداء عواطفها ! حقها فى أن تهب نفسها لمن تشاء .. فهذا هو التحرر ! هذا هو التحرر !
ألم يقل ماركس إن المرأة فى المجتمع الصناعى تتحرر لأنها تستقل اقتصاديا عن الرجل فتتحرر من سلطانه فتفقد قضية العفة أهميتها ؟!
ما قيمة العفة ؟ من ذا الذى حرص اليوم عليها ؟!
إن الرجل ذاته قد تبلد حسه ، وفقد عرضه ، ولم يعد يهتم ! بل إنه فى سبيل لذاته الحيوانية الهابطة قد رحب كثيرا بهذا التطور الذى يسر له تحقيق رغباته دون تحمل أى مسئولية على الإطلاق .. لا مسئولية مخالفة قواعد الأخلاق ومجافاة التقاليد .. فقد ذهبت الأخلاق والتقاليد ، ولا مسئولية تحمل أعباء أسرة فى مقابل الإشباع الجنسى ، فالإشباع قد اصبح بهذا " التطور " متاحا بغير مقابل . ولا المسئولية " الجنائية " " فالصداقة " تمنع الجزاء !
وأما هى فما الذى يمنعها ؟ الحياء ؟ وماذا كان يفعل الشياطين طوال كل هذه السنوات إلا قتل هذا " العدو " الفطرى وإنشاء فتاة " جديدة " " متطورة " قليلة الحياء ؟!
من أجل ذلك " طفح " الجنس .. فى الشارع والغابة والنادى والملعب والمرقص ، والقصة والمسرح (والسينما فيما بعد) وفى المجلة والصحيفة اليومية فضلا عن المجلة المخصصة للصور العارية والإثارة الجنسية ، ووصل إلى درجة التهتك والحيوانية التى يتعفف عنها بعض أنواع الحيوان !
وبمناسبة ذكر السينما فهى فى أصلها مؤسسة يهودية خالصة فكرة ومالا وتخطيطا وتوجيها .. هدفها العمل السريع على إفساد الأمميين بما للصورة المتحركة من سحر وقدرة على التأثير . وإذا كان الأمميون اليوم " يتنافسون " فى مجال السينما ، ويتسابقون فى تحويلها إلى ماخور كبير ، فعن رضا كامل من الشياطين وتشجيع ! فما أشد ابتهاجهم بهذا التنافس والتسابق ، وما أشد فرحتهم وهم يرون اللعبة المسومة سارية لمفعول ، ولا ينجو منها فتى ولا فتاة ولا شيخ ولا شيخة ولا طفل ولا طفلة إلا من رحم ربك !
أما التليفزيون – آخر المستحدثات – فلا يحتاج إلى حديث !
فالخلاصة أن وسائل الإعلام كلها قد استخدمت على نطاق واسع لإشاعة الفساد الخلقى والتفاهة والتميع والانحلال فى كل بلاد الأرض .. والشياطين يتفرجون !
وأما تفكك الأسرة فحدث عنه كذلك ولا حرج !
لقد كان البيت سكينة وسكنا بالزوجة التى تعمره والأم والتى ترعى أطفاله :
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [سورة الروم 30/21]
وقد جعلها الله آية يتفكر فيها الناس ويتدبرون حكمتها ..
إنه هكذا فى الفطرة التى فطرها الله يخرج الرجل يكدح فى خارج البيت ، ثم يعود فيجد السكن والسكينة والراحة الجسدية والعصبية والنفسية التى تمحو عنه آثار الكدح ، وتعده فى الصباح لكدح جديد ..
ويجئ الأطفال فيجدون أما ترعاهم بحنانها الفطرى وجهدها الدؤوب الذى يتسع لمطالبهم المتغيرة المتجددة التى لا تكف .. ويتعلمون فى حضنها معنى الحب ، تتغذى به أرواحهم الغضة فيوازن فى نفوسهم – فيما بعد – مشاعر الصراع التى يثيرها الكدح لإشباع النوازع والرغبات ..و يجدون أبا يحيط هذه الأسرة كلها برعايته وحيه وتوجيهه وقيادته ، فيتعلمون تحت قيادته الانضباط والاستقامة على المنهج ، كما يتعلمون من الأبوين معا معنى التعاون والتراحم والمودة ، وكل المعانى " الإنسانية " التى تصنع ذلك " الإنسان " .
ولكن الفطرة – بصورتها تلك – هى العدو الأكبر للذين يسعون فسادا فى الأرض :
{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)} [سورة المائدة 5/64]
إنها هى التى تسد فى وجوههم الثغرات بما تحكم من إقامة السدود والحواجز أمام الشيطان ، بقدر ما تركز فى نفوس الأطفال من الدين والأخلاق والتقاليد المستمدة من مبادئ الدين ..
أفلا يكون تحطيم الأسرة إذن فرحا عظيما للشياطين ؟
وكان إخراج المرأة للعمل هو المعول الأكبر لتحطيم الأسرة وإن لم يكن هو المعول الوحيد .
فبادئ ذى بدء فقد البيت سكنه وسكينته وأصبح كما قال " ول ديورانت " بحق أشبه بالفندق الذى يأوى إليه المكدودون ليقضوا فيه فترة الليل ثم ينطلقون منه فى الصباح كل إلى طريق .
وفقد الأطفال الأم .. الأم المتخصصة لرعايتهم التى يجدون عندها الحنان الفطرى والرعاية اللازمة ، فحين تعود الأم العاملة مكدودة كما يعود الرجل ، فإنها لا تجد فى نفسها ولا أعصابها فضلة تمنحها للبيت ، لا لزوج ولا للأطفال .
وعبثا تحاول الجاهلية – أو يحاول الشياطين –أن يقولوا إن الأم الصناعية فى المحضن تغنى عن الأم الحقيقة فى البيت ، فالواقع هو الذى يكذب الدعاوى الكاذبة كلها ويفندها " " .
ولم يكن غياب الأم عن البيت هو العامل الوحيد فى تحطيم الأسرة وتشريد الأطفال .. فهناك عنصر آخر لا يقل خطورة هو غياب " سيطرة الأب " .
إن وجود " القوامة " فى البيت أمر قرره الله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} [سورة طـه 20/50] والذى أودع فى الفطرة البشرية سماتها ونوازعها وهو العليم الخبير ، الذى يعم ما يصلح لهذه الفطرة وما يصلحها .
ومن توفيقاته – سبحانه – أن أوجد فى نفس الرجل السوى القدرة على القوامة والرغبة إليها ، كما أوجد فى نفس المرأة السوية الرغبة فى قوامة الرجل والاطمئنان إليها :
{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [سورة الملك 67/3]
ولكن الشياطين أرادوا أن يلغوا هذا كله ، لأن وجوده على هذه الصورة " مفسد " لمخططاتهم ، وعائق ضخم فى سبيل الفساد الذى يسعون إليه . لذلك قال " علماؤهم " إنه ليست هناك فطرة ! وإن قوامة الرجل ليست أصلا من الأصول الثابتة فى الحياة البشرية . إنما هى انعكاس لوضع اقتصادى معين ، يتغير ويتبدل حين يتغير الطور الاقتصادى ويدخل الناس فى طور جديد .
وجاءت بقية العصابة – بكل وسائل الإعلام التى تملكها – فنفخت فى المرأة روح التمرد على القوامة ، وبدعوى المساواة الكاملة فى لك شئ .. فهى تقبل الرجل " زميلا " و" صديقا " تمنحه جسدها ويعطيها الإشباع الجنسى . ولكنها لا تقبله قيما ف البيت ولا فى المجتمع ولا فى شأن من شؤون الحياة !
ومن ثم لم يعد الرجل فى الأسرة ذلك السلطان ، إنما أصبح السلطان إما للمرأة التى تريد أن تثبت شخصيتها ، وإما منازعة دائمة بين الرجل والمرأة فى البيت ، كل يريد أن يثبت أنه هو صاحب السلطان ! وكلا الحالين مفسد لترابط الأسرة ومفسد للأطفال .
وأخيرا جدا اعترفت المؤتمرات التى تنعقد لدراسة مشكلة الأطفال الجانحين ويشترك فيها علماء من كل نوع ، فى علم النفس وعلم الاجتماع وعلم لجريمة والقانون .. الخ ، اعترفوا بأن غياب سلطة الأب فى البيت والمجتمع سبب من الأسباب الرئيسية فى تشرد لأطفال من ناحية ، وزيادة نسبة الشذوذ الجنسى من ناحية أخرى !!
ومع ذلك فليس عمل المرأة ولا الشقاق الدائم فى البيت ولا غياب سلطة الأب هى الأسباب الوحيدة لتحطيم الأسرة !
فهى – قبل ذلك – محاربة الميل الفطرى إلى تكوين الأسرة من منبعه !
ألم يقل عالهم دوركايم : كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة هى أشياء من الفطرة ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية فى الإنسان ؟!
ثم جاءت بقية العصابة فوضعت كما قال " ول ديورانت " كل المعوقات فى طريق الزواج وكل المرغبات ف الإباحية الجنسية .
ولقد كانت " الصداقة " بين الرجل والمرأة هى الأداة الكبرى فى يد العصابة لتحويل الفطرة عن مسارها .. فففى تلك " الصداقة " يجد الرجل المنحرف الفطرة والمرأة المنحرفة مكل مطالبها !
يجد الرجل – المنحرف – متعة الجنس بلا تكاليف . لا التكاليف النفسية ولا العصبية ولا المادية .. فهو يقضى رغبته بلا معقبات .. لا زوجة يتحمل تبعتها ونفقاتها ، ولا بيت مؤثث بما يناسب الأسرة ، ولا أطفال يحتاجون إلى الرعاية وتتزايد مطالبهم على الدوام ، ولا التزام كذلك أن " يخلص " لرباط الزوجية لا يتعداه !
وتجد المرأة – المنحرفة – كذلك متعة الجنس بلا تكاليف ، ولا حمل يرهقها ويفسد " رشاقتها " ولا رضاعة ولا رعاية أطفال ، ولا مسئولية إدارة بيت متعدد التبعات ، وتجد بالإضافة إلى ذلك " زميلا " لا يطالبها بشئ .. فلا هو يطلب القوامة عليها ، ولا هى مكلفة تجاهه بالخضوع لتلك القوامة التى أصبحت تبغضها نفسها ولا تحب أن تدخل فيها .. ولا هى كذلك مكلفة بأن تكون له وحده كما تقتضى شرعة الزواج ! " " .
فإذا كانت الأمور كذلك فلماذا الأسرة " ووجع الدماغ " ؟!
فأما إن حدث الزواج بعد ذلك كله .. فهناك البيت المفكك وهناك نسبة الطلاق المتزايدة " " وهناك تشرد الأطفال !
وأما عن القلق النفسى والعصبى فتلك تقاريرهم تغنى عن الحديث .. يصيب الجنون من أفراد الشعب الأمريكى أكثر من المصابين بأى مرض آخر من الأمراض الفتاكة .. والعيادات النفسية منتشرة فى غرب أوروبا وأمريكا بدرجة ملحوظة ، ومن " الروتين " المعتاد فى الحياة الغربية أن يذهب الإنسان إلى العيادة النفسية مرة على الأقل كل شهر إن لم يكن مرة كل أسبوع لمعالجة القلق النفسى والاضطرابات العصبية ! " " .
وحوادث الانتحار كثيرة كثرة تلفت النظر .
والإدمان على الخمر والمخدرات فى زيادة مستمرة رغم كل المحاولات التى تبذل للحد من الإدمان . والدلالة واضحة ولا شك ، فلو أن الحياة سعيدة ومستقرة ما كان هناك دافع للهروب منها بالخمر والمخدر . إنما يلجأ إلى هذه " المغيبات " من يريد أن يفر من واقع مر لا يستطيع مواجهته ولا يستطيع تغييره ، فيهرب منه فى خيالات مفتعلة تنسيه مرارته لحظات .. ثم يعود أسوأ مما كان فيهرب من جديد !
والجريمة – بجميع أنواعها – فى تزايد مستمر . ووجود الجريمة ذاته له دلاله ، فإذا زادت حتى أصبحت أصلا من أصول المجتمع بحيث لا يأمن الناس على أنفسهم أن تقع عليهم فى اية لحظة جريمة خطف أو سرقة أو قتل أو اغتصاب ، ويحتاجون دائما إلى إجراءات غير عادية لوقايتهم من الجريمة .. فإنها تعنى عندئذ أن الروابط " الإنسانية " منحلة فى هذا المجتمع ، وأنه مجتمع مفكك فى حقيقته ، مهما وضع من الروابط السطحية المصطنعة على واجهته الخارجية !
وجرائم الأحداث أمر أسوأ دلالة واشد خطورة .. وقد صارت مشكلة الأحداث الجانحين مشغلة دائمة للمجتمع الغربى . تجمع لها المؤتمرات كل عام .. ثم تتزايد كل عام .
إنهم الأطفال المشردون الذين تركتهم أمهاتهم من أجل العمل فى المكاتب والمصانع والمتاجر ، وللهو والعبث فى الليل ، والذين فقدوا توجيه الأب الحازم لأن الأب ذاته قد فقد كيانه فى معركته مع " المرأة المتحررة " ، والذين علمتهم السينما والتليفزيون كيف يصبحون مجرمين !
وهذا كله غير ألوان الميوعة والتفاهة التى يعيشها الشباب ، الذى كل همه أن يكسب النقود فى النهار لينفقها فى اللهو والمجون فى الليل ، وغير ألوان " الجنون " العامة التى استولت على حياة الأمميين : جنون السينما ، وجنون التليفزيون ، وجنون الكرة ، وجنون الجنس ، وجنون " المودة " وجنون العرى ، وجنون السرعة ، وجنون التقاليع …. الخ .
  

كيف استطاع اليهود أن يحدثوا هذا الشر كله فى الأرض ؟!
إنهم – فى الواقع – لم يكتفوا بإفساد أوروبا وإنما هم فقط بدأوا جولتهم من هناك .. ولكن هدفهم لم يكن مقصورا على أوروبا ، ونشاطهم الشرير لم يقتصر على الغرب ن إنما هم نشروا الفساد فى الأرض كلها عن طريق أوروبا – بعد إفسادها !
ففى خلال القرون الثلاثة الأخيرة كانت القوة السياسية والعسكرية والعلمية والمادية لأوروبا فى تزايد مستمر ، وكانت أوروبا تغلب بقوتها على العالم كله ن والعالم الإسلامى بصفة خاصة ، ومن خلال غلبة أوروبا على الأرض كلها ، وعلى العالم الإسلامى ، نشر اليهود سمومهم فشملت " الأمميين " جميعا _ إلا من رحم ربك – وأدخلتهم فى المخطط الشرير الذى يحدد التلمود هدفه ووسائله :
" الأمميون هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار "
فكيف استطاع اليهود أن يحدثوا هذا الشر كله فى الأرض ؟!
هل هم أولئك " الجبابرة " الذين يصورهم وليم كار فى كتاب " الأحجار " ؟!
هل هم أولئك العباقرة – كما يصورون أنفسهم – الذين لا يقف أمام عبقريتهم شئ ولا يحول دونهم حاجز؟!
هل هم أولئك المخططون العتاة الذين يخططون لألف عام ولمائة عام ولكل يوم من الأيام ، كما يتصورهم المهزومون من الأمميين الذين يقرأون أمثال " البروتوكولات " و" أحجار على رقعة الشطرنج " وغيرها من الكتب لتى كان يخفيها اليهود عن العيون فيما مضى – قبل أن تنضج اللعبة وتستوتى –وصاروا هم اليوم الذن ينشرونها على نطاق واسع ليرعبوا بها الأمميين ويوهموهم أنهم يقولون للشئ كن فيكون .. يقرأونها وهم بغير رصيد من عقيدة تحميهم أو قوة تدفع عنهم ، فيقولون لأنفسهم : وماذا نصنع نحن أمام هذا المكر الماكر والتدبير الخبيث ؟!
كلا ! ليس اليهود شيئا من ذلك كله ! لا هم أولئك الجبابرة ، ولا هم أولئك العباقرة ، ولا هم أولئك المخططون العتاة !
ولقد خططوا ودبروا وحاولوا خلال ألف عام أو أكثر فلم يصلوا إلىش ئ مما يريردون .. إنما الذى جعلهم يقدرون فىالقرون الثلاثة الأخيرة هو الأمميون أنفسهم ، بما أتاحوا من ثغرات ينفذون منها ، وما أتاحوا لهم من فرص للإفساد .
اليهود لا ينشئون الأحداث ولكنهم يجيدون استغلال الأحداث .
وأحوال الأمميين فى القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة هى التى مكنت لليهود كل هذا التمكين ..
يقول الله تعالى عن اليهود فى كتابه الكريم :
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ} [سورة آل 3/112]
فالقاعدة الدائمة بالنسبة لهم هى الذلة المضروبة عليهم :
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [سورة الأعراف 7/167]
والاستثناء هو التمكين .
وهم اليوم فى قمة الاستثناء .. بحبل من الله وحبل من الناس .
فأما الحبل من الله فهو مشيئته سبحانه ، التى يجرى بمقتضاها كل ما يجرى من أمور هذا الكون .. فلو شاء الله لليهود أن يتمكنوا اليوم من رقاب الأمميين ما تمكنوا ، ولكنه شاء ذلك سبحانه لحكمة ربما استطعنا فهمها إذا تدبرنا كتابه المنزل ، الذى يحوى تفسير مجريات الأمور كلها فى الحياة البشرية ماضيها وحاضرها ومستقبلها .
وأما الحبل من الناس فهذا الذى ينبغى أن تتدبره جيدا لنعرف الحجم الحقيقى للقوة الموهومة " لشعب الله المختار ".
قلنا فى التمهيد الأول إن الكنيسة الأوروبية أفسدت فحوى " الدين " بالنسبة لأوروبا ، فشوهت العقيدة أولا ، وفصل العقيدة عن الشريعة ثانيا ، وقدمت الدين عقيدة خلوا من الشريعة إلا القليل ، فضلا عما اقترفت الكنيسة من الخطايا التى تنفر الناس من الدين .
وينبغى أن ندرك جيدا أن هذه هى نقطة البدء ،النى أتاحت لليهود أن يفعلوا كل ما فعلوه ، وإن كان ذلك قد استغرق عدوة قرون !
فيجب أن نلاحظ أولا أن اليهود لم يبدأوا بالعمل فى العالم الإسلامى إنما فى العالم المسيحى . وهذا الأمر له دلالته التى لا يجوز إغفالها ، فقد حاربوا افسلام حربا شعواء فى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وحاولوا – بكل " عبقريتهم " الشريرة وبكل " جبروتهم " وبكل " تخطيطهم " وتدبيرهم وبكل مكرهم ودهائهم – أن يقضوا على هذه العقيدة وعلى الدولة التى انبثقت عنها فلم يستطيعوا ، ورد الله كيدهم فى نحورهم ،وقال جل شأنه فى هذا الصدد :
{وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)} [سورة آل 3/119-120]
وقال فى شأنهم وشا، غيرهم جميعا :
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [سورة المائدة 5/3]
وظل كيدهم ضد الإسلام خلال قرون طويلة محصورا فى استحداث فرق باطنية تتظاهر بالإسلام وهى بعيدة كل البعد عنه ، ولكن هذه الفرق لم تخدع المسلمين ، ولم تستطع الحياة بينهم ، وظلت منبوذة مبعدة لا تؤثر فى جسم الأمة المسلمة ولا فى عقائدها ولا فى خط سيرها ، وظلت الشريعة الإسلامية مطبقة فى الأرض الإسلامية ما يزيد على اثنى عشر قرنا من الزمان !
أما فى أوروبا المسيحية فقد كان الوضع مخلخلا مليئا بالثغرات التى يستطيع اليهود أن ينفذوا منها ويفسدوا من خلالها . والثغرة الكبرى كما أسلفنا كانت تحريف الدين وتشويهه على يد الكنية .
إنه حين يكون للأمة دين حقيقى ، معمول به فى واقع الأرض ، فإن اليهود – بكل قدرتهم على البشر – لا يستطيعون أن يصنعوا شيئا ضد هذه الأمة مهما حاولوا ، وإن قاموا بأنواع من " الأذى " بين الحين والحين :
{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111)} [سورة آل 3/111]
أى لن يضروكم فى عقيدتكم ، ولن يؤثروا فى دينكم ، ولا فى قيام حياتكم على مقتضى هذا الدين . إنما يؤذونكم فقط بأى نوع من الإيذاء ، وفرق بين أن يؤذوا أشخاصكم وبين أن يضروا دينكم أى مقومات حياتكم . فإن القتال نوع من الإيذاء . والسباب نوع من الإيذاء . وتأليب الأعداء نوع من الإيذاء . والعدوان على بعض الأفراد نوع من الإيذاء . ولكن تبقى الأمة سليمة ما بقى لها دينها ، أى المنهج الذى تقوم حياتها عليه وتستقيم .
أما فى أوروبا حيث لم يكن هنالك دين حقيقى ، فقد استطاع اليهود أن يضروا – لا بالإيذاء فقط – ولكن بتغيير قواعد الحياة كلها ، بل بمسخ الفطرة البشرية ذاتها ، وتحويل الناس إلى دواب يركبهم الشعب الشرير .
ومع ذلك فإن اليهود لم يتقدموا للعمل الجاد فى إفساد أوروبا إلا حين بدأت أوروبا تتخلى عن كل القيم المستمدة من الدين .
لقد كان الدين مشوها نعم ، وليس هو الدين المنزل من عند الله . ولكنه كان يحمل شيئا من آثار الدين السماوى .
{وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [سورة المائدة 5/14]
نسوا حظا ولكنهم لم ينسوه كله . وهذا الجزء الباقى الذى لم يكونوا قد نسوه هو الذى حال بين اليهود وبين أن يعيثوا فسادا فى أوروبا بضعة قرون .
وكانت هناك الأخلاق ، كانت هناك الأسرة المتينة الرباط ، كان هناك النفور من الفاحشة والحياء الأنثوى الفطرى اللائق بأنثى الإنسان والذى يميزها عن إناث الحيوان . وكان هناك الحفاظ الشديد على العفة وصيانة العرض ، وكان هناك تحريم الربا فيما بين المسيحيين بعضهم وبعض ، إلا من وقع فى قبضة المرابين اليهود ، وكان هناك الزهد فى متاع الحياة والدنيا والتطلع إلى الآخرة .. وكان .. وكان ..
ذلك كله حظ من دين الله المنزل لم يكن قد نسى فى " القرون الوسطى المظلمة " فى أوروبا . ورغم أنه لا ينفع عند الله ولا يشفع لهم يوم القيامة لأن الله لا يرضى بتجزئة دينه أجزاء يؤمن الناس ببعضها ويكفرون ببعضها الآخر على هواهم .
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [سورة البقرة 2/85]
رغم ذلك فإنه – بالنسبة لليهود – كان حاجزا منعهم من القيام بنشاطهم المفسد على نطاق واسع عدة قرون .
فلما أمعنت الكنيسة فى الفساد والإفساد .. لما طغت كل طغيانها الذى تحدثنا عنه ، وحاربت العلم ، وحاربت حركات الإصلاح ، ووقفت مع الطغاة ضد المظلومين .. وحين فسدت أخلاق الدين فصاروا – بوضعهم ذلك – يصدون عن سبيل الله .
{إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة التوبة 9/34]
حين حدث ذلك كله أخذ الناس فى أوروبا ينفرون من الدين وينسلخون منه ، لا يفرقون بين ما قدمته لهم الكنيسة من الأباطيل وما أنزله الله من الحق .. ولا يسعون فى الوقت ذاته إلى اعتناق الدين الصحيح .. عندئذ وجدت الفرصة التى يترقبها اليهود ليعيثوا فسادا فى الأرض ،وبدأوا ينشطون نشاطهم الشرير الذى ظل يتصاعد من القرن الثامن عشر – على الأقل – إلى القرن العشرين .
مخطط اليهود – كما جاء فى التلمود – أن يستحمروا الأممميين ليركبوهم ويسخروهم لمصالحهم ، فهل استطاعوا – قط – أن يستحمروا وهم آدميون ، أى لهم دين يلوذون به من كيد الشيطان أو حتى آثار من الدين ؟
كلا ! إنما الذى حدث بالضبط أن الأمميين فى أوروبا – بابتعادهم عن الدين وانسخلاهم منه – هم الذين استحمروا أنفسهم للشعب الشيطانى ودعوه أن يركب فوق ظهورهم ليوجههم كيف يشاء !
ولنتتبع أحوال أوروبا خطوة خطوة لنرى من أين نفذ اليهود .
لو بقيت أوروبا على ببقايا دينها ، ولا نقول اعتنقت الدين الصحيح الذى حاربته تلك الحرب المتعصبة الحمقاء ، فمن أين كان ينفذ اليهود ؟
لو بقيت الأسرة مترابطة متماسكة تقوم على عفة المرأة وقوامة الرجل على اللبيت فمن أين كان ينفذ اليهود ؟
لو بقى عامة الناس غير مفتونين بالحياة ناظرين إلى الآخرة فمن أين كان ينفذ اليهود ؟
لو قام العلم على غير عداء وصراع مع الدين ، فمن أين كان ينفذ اليهود ؟
لو بقى الناس يحرمون التعامل بالربا ويرفضون أن تقوم حياتهم عليه ، فمن أين كان ينفذ اليهود ؟
ثم ..
حين قامت الصناعة بعد اختراع الآلة ..
لو كانت هناك دولة تحكم بما أنزل الله وتطبق منهجه فى الحياة ، وترفض أكل مال الأجير وتحرص على توفيته حقه ، وحقه هو الذى يكفيه للحياة الكريمة هو وأسرته .. فمن أين كان ينفذ اليهود بنشر البغاء " الشعبى " والدفاع عنه ، وتولية الدولة حارسة عليه وراعية له ! وقد فعلوا ذلك كله استغلالا لوجود الشباب الفاره من العمال بلا أسر فى المدينة ؟!
لو كانت هناك دولة تحكم بما أنزل الله ، وتقيم لكل امرأة كفيلا يكفلها من ذوى قرباها ، أو من بيت المال حين تفقد كل الكفلاء ، فمن أين كان ينفذ اليهود الذى نفذوا من خلال اضطرار المرأة إلى الهجرة من الريف والعمل فى المدينة ، واضطرارها إلى التخلى عن عرضها فى كثير من الأحيان ؟
وحتى حين اضطرت المرأة للعمل ..
لو كانت هناك دولة تحكم بما أنزل الله ولم تبح تلك التفرقة الظالمة فى الأجر بين الرجل والمرأة التى تقوم بنفس العمل ، فمن أين كان ينفذ اليهود الذين لعبوا لعبتهم الكبرى بقضية المرأة ودمروا بها المجتمع البشرى كله ؟
لو كانت المرأة غير مضطهدة ولا محتقرة ولا مهينة ولا منبوذة فمن أين كان ينفذ اليهود الذين استغلوا هذا الواقع السئ لينفخوا فى قضية المرأة ويمدوها إلى الأبعاد التى وصلت إليها فى كل اتجاه ؟ ..
و كانت المرأة تنال حقها من التعليم ، على الأصول الصحيحة التى لا تفسد أنوثة المرأة ، ولا تبعدها عن وظيفتها ، ومع ذلك تعلمها وتثقفها وتجعل منها إنسانة فاضلة متنورة ، فمن أين كان ينفذ اليهود الذين لعبوا بقضية تعليم المرأة وأفسدوا بها المرأة والرجل كليهما إلى أبعد حدود الفساد من أول الاختلاط إلى إباحية الجنس إلى تحطيم الأسرة وتشريد الأطفال ..؟
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)} [سورة الأعراف 7/96]
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [سورة المائدة 5/65-66]
نعم .. لو أنهم آمنوا واتقوا ما استطاع اليهود أن يلعبوا بهم ويستحمروهم لخدمة مصالحهم ..
  

البيان
10-18-2007, 08:06 PM
" الناس " هم الذين أمدوا اليهود بالحبل الذى مكن لهم فى الأرض فى الوقت الحاضر ..
السينما مؤسسة يهودية أقامها اليهود للإفساد فى الأرض ، فكل فتى أو فتاة أصابه جنون السينما فهو " حبل من الناس " يمد اليهود . يمدهم بالمال الذى يربحونه من هذه التجارة النافقة ، ويمدهم بالفساد فى ذات نفسه فيتحقق لهم مخططهم الشرير .
بيوت الزينة والأزياء يهودية .. فكل فتاة أصابها جنون الزينة وجنون " المودة " هى " حبل من الناس " تمد اليهود ، تمدهم بالمال من ناحية – وصناعة أدوات الزينة من أربح الصناعات على الإطلاق – وتمدهم بالفساد فى ذات نفسها وفى الشباب الذى تتولى فتنته بتبرجها فيحققان لهم مخططهم الشرير .
جنون الجنس جنون أطلقه اليهود على البشرية ، فكل فتى أو فتاة أصابه جنون الجنس فهو " حبل من الناس " يمدهم باستعباد نفسه للشهوات التى تهبط به عن آدميته فيصبح فى متناول مخططهم الشرير .
جنون الكرة من أنواع الجنون التى أطلقها اليهود على البشرية . فكل فتى أو " فتاة !" أصابه جنون الكرة فهو " حبل من الناس " يمد اليهود ، يمدهم بتفاهة اهتماماته وانصرافه عن معالى الأمور إلى سفسافها " " وانصرافه عن الاهتمامات الجادة والنظر فيما يحيط به من أحوال ، فييسر لليهود أن يعبثوا عبثهم العالمى والأولاد (والبنات !) مشغولون بالفريق الذى أخفق والفريق الذى فاز !
الربا من أفتك أدوات اليهود وأفعلها فى التخريب . فكل صاحب مال أودعه عند اليهود فى مصارفهم ومؤسساتهم فهو " حبل من الناس " يمد اليهود ، يمدهم بأرباح طائلة يقوون بها أنفسهم ويتحكمون بها فى اقتصاد العالم كله ، وبالخبال الذى يصيب حياته من الربا :
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ} [سورة البقرة 2/275]
وهذا كله بصرف النظر عن المدد الذى يأتيهم من دول كأمريكا أو روسيا ، فإن الآية لا تشير إلى دول بعينها ولا إلى " بعض " الناس " إنما تشير إلى " الناس " والحاصل اليوم أن المدد يأتى من " جميع الناس " .. إلا من رحم ربك !
" الأمميون " هم الذين استحمروا أنفسهم " لشعب الله المختار " وذلك بتخليهم عن الوقاية الطبيعية لاتى تحميهم من كيد الشيطان .
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)} [سورة النحل 16/100]
والكنيسة – بالنسبة لأوروبا – هى المجرم الأكبر الذى أتاح لليهود أن يتلفوا أوروبا ويشيعوا فيها من ألوان الفساد : الفكرى والروحى والخلقى والاجتماعى والاقتصادى والسياسى ما لم يجتمع بهذا الحجم وهذه الصورة فى التاريخ : مسخ كامل للفطرة البشرية ، ونكسة لم تنتكسها البشرية فى تاريخها كله ، رغم كل الإمكانيات المادية والعلمية المتاحة للبشر ، والتى كانت حرية فى ترتفع " بالإنسان " إلى الآفاق العليا بعد أن يفرغ من قضاء ضروراته الجسدية ، فإذا هى تغرقه فى عالم الضرورة وتحبس روحه بل تطمسها ، وتهبط بالإنسان إلى درك من الحيوانية يتعفف عنه الحيوان ..
  

ولكن هناك مسئولية أكبر فى الحقيقة تقع على الأمة المسلمة .
هذه الأمة التى أخرجها الله " للناس " لتكون خير أمة فى التاريخ .
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110]
وكلفها أن تكون شاهدة ورائدة لكل البشرية :
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [سورة البقرة 2/143]
هذه الأمة أين ذهبت وأين مضى بها التيار ؟!
فى غير هذا الكتاب " " نتحدث عن خط الانحراف الذى انحرف بهذه الأمة عن خطها السوى وأنساها رسالتها . ولكنا نقول هنا – بصدد تحديد مسئولية " الأمميين " عما أصابهم من الخبال على يد اليهود – إن الأمة الإسلامية لم تكلف – كالأمم المؤمنة السابقة – أن تؤمن فى حدود نفسها وتستقيم لذات نفسها فحسب ، إنما كلفت – فوق الله – أن تهدى البشرية كلها إلى النور الربانى ، وأن تسعى – بجهدها وجهادها – إلى إقامة دين الله فى الأرض كلها ، دون إكراه للناس على اعتناق عقيدة الإسلام ، إنما تحكم شريعة الله فى كل الأرض ، ويخضع الناس جميعا للعدل الربانى المتمثل فى شريعته :
{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} [سورة البقرة 2/256]
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [سورة الأنفال 8/39]
وقد ظلت هذه الأمة قائمة برسالتها لنفسها وللبشرية عدة قرون ، كانت فيها ممكنة فى الأرض ، وكانت هى موئل الهداية والنور ، ولم يكن يبرم أمر فى الأرض إلا بإذنها أو برضاها .. وإلا فالحرب قائمة لتأديب المعتدين .. ويومئذ لم يكن لليهود فى الأرض سلطان .
ولكن الأمة التى أختارها الله لتكون شاهدة ورائدة للبشرية ظلت تتراجع حتى أهملت رسالتها العالمية ، بل شغلت عن رسالتها لذات نفسها ، وعندئذ برزت أوروبا إلى الوجود قوة ممكنة فى الأرض ، فملأت الفراغ الذى خلقته الأمة الإسلامية بتخليها عن رسالتها ، حسب السنن الربانية التى يدبر الله بها أمور البشر فى الأرض .
وحين برزت أوروبا فقد برزت بكل جاهليتها ،وبكل الفساد الذى كانت تحمله فى أطوائها نتيجة إفساد الكنيسة لدين الله المنزل ، فأتاحت للشعب الشرير المتربص للإفساد أن يركب ، وأن يلهب ظهورها بالسوط ليقودها فى طريق الشيطان .
وزاد الأمر سوءا حين زاد تفريط هذه الأمة فى دينها حتى لم تعد تؤدى شيئا يذكر من رسالتها لذات نفسها ، فضلا عن رسالتها العالمية بطبيعة الحال ، وحينئذ أتيحت الفرصة لأوروبا الصليبية أن تقهر العالم الإسلامى ، وأن تدخل أرض الإسلام لتدك حصونه من الداخل ، وأتيح لليهود – من خلال الحملة الصليبية الغازية – أن ينشروا سمومهم فى العالم الإسلامى ذاته ، بنفس الوسائل التى نشروا بها سمومهم فى أوروبا . سواء كان ذلك بأيديهم مباشرة أو بأيدى الصليبيين الذين يقومون بذات الدور ضد الإسلام لحسابهم الخاص !
ومن ثم دخل " الأمميون " المسلمون فى ذات الدوامة ، وصاروا هم أنفسهم – إلا من رحم بك – يمدون الحبل لليهود ! وتم لليهود ذلك السلطان الذى أشارت إليه الآية الكريمة على سبيل الاستثناء من الذة الدائمة المفروضة عليهم {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ} [سورة آل 3/112]
الأمة المسلمة إذن هى المسئول الأكبر عما أصاب البشرية كلها من الخبال على يد اليهود . فقد أنزل الله إليها النور ، وأنزل إليها الرسالة الخاتمة وشرفها بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، ولا لتتلهى بذلك كله ، وإنما لتكون – بكل ثقلها ، وبكل فاعليتها – جهدا دائما وحركة دائمة لنشر النور والهداية فى الأرض .
فإذا تخلت قمن يحمل الرسالة ؟!
وإذا تخلت فأى شئ فى الأرض يحول دون الشعب الشرير المتربص للإفساد ؟!
  

وإذا كان تخلى الأمة المسلمة عن رسالتها هو الذى أتاح الفرصة لليهود ليحدثوا فى الأرض كل هذا الشر عن طريق الأمة الجاهلية التى تولت السلطان حين تخلى المسلمون .. فإن عودة المسلمين إلى الإسلام هى التى تنهى دور اليهود فى الأرض وتعيدهم إلى حجمهم الطبيعى :
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)} [سورة البقرة 2/61]
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [سورة الأعراف 7/167]
{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)} [سورة المائدة 5/64]
ولقد نتساءل عن حكمة الله سبحانه وتعالى فى تمكين اليهود من " الأمميين " فى هذه الفترة الاستثنائية التى تعيشها البرية اليوم . فنقول بادئ ذى بدء إن الله سبحانه وتعالى : {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [سورة الأنبياء 21/23] {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)} [سورة البقرة 2/117] فلا نسأله تعالى لماذا لم يجعل الذلة على هذا الشعب دائمة لا استثناء فيها ، وهم يستحقون – بصحيفتهم السوداء – أن تكتب عليهم الذلة إلى يوم القيامة .
ولكنا نلمح جانبا من حكمة اله فى قوله تعالى مخاطبا الكفار :
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [سورة الأنعام 6/65]
والبشرية اليوم قد كفرت كما لم تكفر فى تاريخها كله ، فأنكرت وجود الله جهرة ، ومنعت منهجه أن يحكم حياة الناس فى ألرض ، فاختار الله شر خلقه – اليهود – ليذيق البشرية كلها باسهم جزاء وفاقا على هذا الكفر الذى ليس له مثيل فى نوعه ولا حجمه فى التاريخ ..
ولنذكر أن دارون ليس يهوديا .. وهو الذى قال : الطبيعة تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق .. الطبيعة تخبط خبط عشواء . إن تفسير النشوء والارتقاء بأنه صادر عن الإرادة الإلهية يكون بمثابة إدخال عنصر خارق لطبيعة فى وضع ميكانيكى بحت !! فوضع بذلك أسسا " علمية " للفساد الذى يملأ الأرض اليوم !
والله يقول :
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)} [سورة الروم 30/41]
ومن هنا نري أن تسليط اليهود علي " الأمميين " اليوم ليس خارجا عن سنن الله ووعده ووعيده كما جاءت في كتابه الكريم . كما نستطيع أن نحكم – من كتاب الله – أنها فترة استثنائية يعودون بعدها فيدخلون في الاجحار..حين يعود المسلمون إلي الإسلام .
  

ويسأل بعض الناس : أليس اليهود هم أنفسهم فاسدين ومنحلي الأخلاق ؟ وكل الشرور التي إذا عوها في البشرية ليحكموهم بها هي ذائعة فيهم ؟!
نقول : بلي !! إنهم كذلك !
ولن يهربوا هم من سنة الله التي تكتب الدمار علي الناس حين يلجون في الغواية ويصرون علي الفساد .
نعم ولكن لهم دورا – قدرة الله – في إذاقة البشرية الخبال جزاء كفرها وتبجحها بالكفر ،دورا يؤدونه قبل أن يصيبهم الدماء بحكم السنن الربانية ، وقبل أن يرجعوا إلي الذلة والمسكنة كما توعدهم الله إلي يوم القيامة .
إنهم فاسدون نعم ، ولكنهم – بحكم ظروفهم التاريخية – يخططون بوعي حين يجدون الفرصة السانحة التخريب ، بينما الأمميون يفسدون فقط .. يفسدون بلا تخطيط!
الفتاة اليهودية لا عرض لها ، ولكنها إذ تبيع جسدها تمتص أموال الأممين وتسرق اسرارهم لتعطيها " لشعب الله المختار " ليستفيد بها في تخطيطه الخبيث أما الأموية فحين تفسد لهدف معين .. تفسد من أجل الفساد فحسب.
وحين يوضع الأمر علي هذه الصورة تكون الغلبة لاشك للفريق الأكثر وعيا ، والذي تربط بينه – رغم فساده – عوامل تاريخية تمنعه من الذوبان السريع .
أما النتيجة الأخيرة فقد بينها كتاب الله .
تنتهي الفترة الاستثنائية – لأنها استثنائية – ويعدو القدر المضروب يحكم اليهود :
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)} [سورة الأعراف 7/167]

الديمقـراطيــة
الديمقراطية Democracy كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين Demos ( الشعب و Kratos ( سلطة ) ومعناها الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب . وتطلق علي نظام الحكم الذي يكون الشعب فيه رقيبا علي أعمال الحكومة بواسطة المجالس النيابية ، ويكون لنواب الأمة سلطة إصدار القوانين .
وأول من مارس الديمقراطية هم الإغريق في مدينتي أثينا وإسبرطه ، حيث كانت تقوم في كل من المدينتين حكومة ( يطلق عليها إصطلاحا اسم " حكومة المدينة " أي الحكومة التي تقوم في مدينة واحدة مفردة ) وكان كل أفراد الشعب من الرجال في كل من المدينتين يشاركون في حكم المدينة ، فيجتمعون في هيئة " جمعية عمومية " فيتشاورون في كل أمور الحكم ، فينتخبون الحاكم ويصدرون القوانين ويشرفون علي تنفيذها ويضعون العقوبات علي المخالفين فكان " حكم الشعب ط مطبقا بصورة مباشرة في كل من المدينتين ، وكانت التسمية منطبقة علي الواقع انطبقا كاملا .
ولكن هذه الصورة من صور الديمقراطية انتهت بانتهاء " حكومة المدينة " في كل من أثينا وإسبرطة ، وإن ظلت محفوظة في ذاكرة أوروبا ككثير من الأفكار والقيم والمبادئ الاغريقية التي بقيت كامنة في الفقرة التي غلبت المسيحية فيها علي أوروبا ، ثم عادت إلي الظهور بعد قيام " النهضة " علي التراث الاغريقي الممتزج بالتراث الروماني ، الذي يطلقون عليه في إصطلاحاتهم Greco-Roman أي إغريقي روماني .
ولقد ظل الاقطاع يحكم أوروبا أكثر من ألف عام في ظل الامبراطورية الرومانية والقانون الروماني . ولم تغير المسيحية شيئا من سماته في هذه الناحية ، لأن الكنيسة لم تحاول تطبيق شريعة الله ، وتركت الأوضاع السياسية الاقتصادية والاجتماعية تجري علي ما كانت عليه في ظل الإمبراطورية الرومانية دون تعديل يذكر ، وحين نازعت المملوك والأباطرة سلطانهم لم يكن ذلك -كما أسلفنا – من أجل الزامهم بتحكيم شريعة الله ، كما فعل المسلمون في الأرض التي حرروها من قبضة الرومان في مصر والشام والشمال الأفريقي .. إلخ . إنما كان من أجل الزامهم بالخضوع لهواها هي وسلطانها الشخصي .
وفي ظل الإقطاع لم يكن " للشعب " وجود إلا بوصفه قطعا آدمية لاصقة بالطين ، لا كرامة لها ولا حقوق..
كان هناك ملوم مستبدون بالحكم يحكمون بمقتضي " الحق الألهي المقدس " باعتبارهم " ظل الله في الأرض" فكلامهم أمر ، وأمرهم مقدس ، وما عن لهم من أهواء فهي أوامر واجبة التنفيذ .
ويعاونهم في تثبيت سلطانهم وتوكيده في الأرض أمراء الاقطاعيات الواقعة في ملكهم ، مقابل إطلاق يد هؤلاء الأمراء ( الذين يسمون : النبلاء أو الإشراف ) في إقطاعياتهم ، يتصرفون فيها كيف شاءوا دون مراجعة ولا رقابة تضبط تصرفاتهم ، لأن الذين يعيشون علي أرض الإقطاعية هم إما عبيد وإما في حكم العبيد ، وسلطان " الشريف" عليهم سلطان مطلق بحكم " القانون " فهو بالنسبة لهم يمثل السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية جميعا في آن واحد ، وليس للمالك علي الإقطاعي إلا ما يفرضه عليه من الأموال ( بمقدار ما يشبع نهمة ومطالبه ) وتلك يستخرجها أمير الإقطاع من فلاحية بالقوة الجبرية ، وإلا " الانفار " الذين يطلب المالك تجنيدهم في جيوشه ليموتوا من أجل تحقيق أهوائه ومطامعه .. أي أن سلطة الملك في النهاية واقعة علي أولئك العبيد من خلال سلطة أمراء الإقطاع ، كما تقع عليهم السلطة المباشرة من أمراء الاقطاع لحسابهم الخاص .. وفي جميع الحالات يكون ألئك العبيد – وهم في النهاية طبقة "الشعب " – بغير سلطان وبغير حقوق ، واقعة عليهم كل الواجبات .
وإلي جانب الملوك والنبلاء كانت سلطة الكنيسة ورجال الدين ، وكانت منصبة في النهاية كذلك علي الشعب ، فإلي جانب الخضوع المذل لرجال الدين – وهو حق " مقدس " لهم – كانت هناك الإتاوات والعشور ، والسخرة المجانية في الأرض الكنسية ، والتجنيد في جيوش الكنيسة التي كانت توجهها لتأديب الخارجين علي سلطانها من الأباطرة والملوك .
وهذه المظالم المتراكمة هي التي تفرجت في الثورة الفرنسية ، بعد أن هيأ لها في نفوس الأوروبيين الاحتكاك بالمسلمين في الحروب الصليبية ، وفي اللقاء السلمي بين المسلمين وبين المبتعثين من بلاد أوروبا لتلقي العلم في بلاد الإسلام .
ولكن أوروبا حين تفجرت ثورتها لم تكن في وضع يسمح لها أن تستبدل بالجاهلية التي ثارت عليها دين الله الحق ، وشريعته العادلة التي كانت تحكم الأرض من حولها من الشرق والغرب والجنوب ، لأن الحروب الصليبية وحملات التنفير الديني والثقافي التي قامت بها الكنيسة ضد الإسلام وفقت حاجزا بينها وبين اتخاذ الإسلام عقيدة وشريعة ، فارتدت إلي تراثها الاغريقي الروماني تبحث فيه عن حلول مشكلاتها ، بدلا من أن تلجأ إلي الإسلام "1".
ووقع اختيار أوربا علي " الديمقراطية " بديلا من الإقطاع ، وكانت هناك عوامل كثيرة ترشح لهذا الاختيار .
فطبقة "الشعب " هي الطبقة المكبوتة المسحوقة ، وهي الطبقة الثائرة التي تسعي إلي المشاركة في السلطان .. والطبقة الرأسمالية هي الطبقة الجديدة التي صار المال في يدها بدلا من طبقة الاقطاعيين بسبب انتقال الانتاج – تدريجيا -من إنتاج زراعي إلي إنتاج صناعي بعد اختراع الآله .. وهذه الطبقة الجديدة تريد أن تنتزع من الطبقة المالكة السابقة التي كان في يدها السلطان. لذلك كانت الديمقراطية هي اللعبة المناسبة التي توفق بين رغبة الطبقتين الساعيتين إلي السلطة ، إحداهما وهي الطبقة الرأسمالية تستولي علي السلطان الحقيقي ، والثانية وهي طبقة الشعب تشارك – بقدر – في ذلك السلطان وذلك فضلا عن عنصرين أخرين أحدهما إيحاء الفكر الإغريقي القديم وتأثيره علي المفكريين الغربيين منذ عصر النهضة ، وهو فكر يحمل صورة " تذكارية" للديمقراطية من أيام أثينا وإسبرطة ، والثاني هو الشعارات التي وضعتها الماسونية اليهودية للثورة الفرنسية وهي : الحرية والإخاء والمساواة ، والديمقراطية هي المنطق الأنسب لهذا الشعارات ، ومن ورائها يحقق اليهود ما يحلو لهم من أهداف .
لذلك كله كانت الديمقراطية هي الإطار المناسب ل***اصر المتفاعلة في أوربا في ذلك الحين .. في ظل الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية القائمة في تلك الفترة من الزمان .
ولم يكن الأمر سهلا مع ذلك ولا ميسرا للراغبين .. فقد احتاج إلي صراع طويل مريم حتي استوي علي صورته الحالية . وكانت " المكاسب الديمقراطية " تأتي متقطعة وجزئية ، ولا تأتي إلا بعد معارضة طويلة من الذين في أيديهم السلطان ولا يرغبون في التنازل عنه ، وبعد قيام " الشعب " بالاضراب والعصيان والتمرد ، وتعرض دعاة الحرية إلي السجن والاعتقال والتشريد ، بتهمة إثارة الشغب والتحريض علي الإخلال بالنظام.
وبعد نضال وكفاح استمر قرابة قرن من الزمان استقرت الديمقراطية في صورتها الحالية التي تراها في دول غرب أوربا وأمريكا ، علي اختلاف بينها في الجزئيات لا يؤثر في صورتها العامة ومبادئها الرئيسية .
  

كانت نقطة الانطلاق ، أو نقطتا الانطلاق في الحقيقة هما : أولا : وجوب إشراف الشعب علي أعمال الحكومة ، أي إلغاء " الحق الألهي المقدس " وإخضاع الحكومة لرقابة الشعب علي تصرفاتها ، وفصل السلطات ، وجعل الحكومة سلطة تنفيذية فحسب ، لا سلطة تشريعية .. وثانيا : إعطاء الشعب حقوقه " الإنسانية " التي حرم منها أكثر من ألف عام في ظل نظام الاقطاع .
وفي كلا الميدانين أحرزت الديمقراطية تقدما ضخما بالنسبة لما كان في عهد الإقطاع ، وعهد الحكم بمقتضي الحق الإلهي المقدس .
فقد أصبحت رقابة المجالس النيابة كاملة علي تصرفات الحكومة الرئيسية ، وبصفة خاصة " الميزانية " التي تمثل موارد الدولة ومصارفها ، والتي كانت من اكبر أبواب المظالم الواقعة علي " الشعب " حيث كان الحاكم يفرض من الضرائب ما يحلو له ، بمقدار ما يروي نهمه إلي المال الذي كان معظمه ينفق علي بذخ الملوك والحكام ، وأقله يصرف علي الصالح العام .
لم يعد من حق الحكومة أن تفرض ضريبة – أي ضريبة – إلا بموافقة المجالس النيابة ، ولم يعد من حقها أن تصرف حصيلة مواردها إلا في الأبواب التي توافق المجالس النيابية عليها ، ومن ثم أمسكت تلك المجالس بالزمام بعد أن كانت الحكومات مطلقة اليد في التصرف .. وكثيرا ما كنت تسمع – وما تزال – كلمة " دافعي الضرائب " تتردد في أروقة " البرلمانات " علي ألسنة النواب ، يستصرخون الرحمة علي الفقراء دافعي الضرائب ويطلبون التخفيف عنهم ، أو يطالبون أن تنفق الأموال لمصلحة دافعي الضرائب ، لأنهم هم الذي ينبغي أن يستفيدوا قبل أي أحد آخر بحصيلة الضرائب التي يدفعونها .
ومن ثم ظلت الضرائب – خلال نمو الديمقراطية – تخفف تدريجيا عن الفقراء وتزداد علي الأغنياء ، بعد أن كان الحادث هو العكس تماما ، حيث كان الأغنياء يستمتعون بالثروات الطائلة ولا يدفعون عنها ضرائب علي الإطلاق ، أو يدفعون ضرائب تافهة لا تكاد تذكر ، ولا تؤثر أي تأثير علي ثرواتهم الضخمة ، بينما الفقراء هم الذين يتحملون عبء الضرائب الأكبر‍! كما وجه الصرف من موارد الدولة – وأهمها الضرائب بطبيعة الحال – علي المشروعات العامة التي تصل فائدتها لأكبر عدد من الناس الذين يوصفون بصفة خاصة بأنهم دافعوا الضرائب ، فزاد الانفاق تدريجيا علي التعليم ، وعلي الصحة العامة ، وعلي المرافق العامة من طرق وجسور وخدمات ، وقل الانفاق في ذات الوقت علي مشروعات الترف التي لا تفيد إلا القلة المترفة من الشعب ، بعد أن كانت مثل هذه المشروعات هي الشغل الأول للحكومات السالفة وتنفق فيها الأموال الطائلة .
ولم تمر قضية الضرائب سهلة حتي فيما يسمي " المجالس النيابية " فقد كانت تلك المجالس في أول عهدها تمثل الأغنياء أكثر مما تمثل الفقراء ، أو تمثلهم دون الفقراء في كثير من الأحوال ، إذ كانت شروط الترشيح إلي المجالس النيابية ذاتها موضوعة بحيث لا يمر منها إلا أصحاب الثروات ويعجز عنها الفقراء ، لكي يمنعوا منعا من الدخول إلي البرلمانات وإزعاج أصحاب الأموال بصيحاتهم الكريهة إليهم !ولم ينل الفقراء حق الترشيح إلا بعد جهاد طويل ومرير ، فاستطاعوا – بعد دخولهم – أن يعدلوا نظم الضرائب في بلادهم ، ويحققوا قسطا من العدالة في المغانم والمغارم سواء.
ولم تكن المجالس النيابية هي وحدها التي تدور فيها المعركة حول الضرائب ، فقد كانت الصحافة والخطابة والكتب المؤلفة تشارك جميعا في الناقش والحوار والهجوم والدفاع . وكان من أهم ما قيل في هذا الصدد إن توحيد نسبة الضريبة علي الشئ الواحد بين الفقراء والأغنياء هو ظلم بين علي الفقراء ، لأنهم يدفعون الضريبة من قوتهم الضروري الذي لا تقوم حياتهم بغيره ، بينما الأغنياء يدفعون من فائض أموالهم ، أو من فائض الفائض المتراكم عاما بعد عام ! لذلك استحدث في الأخير نظام الضرائب التصاعدية التي تزيد فيها نسبة الضريبة زيادة مطردة كلما زاد الدخل .. فالألف الأولي غير الألف الثانية ، والثانية غير العاشرة .. فإذا كانت الأولي يخصم منها عشرة ضرائب ( علي سبيل المثال ) فالعاشرة قد يخصم نصفها أو ثلاثة اخماسها .. وهكذا .
اما الضرائب غير المباشرة ، أي الضرائب المفروضة علي الأشياء المشتراه أو المستخدمة لا علي الدخل ، فقد كانت وما تزال موضع النقاش في البلاد الديمقراطية ، لأنه لا يمكن التمييز فيها بين الأغنياء والفقراء ! لا يمكن مثلا أن يقال : إذا اشتري الغني رغيف الخبز فعليه أن يدفع له ثمنا أكبر مما يدفع الفقير فيه ! إنما يقال في الحوار أنه ينبغي إلغاء الضرائب أو تخفيفها عن " الضروريات " ورفعها علي " الكماليات" ثم يظل النزاع قائما في تعريف ما هو ضروري وما هو كمالي من الأشياء . ولكن الاتجاه علي كل حال يظل مائلا إلي التخفيف عن الفقراء والزيادة علي الأغنياء .
وبالنسبة للانفاق كذلك لم تكن المعركة يسيرة حتي في المجالس النيابية ذاتها .. فحين كانت تلك المجالس ممثلة للأغنياء دون الفقراء لم تكن قضايا مثل التعليم الإلزامي ومجانية التعليم تمر بسهولة ! بل كان " نواب الشعب " ( هكذا كان اسمهما علي الدوام من البدء إلي الختام ) كانوا يعارضون في نشر التعليم حتي يشمل الفقراء من أبناء الشعب ! وكانت تدور مناقشات حادة في البرلمانات ، يقال فيها إنه لا يجوز تعليم كل الناس ، وإلا فمن أين نأتي بعمال يعملون في المصانع ؟! فإن أبن العامل إذا تعلم سيستنكف أن يعمل بيديه كما كان يعمل أبوه ! وسيطالب بوظيفه ، وأنّي لنتا أن ندبر وظيفة لكل متعلم ! ثم من اين نحصل علي الخدم ! فسوف يستكبر المتعلمون وسيرفضون الخدمة في البيوت ،فتفسد حياتنا وتتعطل مصالحنا !
وكذلك قضايا الصحة والمرافق العامة ! كان " النواب" المحترمون يعارضون في تعميمها حتي يستفيد منها الفقراء .. ويقولون إن هذه ليست مسئولية الحكومة ! إنما كل واحد يدبر لنفسه ، وكل واحد حر فيما يصنع لنفسه!.
وهكذا .. وهكذا في كل القضايا " العامة " التي يعود النفع فيها علي الشعب " دافع الضرائب " !.
وإنما تغير الحال بعد جهاد طويل ، حين ألغيت أو خففت القيود المفروضة علي دخول المجالس النيابية فصار هناك من يدافع عن مصالح الفقراء ويطالب لهم بالتعليم الإلزامي المجاني ، وبتوفير العلاج والرعاية الصحية ، وتيسير الخدمات العامة ، وأصبحت هذه نقطة بارزة من نقاط الديمقراطية .
  

كذلك شملت الرقابة البرلمانية أعمال الحكومة الأخري غير الميزانية بمواردها ومصارفها – وإن ظلت هذه أهم نقاطها – فقد كفت المجالس النيابة يد الحكومة تدريجيا عن " الأفراد" أفراد " الشعب " ، فزادت بذلك من " حرية " أولئك الأفراد .
لقد كان الأغنياء – بحكم أموالهم ومكانتهم في الدولة – في حصانة من سلطان القانون وإن كانت الدساتير لا تقول ذلك بصفة رسمية . وقد كان القانون الروماني – الشهير بعدالته !- ينص صراحة علي التفرقة القانونية بين السيد والعبد ، فيحيط الأول بضمانات وحقوق كثيرة ، ويخفف عنه العقوبة إذا أجرم ، بينما يحيط الأخير بكثير من القيود ، ويشدد عليه العقوبات علي أقل هفوة تصدر عنه .
وألغت الديمقراطيات هذه التفرقة في نصوصها المكتوبة ، ولكنها ظلت قائمة في عالم الواقع فترة غير قصيرة ، حتي تراجعت عنها الحكومات خطوة خطوة بجهاد طويل وكفاح قامت به الشعوب ، فأخذت الضمانات والحقوق تتسع لتشمل فئات جديدة من " الشعب " حتي صارت تشمله كله في نهاية المطاف.
ويمن تلخيص هذه الحقوق والضمانات فيما يلي :
حق الانتقال:
لم يكن حق التنقل من مكان إلي مكان مكفولا في ظل الاقطاع ، فقد كان معظم الناس عبيدا أو في حكم العبيد ، وكان هذا من المظالم التي قامت الثورة الفرنسية لتحطيمها ، وإن تكن الرأسمالية الناشئة كانت ذات مصلحة خاصة – في نفس الوقت – في تحطيم هذا القيد، لتحصل علي العمال اللازمين للصناعة ، والذين كانت قيود الإقطاع تحجزهم في الريف وتمنعهم من الوصول إلي المدينة .
ولكن الأمر لم يتم في يوم وليلة ، فقد ظل "الفقراء " خاضعين لكثير من القيود في تنقلاتهم ، تطاردهم الشرطة وتتهمهم بالتشرد وتطالبهم بإثبات أنهم ليسوا مجرمين ! وبإيجاد مبرر مقبول لوجودهم حيث هم موجودين ! بينما الأغنياء يذهبون حيث يشاءون لمجرد أنهم أغنياء ، ومن ثم فهم غير مشبوهين ! .
ورويدا رويدا أخذت تلك القيود المفروضة علي حرية التنقل تذوب ، وأصبح كل إنسان – مهما يكن عمله أو مكانه في المجتمع – حرا في أن يتنقل داخل الدولة الواحدة ما دام " مواطنا " في تلك الدولة . وكانت كلمة المواطن ذاتها من المعاني التي استحدثتها الديمقراطية ، فأصبح المواطنون جميعا متساوين – نظريا – في جميع الحقوق والواجبات بحكم انهم جميعا مواطنون في وطن واحد ، وأصبحوا بالفعل متساوين في كثير من الحقوق . أما المساواة التامة فلنا مراجعة بشأنها فيما بعد .
ونلحظ من لفظة "المواطن " في اللغات الأوروبية “ Citizen " أنها نبعت من المدينة “ City " فمن هناك بدأت حركة المطالبة بالمساواة ، ومن هناك طالب المطالبون بأن يتساوى كل السكان – أي سكان المدينة – في الحقوق والواجبات ، وبعد أن نالت المدينة حقوقها عمم ذلك علي جميع السكان في الوطن كله ، ولكن اللفظة الأوروبية لم تتغير ، وظل اشتقاقها من المدينة باقيا حيت بعد أن اتسع مدلولها فشملت كل السكان . أما اللفظة العربية فقد ترجمت متأخرة ، حين بدأت الأفكار الديمقراطية تصبح موضع حديث في البلاد الإسلامية الناطقة بالعربية ، فأخذت المدلول الأخير للكلمة ، المتصل " بالوطن " كله لا بالمدينة فحسب .
حق العمل:
فرق بين أن يعمل بعض الناس في الأعمال التي يستطيعون الحصول عليها وبين أن يكون حق العمل مقررا بمعني أن كل طالب عمل ينبغي أن ييسر له الحصول علي العمل الذي يصلح له .
ولم يكن هذا الحق مقررا من قبل ، واحتاج تقريره إلي جهاد طويل لكي يتقرر نظريا في مبدأ الأمر ثم عمليا بعد ذلك .. وإن كان من الواجهة العملية لم يتقرر كاملا إلي هذه اللحظة في الديمقراطيات الرأسمالية لأسباب سنشرحها بعد قليل .
في ظل الإقطاع الذي عاشت فيه أوروبا أكثر من ألف عام لم يكن " حق العمل " شيئا معروفا ولا كان هناك مجال للحديث فيه ، فقد كانت الزراعة هي العمل الرئيسي للمجتمع الاقطاعي ، وسكان القرية أو الأقطاعية يعملون بحكم الأمر الواقع في أرض الإقطاعية التي يعيشون فيها ، قلوا أو كثروا ، وقلت الأرض أو كثرت ، فالأرض ومن عليها ملك للإقطاعي ، يعملون في حقوله ، ويوزع بعض الأرض عليهم مقابل جعل معين ليزرعوها لأنفسهم إن أمكنهم أن يوفوا بالجعل المتفق عليه ، والذي يحدده الإقطاعي حسب هواه دون ضابط معين ، فكل من كبر من الأولاد الذكور من سكان القرية فهو يعمل تلقائيا في الأرض ، يعاون أباه وأسرته ويسكن في بيت الأسرة ، ويأكل من طعامها قل أو كثر ، ويلبس ما تتيح له الظروف أن يلبس من المنسوجات اليدوية التي تنتجها القرية ، والحياة قليلة التكاليف وإن كان الكل يعيشون عيشة الفقر المدقع ولا يجدون غير الكفاف .
أما في المدينة فقد كان يسكن فريق من موظفي الدولة وهم قليلون ، وفريق من أصحاب الصناعات اليدوية – وهي الصناعات الوحيدة يومئذ – وفريق من التجار ، وفريق من أصحاب الحوانيت التي تبيع الحاجيات للناس ، وأصحاب المقاهي والنزول ( الفنادق الصغيرة ) وفريق من المرابين اليهود ، وفريق من أصحاب الثروات من الإقطاعيين الذين يتنقلون دائما ما بين المدينة وبين بيوتهم – أو قلاعهم – في داخل إقطاعياتهم ، وفريق من البغايا اللواتي يعشن علي بيع أجسادهن لمن أرد من كل هؤلاء ، وبصفة خاصة أصحاب الثروات .
خلاصة القول أن كل واحد من سكان المدينة له عمله الذي يعيش منه ، أوله ثروته التي تكفل له الحياة هناك بلا عمل .. ولا يتكلم أحد عن حق العمل في الريف ولا في المدينة ، لأن الحاجة إليه لم تكن قد برزت بعد في ذلك المجتمع في ذلك الحين .
ولكن الثورة الصناعية قلبت هذه الأوضاع كلها وغيرها ، حين توافد إلي المدينة اعداد هائلة من العبيد المحررين من الإقطاع بعد تحطيمه يبحثون عن العمل في المدينة ، ولم تكن الصناعات الناشئة تستوعب ذلك العدد كله وقتئذ ، ولا كانت هذه الصناعات مستقرة ومتمكنة ، فقد كان كثير منها يفلس لأسباب مختلفة وتقوم مقامها مشروعات جديدة وهكذا .
ومن طبيعة العامل الذي نزح من الريف إلي المدينة ألا يحب الرجوع إلي الريف ولو بقي عاطلا في المدينة ! فإنه بعد أن يعيش في المدينة الفسيحة المتعددة جوانب النشاط ، ويتعود في حدوده الضيقة علي ألوان من المدينة ، ولا وجود لها في الريف ، ويحس " بالحرية " حريته في أن يتصرف في أموره الشخصية كيف يشاء دون تدخل أو تحريج من مجتمع المدينة ، بينما مجتمع الريف محكوم أبدأ بتقاليده ، وبالتعاوف الشخصي بين كل أفراده ، مما يضيق مجال تلك الحرية .. بعد ذلك كله لا يحب أن يرجع إلي الريف الذي " تحرر " منه ، ويفضل أن يبقي متسكعا في المدينة ولو ضاقت به سبل العيش .
ولكن القضية لم تكن قضية هذا الفرد أو ذاك ، إنما صارت قضية ألوف من هؤلاء العمال وألوف تجتذبهم المدينة والبحث عن فرص العمل فيها ، ثم لا تتسع لهم ، وهي في الوقت ذاته تكبل أقدامه " بسحرها " الخاص فلا يفارقونها!
وأصبحت القضية في حاجة إلي حل .. إلي تقرير " حق العمل " للألوف العاطلين في المدينة ، وإيجاد أعمال تستوعبهم . ولم يكن ذلك يسيرا في مبدأ الأمر .. ولا تزال كل الحلول التي تقدمها الرأسمالية غير حاسمة تماما في هذه النقط ، وإن كان قد حدث تقدم ضخم في هذا الاتجاه من خلال المعارك التي قامت من أجل الحل ، وتعرض فيها ألوف من العمال للسجن والتشريد والموت جوعا علي الأرصفة بلا مأوي ، والموت بالسل وغيره من أمراض سوء التغذية وسوء التهوية التدفئة في صقيع أوروبا البارد في الشتاء.
لم يكن الحل سهلا لأكثر من سبب في آن واحد .
ففكرة المسئولية غير قائمة أصلا في ذهن أحد الناس ! فالدولة لم تمارس هذه المسئولية من قبل أبدأ ، ولا تحس أنها ملزمة بممارستها !.
لقد كانت الدولة دائما هي دولة الاغنياء ! تحس بالمسئولية الكاملة عن راحة الأغنياء ورفاهيتهم وصياغة الأمور كلها بحيث تستجيب لمطالبهم وتحقق لهم رغائبهم . أما ذلك الهمل من القطع الآدمية الملقاة هنا وهناك فهؤلاء يتحملون مسئولية انفسهم ! عليهم هم أن يبحثوا عن حكمة وجودهم وأن يدبروا أمورهم بأنفسهم ! فإن ماتوا جوعا فهذا قدرهم ! مع التظاهر بالعطف علي هؤلاء " المساكين" الذين قدر الله لهم الفقر والجوع والمرض والهلاك ، أو مع الشماته فيهم لأنهم لا يستحقون الوجود أصلا ويستحقون كل ما يحدث لهم !
وكانت المعركة مع " ضمير " دولة الاغنياء طويلة ومريرة حتي تزحزحت عن موقفها ا***يد تدريجيا ، ورضيت بأن تتحمل المسئولية عن هؤلاء الفقراء ، وإن كانت المسئولية الكاملة لم تتخذ بعد في أية دولة من الدول الديمقراطية الرأسمالية .
أما أصحاب المصانع فقد كانوا أبعد عن تحمل المسئولية وأقسي في معاملة أولئك الفقراء .
إن فكرة المسئولية بعيدة عن ضمائرهم بعدا كاملا ، وقد قاموا منذ أول لحظة علي غير أساس إنساني .. إنما قاموا علي أساس تحقيق أكبر قدر من الربح ، بأية وسيلة تحقق ذلك الربح ، وكانت الوسيلة القريبة إلي أيديهم هي تطويل ساعات العمل وخفض الأجور إلي أقصي حد مستطاع
وبصرف النظر عن تأثر الرأسمالية كلها بأخلاق اليهود الذين أشرفوا عليها من بدايتها – واليهود هم عبده العجل الذهبي من قديم – فإن الرأسمالية في حد ذاتها نظام جاهلي .. ومن طبيعة الجاهلية أن تظلم المستضعفين ، وأن يطغي فيها أصحاب السلطان علي من لا سلطان لهم ، إلا أن يحجزهم عن الظلم حاجز قهري لا يملكون قهرة بجبروتهم .
ولقد استخدم العمال سلاح الإضراب ضد جشع الرأسماليين فكانوا يضربون عن العمل ويطالبون بخفض ساعات العمل ورفع الأجور وهنا تلجأ الرأسمالية إلي " جيش العاطلين" تشغهم بدريهمات قلية مستغلة جوعهم وحاجتهم القاسية إلي المال ، لتضغط بهم علي العمال المضربين حتي يعودوا إلي أعمالهم صاغرين ( ومن هنا كان تشغيل المرأة بنصف أجر ، الذي بدأت منه " قضية المرأة " بادئ ذي بدء ثم استفحلت فصارت قضية مساواة كاملة في كل شئ )
لذلك كان الجو من أول لحظة بين الرأسماليين والعمال هو جو العداء والصراع لا جو المودة والتراحم ، فلم يكن من المتصور أن يتحرك ضميرا الرأسماليين بالشعور بالمسئولية تجاه أولئك " الأعداء" الذين يريدون أن ينقصوا من أرباحهم بالمطالبة بخفض ساعات العمل ورفع الأجور تارة ، والإضراب عن العمل وتعطيله تارة أخري !
ولم يشعروا بهذه المسئولية عن طيب خاطر أبدأ في يوم من الأيام ! إنما كانوا يتراجعوا عن مواقعهم خطوة خطوة تحت تأثير التهديد المستمر .. وكل ما قامت به الرأسمالية من ضمانات للعاطلين إنما كان تحت تهديدين عظيمين : تهديد الإضراب الذي يصيبهم بقدر من الخسائر اكبر مما يتنازلون عنه من فائض أرباحهم للعمال ، وتهديد الشيوعية !
وشيئا فشيئا أخذت هذه الجاهلية تعدل مواقفها من " حق العمل " سواء علي مساوي الدولة أو مستوي الرأسمالية الحرة ، حتي قبلت أخيرا مبدا المسئولية وإن لم تقم به كاملا إلي هذه اللحظة .
وثمة صعوبة أخري تفق أمام حق العمل الشامل في الرأسمالية ، هو أن الأعمال بالطريقة التي تقوم بها الرأسمالية لا تتسع لكل الأيدي الراغبة في العمل أو القادرة عليه ، خاصة وأن التقدم " التكنولوجي " يزيد باستمرار من قدرة الآله علي الإنتاج ويخفض من عدد الأيدي اللازمة لإدارتها ، فتحدث زيادة مستمرة في الأيدي العاملة الفائضة عن الحجم الذي يحتاج العمل إيه ، وتتعقد المشكلة باسمرار .
التوفيق بين الطبقتين المتصارعتين في المجتمع الرأسمالي وهما طبقة العمال ( أي الشعب !) وطبقة الرأسماليين ، قامت بجهد متواصل حتي قررت حق العمل من حيث المبدأ وجعلت الدولة ترضي بتحمل مسئوليتها في هذا الشأن .
وحين نقول " الديمقراطية " فنحن نقصد في الواقع كفاح الطبقة المظلومة تمنح الحقوق للراغبين ! وإلا فإن النظام البرلماني في ذاته وهو أداة الحكم في الديمقراطيات – لم يتسع لحقوق الفقراء إلا تحت القهر والضغط .. فإذا كانت هذه الحقوق قد أصبحت اليوم سمة من سمات الديمقراطية فليس لأن الديمقراطية ولدت علي هذه الصورة ، أو انها يمكن أن توجد تلقائيا في أي بلد علي هذه الصورة ! ولكن لأن صراعا حادا نشب ، هو الذي أعطي الأوضاع صورتها الراهنة ، ولو لم يقم ذلك الصراع لبقيت الديمقراطية كما كانت حكما صرفا للأغنياء دون الفقراء !.
حق التعليم:
لم يصبح التعليم حقا" للشعب " في أوروبا إلا بعد كفاح مرير .
ففي ظل الإقطاع لم يكن للتعليم كله شأن يذكر. ولكن السادة علي أي حال كانوا يتعلمون في القصور ما يليق بهم من العلم في ذلك الحين . يتعلمون اللاتينية والإغريقية والشعر والأدب ونصوصا من الكتاب المقدس وشيئا من الحساب وما شابه ذلك . أما أبناء الشعب فإن تعلموا شيئا من الكتاب المقدس علي دي راعي الأبرشية فذلك حسبهم وزيادة ! فما الذي يصنعون بالعلم وهم في داخل سياج القرية أو الإقطاعية قد لا يفارقها الواحد منهم طيلة حياته إنما يتلقي الصبي منهم " ثقافته " من أحاديث الكبار التي يرددون فيها خبراتهم التافهة عن الأرض والمحاصيل والضرائب والواجبات المفروضة عليهم وزواج فلان من أهل القرية او موت فلان .. وأقاصيص الثراء في قصر " النبيل" صاحب الإقطاعية وما يقيم في قصره من مأدب وولائم ، وما يقع منه ومن وكيله من مظالم علي العباد !
لذلك كانت الأمية هي الغالبة علي" الشعب " وكان المتعلمون قلة نادرة في كل أبواب التعليم ، معظمهم بطبيعة الحال من أهل المدن ، حيث توجد المدارس ، وحيث أهل المدينة يحتملون نفقات التعليم.
ثم جاءت الثورة الفرنسية ثم الثورة الصناعية فرجتا المجتمع رجا وبدلتا كثيرا من أوضاعه ، ومن بين ما تبدل من هذه الأوضاع تدفق النازحين إلي المدينة من الريف وإقامتهم الدائمة هناك .
وبدأ الطلب علي التعليم يتزايد لأنه كان ظاهرا أن للتعليم مهمة يؤديها في المجتمع الجديد ، وأنه يؤدي إلي تحسين مستوي المعيشة بالنسبة للمتعلمين ، حيث يستطيعون أن يعملوا في غير الأعمال اليدوية التي تركت للجهلة من العمال الذين لا يحتاجون في عملهم إلي ثقافة ولا تعليم .
وبدأت صيحات المصحلين تطالب بتعميم التعليم وتوسيع دائرته حتي يشم لعددا أكبر من التلاميذ والطلاب وثارت ثائرة " المحافظين " في المجتمع وفي المجالس النيابية ذاتها ، لماذا نتوسع في التعليم حتي يشمل أبناء الشعب ؟ إن التعليم حق لعليه القوم لمكانتهم في المجتمع ، فهم الذين يقودون ويوجهون ويتحملون المسئولية عن الشعب كله .. ثم إنهم هم القادرين علي دفع نفقات التعليم ، فلا يكلفون الدولة في تعليمهم إلا القليل .
أما الفقراء فلماذا يتعلمون ؟ ما حاجتهم إلي العلم ؟ ومن أين لهم النفقات التي يتطلبها التعليم ؟ وما نتيجة تعليمهم وما انعكاسها علي المجتمع ؟ إنهم إن تعلموا فسسيتنكفون أن يعلموا بأيديهم المجتمع في حاجة إلي من يعمل بيديه ، فكيف نلبي حاجات المجتمع أن علمنا أبناء الفقراء ؟!
ثم إن العلم يحتاج إلي أخلاق ! وأبناء الفقراء لا أخلاق لهم ! وسيهبط المستوي الخلقي في المدارس بسبب دخول أبناء الفقراء ، فلا يصبح لائقا بأبناء العلية الذين يتعلمون وحدهم تقريبا في ذلك الحين – فكيف يتلقي أبناء العلية حظهم الضروري من العلم إذا فتحت المدارس " للغوغاء ط ؟
وحتي المستوي العقلي لا يمكن أن يكون واحدا بين ابناء الاغنياء وأبناء الفقراء ، وسيهبط المستوي التعليم بسبب دخول أبناء الفقراء الذين يتسمون بالغباء والتخلف العقلي لأنهم من الطبقة الدنيا ! ولو كانوا أذكياء ما بقوا في تلك الطبقة .. وإنما هم بقوا هناك لعجزهم العقلي والنفسي الذي لا يمكن شفاؤه !
وشيئا فشيئا تراجعت " الأرستقراطية " عن أفكارها ومواقفها ووافقت علي توسيع دائرة التعليم حتي يتسع لعدد أكبر من أبناء الشعب ، وإن كانت عقبة التمويل ظلت توضع امام كل مطالب بتوسيع التعليم ، لكي يكف عن المطالبة التي تقلب بال الاستقراطية وتهددها بأن تنزع منها تفردها وتميزها .
وجاء اليوم الذي طالب فيه الطالبون بجعل التعليم إجباريا علي نفقة الدولة واحتدمت معركة حامية حول هذا الشأن لم تهدأ من قريب .
اعترض بعضهم بأن الميزانية لا يمكن أن تكفي ولو حولت كلها للتعليم !
واعترض بعضهم بأنه لا توجد المباني الكافية ولا المدرسون اللازمون !
واعترض أخرون بأن مستوي التعليم سيهبط لا محال لأن الفصول ستكتظ بالتلاميذ فلا يمكن توجيه ا***اية اللازمة إليهم .
واعترضت الاستقراطية بأنها لن تجد الخدم بعد اليوم ولن تجد العمال الذين يعلمون بأيديهم ، وسيعود هذا بالوبال علي المجتمع كله !
ولكن دفعة الجماهير والمدافعين عن حقوقهم كانت من القوة بحث تغلبت علي جميع الاعتراضات ، وتقرر حق التعليم بعد صراع مرير ، وبعد جهد جهيد بذل في التغلب علي العقبات الحقيقية كقلة موارد الميزانية وقلة المباني وقلة المدرسين .
واختلفت البلاد في تحديد مرحلة الالزام التي تتحمل الدولة كل نفقاتها ، هل تكون بسنوات محددة من العمل ، والتلميذ يحصل ما يحصل في تلك الفترة بحسب قدرته علي التحصيل ؟ ام تكون بمستوي تعليمي معين أيا كانت السنوات التي يقضيها التلميذ فها حتي يكملها ؟ وهل تكون هي المرحلة الابتدائية وحدها ؟ أم الاعدادية أم الثانوية .( ولم تدخل المرحلة الجامعية في هذا النطاق ) كما اختفلت فيما يفعل بالطالب الذي يتكرر رسوبه هل يفصل ؟ وإذا فصل أين يذهب ؟ أم يحول إلي تعليم آخر يتناسب مع مقدرته العقلية .. إلخ … إلخ ولكن مبدأ التعليم العام الذي تنفق عليه الدولة تقرر علي أي حال .
وحين كانت هذه المعركة علي أشدها كانت معركة المرأة تلاحقها !
فحين تقرر مبدأ التعليم العام كان الحديث فيه عن الأولاد فقط .. أما البنات فيتعلمن – نعم – إن شئن لكن عن نفقة أبائهن ، ولا تتحمل الدولة نفقات تعليمهن كلهن !
ولكن المطالبين بحقوق المرأة كانوا لا يتوانون عن الملاحظة ،وعن طلب المساواة مع الرجل في كل شئ !
ومن ثم فقد شمل التعليم العام النبات في آخر الأمر ، ووضع لهن ذات المناهج المعدة للبنين وكان بعد ذلك ما كان من دخول الجامعة والاختلاط والمطالبة بحق العمل كالرجال سواء !
وأيا يكن الأمر فقد اتسمت الديمقراطية بتلك السمة ، وأصبح التعليم العام المجاني معلما من معالم الديمقراطية ، ولكن ينبغي أن نذكر في كل مرة أن صراع الجماهير وضغطهم المستمر هو الذي وسم الديمقراطية بتلك السمة في النهاية ، ولم تكن كذلك من مبدئها ، ولا كان في نية القائمين عليها أن تصبح كذلك في نهاية الطريق !
الحقوق السياسية:
حق الانتخاب – حق الترشيح- حرية الكلام – حرية الاجتماع – حق الاحتجاج
مع نمو الديمقراطية نمت الحقوق السياسية للشعب . بل إن الحقوق السياسية هي في الواقع أبرز السمات الديمقراطية في صورتها النهائية التي استقرت عليها .
وخلاصة الحقوق السياسية أن يكون للشعب حق الإشراف علي الحكومة وتوجيهها وحق نقدها والاعتراض علي أعمالها .. ويتخذ ذلك صورتين متكاملين إحداهما هي التمثيل النيابي ويحوي حق الانتخاب وحق الترشيح لدخول البرلمان ، والثانية حق الاجتماع وإبداء الرأي خار البرلمان ، ويشمل الصحافة والاجتماعات السياسية والمظاهرات السلمية التي تقام للمطالبة بأمر معين أو الاحتجاج علي أمر معين .. وكل هذه الأمور لم يكن للشعب منها نصيب علي الإطلاق قبل الديمقراطية ، وحتي حين بدأت الديمقراطية تتخذ شكل التمثيل النيابي فإن " الشعب " لم يكن ممثلا هناك ، ولا كان مسموحا له أن يلج هذا الميدان رغم ما كان مكتوبا في ديباجات الدساتير من عبارات " الحرية والاخاء والمساواة !" إنما نال الشعب كل ذلك العرق والدماء والدموع ! بالسجن والتشريد والاضطهاد وجميع ألوان المحاربة والمعارضة .. فلما ثبت المطالبون وألحوا في الطلب وصمدوا أمام الضغط أخذوا يحصلون رويدا رويدا علي كل هذه الحقوق ، حتي أصبحت اليوم أمرا مقررا في الديمقراطية ، بل أصبحت هي السمة البارزة لهذا اللون من الحكم.
وفي ابتداء الديمقراطية كانت العملية كلها تكاد تكون وفقا علي الأغنياء ! فقد كان ينص نصا صريحا علي أن المرشح ينبغي أن يكون مالكا لنصاب مالي معين ، وأن يثبت ذلك بإثباتات رسمية حتي يباح له أن يدخل المعركة الانتخابية .
وفضلا عن ذلك فإن نفقات الدعاية الانتخابية كانت – ومازالت – في طوق الاغنياء وحدهم دون الفقراء ، كما أن الناخبين أنفسهم كانوا خاضعين لقيود تجعل عددهم ضئيلا وفرصة التأثير عليهم بشتي الوسائل ( حتي شراء الأصوات بالمال !) فرصة كبيرة ، لذلك كان " نواب الأم " أبعد ما يكونون عن تمثيل الأمة في حقيقة الأمر !

ورويدا رويدا – تحت تأثير الاحتجاج المستمر من " الشعب " بكل وسائل الاحتجاج – خففت القيود علي الناخبين والمرشحين كليهما ، فظل النصاب المالي يخفف عن المرشحين وألغي إلغاء كاملا عن الناخبين مع تخفيض السن التي يجوز فيها الترشيح والتي يجوز فيها الانتخاب حتي صارت الآن إحدي وعشرين سنة لهذا وذاك في معظم بلاد الأرض .
وقد استغرق هذا زمنا طويلا حتي تقرر ، كما احتاج إلي نضال مستمر ، مع التعرض الدائم للمتاعب حتي أصبح اليوم من البديهيات المقررة التي لا تحتاج إلي ذكر ، فأصبح من حق أي إنسان بلغ إحدي وعشرين سنة أن يكون له صوت انتخابي بشرطين أثنين ، الأول أن يكون مقيدا في الدائرة التي يريد أن يدلي فيها بصوته والثاني ألا يكون قد صدر ضده حكم في قضية مخلة بالشرف والشرف في عرفهم لا يتعارض مع الإباحية الجنسية بطبيعة الحال ولا مع العربدة والمجون ! إنما يتعارض فقط مع الاغتصاب ومع السكر الذي تصحبه جريمة ! كما تعتبر السرقة والغش والاحتيال .. إلخ جرائم مخلفة بالشرف ) كما أصبح من حق أي إنسان بلغ هذه السن ويجيد القراءة والكتابة ولم يصدر ضده حكم في قضية مخلة بالشرف أن يرشح نفسه للبرلمان ( ولا ننسي أن المرأة ظلت تلاحق الرجل في هذه الحقوق حتي نالتها في كثير من الديمقراطيات في الفترة الأخيرة )
وفي داخل البرلمان توضع كل الضمانات التي تتيح للعضو أن يعبر عن رأيه ، وأن ينتقد الحكومة سواء اعضاؤها أو رئيسها بما شاء من وسائل النقد وعباراته إلا أن يكون سبب شخصيا صريحا … ويحاط العضو " بالحصانة البرلمانية " التي تكفل عدم محاسبته علي أي عبارة يتفوه بها داخل البرلمان ( ما تكن سببا شخصيا كما قلنا ) وإن كان يحق للحكومة أن تطلب من البرلمان رفع الحصانة البرلمانية عن أحد الأعضاء إذا رأت أنه تجاوز الحرية المباحة له ، وعندئذ يقدم للمحاكمة إذا وافق البرلمان علي الحصانة عنه ( وقد يكتفي بتأديبه بمنعه من حضور عدد من الجلسات أو يطرد نهائيا من البرلمان وتخلو دائرة للانتخاب فيها من جديد)
وبهذه الضمانات يملك العضو – نظريا علي الأقل – حرية واسعة وإمكانية ضخمة لتوجيه الحكومة إلي الطريق الذي يري أنه هو الصواب ، ويملك البرلمان في مجموعة - نظريا كذلك علي الأقل – سلطة توجيه الحكومة وتقييد تصرفاتها وجعل الشعب حارسا علي هذه التصرفات .
أما في خارج البرلمان فالحقوق السياسية تتضمن حرية التعبير عن الرأي – بكل وسائل التعبير – وحرية النقد وحرية الاحتجاج .
فأما التعبير عن الرأي سواء بالتأييد أو المعارضة فيأخذ صورة الانتماء الحزبي ، أي حرية أي إنسان في الانتماء إلي أي حزب من الأحزاب القائمة – مادامت ليست محظورة بأمر القانون – والكتابة في الصحف ( ووسائل الإعلام الأخري في البلاد التي تكون الإذاعة والتلفزيون فيها مملوكين لشركات وهيئات وليسا مملوكين للحكومة ، كإنجلترا وفرنسا وأمريكا ) والخطابة في المنتديات العامة والخاصة ، والاشتراك في مظاهرة سلمية بعد الحصول علي إذن من السلطات بقيام المظاهرة ( وكثيرا ما تقوم المظاهرات بغير إذن ! وعندئذ تتصرف السلطة بما تراه مناسبا : إما أن تعترف بالأمر الواقع إذا رأت أنه لا ضرر من المظاهرة وإما أن تصطدم بها وتفرقها وتقبض علي بعض زعمائها وتقدمهم للمحاكمة !)
وأما الاحتجاج فيأخذ صورة الاضراب عن العمل وتشكيل المظاهرات ، وهو نوع من التعبير عن الرأي علي أي حال وإن كان أكثر خشونة من سابقة ، لأنه يتجاوز النقد إلي الاحتجاج .
ويشمل هذا وذاك حرية الاجتماع ، أي حق الناس في أن يجتمعوا في أي مكان ليتدارسوا أمرا معينا أو ليبدوا رأيهم في موضوع معين أو لينتقدوا تصرفا معينا من تصرفات الحكومة أو ليحتجوا علي شئ من ذلك كله .
وتكون الاجتماعات عادة في مقار الاحزاب ، وهذا لا تحتاج عادة إلي طلب تصريح من السلطة مادام الحزب مصرحا به أصلا ، إلا أن يكون دعوة عامة إلي مؤتمر أو اجتماعا مكثفا في مكان غير مقر الحزب ، أو أوسع من المقر بحيث يشمله ويشمل امتداد له في الطريق العام .
أو تكون في الجامعات أو في قاعات المحاضرات العامة ، أو في الطريق العام ، وهذه تحتاج إلي تصريح مسبق من السلطات .
وكل هذه الحريات ، التي أصبحت اليوم من البديهات المقررة في الديمقراطية لم تكن كذلك يوم بدأت الديمقراطية في الظهور ، بل كانت القيود شديدة جدا والحريات ضئيلة ، فلا الصحافة كانت تملك الحرية الواسعة في النقد ، ولاحرية الاجتماع كانت قائمة ، ولا حرية الاحتجاج ، إنما فرض " الشعب " كل ذلك فرضا علي الحكومات بالضغط المستمر والإلحاح الدائب ، والتعرض للسجن والاعقال والترشيد ويحفل التاريخ " الديمقراطي " ! بألوان من الأضطهاد ذاقها المدافعون عن هذه الحقوق حتي أصبحت أمرا مقررا و " تقاليد " مرعية في الديمقراطيات . وإلا فقد كان كل نقد حاد في الصحف يعتبر خروجا علي القانون تصادر الصحيفة من أجله ويمنع صدورها ويحبس محرر المقال والمسئولون عن الصحيفة بسببه ، وكان كل اجتماع يعتبر شغبا ويفرق بالقوة ، وكانت المظاهرات تعتبر عملا غير مشروع يعاقب عليه بالسجن أوالاعتقال أي مدة من الزمن دون محاكمة !
واحتاج الأمر إلي ضغط البرلمانات وضغط الخطباء والكتاب لتعديل القوانين التي تبيح ذلك كله ، وتقييد يد الحكومة في التنكيل باعدائها السياسيين أو بالشعب عامة ،حتي " تعودت" الحكومات ان تستمع للنقد وهي ساكتة ن وأن تترك لمطاردتهم أو كفهم عن الاحتجاج والاعتراض .
وإذا قلنا أن مائة سنة علي الأقل من النضال المستمر قد استغرقت حتي وصلت بالأمر إلي صورته الحالية لا نكون مبالغين في ذلك ، فإننا ما نزال نري ذيولا للمعركة حتي وقتنا الحاضر رغم كل ما قررته الديمقراطيات من الحريات ، كان آخرها مظاهرات ا***ف في فرنسا منذ سنوات ، وما تقوم به الاحزاب الشيوعية من المعارضة ا***يفة في كل بلد ديمقراطي سمح للأحزاب الشيوعية فيه بالنشاط !
وبصرف النظر عن اتجاه الحرية في البلاد الديمقراطية فلا شك أن الحرية السياسية من أبرز ما تشتمل عليه الديمقراطيات ومن أهم ما تشتمل عليه .
  

أما الضمانات التي كسبها الشعب في ظل الديقراطية فهي ضمانات الاتهام ، وضمانات التحقيق ،وضمانات الحكم ، وضمانات التنفيذ . ولنقل كلمة سريعة عن كل منها لنصف بعد ذلك موقف الديمقراطية منها.
أما ضمانة الاتهام فمقتضاها ألا يؤخذ الناس بالظنة وأنهم لا يحبسون ولا يعتقلون إلا بمقتضي تهمة حقيقية تستوجب ذلك . وليس معناها بطبيعة الحال أن كل من اعتقل أو حبس لابد أن يكون مجرما بالفعل ، فقد يظهر التحقيق براءته فيفرج عنه ، إنما معناها فقط أنه لابد أن تكون هناك قرينه أو شبهة حقيقة علي الأقل في أنه ارتكب محرما بنص القانون ، وليس لمجرد أنه " ضايق" الحكومة بعمل من الأعمال فتنتقم منه بالحبس أو الاعتقال !
وأما ضمانة التحقيق فمقتضاها ألا تستخدم مع المتهم أية وسيلة من وسائل الضغط لحمله علي الاعتراف بما لا يريد أن يعترف به سواء كان الضغط بالتهديد أو بالاغراء ( كأن يقال له إذا اعترفت فسنخفف عنك العقوبة أو سنطلب سراحك ، ويكون هذا للإيقاع به ، أو لاستخلاص معلومات معينة منه )
وأما ضمانة الحكم فهي أن يحكم علي المتهم بالعقوبة التي يقررها القانون بلا زيادة ، ويكون للمحكوم عليه حق استئناف الحكم ونقضه إذا رأي أنه مجحف به .
وأما ضمانة التنفيذ فهي أن تنفذ العقوبة التي قررتها المحكمة بلا زيادة ، ويكون للمحكوم عليه حق الاحتجاج علي أي زيادة يري أنها وقعت عليه بغير وجه حق .
وككل شئ في الديمقراطية لم يحصل الشعب علي هذه الضمانات في يسر ، ولا كانت من مقررات الديمقراطية حين قامت في البدء .
فقد كانت الديمقراطية قائمة – في أول عهدها – والشعب مطارد مضطهد بلا ضمانات تحميه !
كان من حق الشرطة أن تقبض علي أي إنسان وتودعه السجن ، وكان ذلك في الغالب لإحدي " جريمتين " الفقر أو معارضة الحكمة! فأما الفقر فقد كان يبيح للشرطة القبض علي أي إنسان بتهمة " التشرد !" وعليه هو أن يثبت ما يخالف ذلك ! وليس علي الشرطة أن تثبت " الجريمة " ! فالشبهة كافية والقانون – الذي وضعه الاغنياء –يوافق علي ذلك ! ويجعل الناس متهمين حتي تثبت براءتهم ، وذلك حتي يكون " الفقراء " تحت تهديد دائم يمنعهم من الخروج عن الأدب اللائق في حق الاغنياء !
وأما معارضة الحكومة فيالها من جريمة تبيح السجن والاعتقال والتشريد ! وما أيسر التهمة ! التحريض علي قلب نظام الحكم ، أو التحريض علي كراهية النظام، او العيب في أي ذات من الذوات " المقدسة " التي لا يجوز العيب فيها !
وجاهد الشعب ، وجاهد أحار الفكر جهادا طويلا مضنيا من أجل تغيير هذه الأوضاع كلها ، حتي تقرر في الدساتير أولا ثم في الواقع العملي بعد ذلك أن " المتهم برئ حتي تثبت إدانته " وليس مدينا حتي تثبت براءته كما كان الحال من قبل … وسعي المجاهدون إلي إبطال حق الحكومة في القبض والاعتقال دون سبب ظاهر ، وأصبح من المقرر الآن أنه في خلال مدة محددة من الاعتقال تتراوح بين يوم واحد وأربعة أيام في بعض البلاد لابد أن يقدم المتهم للتحقيق بتهمة واضحة محددة . وحينئذ تحوطه ضمانات التحقيق وهي تشتمل علي حقه في أن يطلب حضور محام عنه أثناء التحقيق لضمان عدم الضغط عليه بالتهديد أو الإغراء . وحقه في ألا يريد علي سؤال المحقق دون أن يتعرض من أجل ذلك للتعذيب ، وحق المحامي في أن ينبه المتهم في أثناء استجوابه إلي عدم الرد علي سؤال معين باعتبار أن المحامي أدري منه المزالق القانونية التي يمكن أن يستدرجه المحقق إليها دون أن يلتفت إلي خطورتها عليه .. وباختصار أن تكون الأدلة المادية أو القرائن هي عماد التحقيق ، وليس سحب الاعترافات من المتهم عن أي طريق !
وتعتبر هذه الضمانات اليوم من مقاييس التحضر الإنساني ، وهي جديرة بأن تكون كذلك ، فإن معاملة المتهم تكتشف عن مدي احترام إنسانية الإنسان ، وليس مقياس الإنسانية هو معاملة السيد للسيد أو الند للند فهنا تتحكم عوامل أخري غير احترام الإنسانية في ذاتها ، إنما معاملة " الضعيف " أيا كان سبب ضعفه ، وسواء كان ضعفه عارضا – كالمتهم – أو دائما كالفقير والمسكين واليتيم ..إلخ ، هي التي تكشف ، لأن القوة هنا تغري بالاستبداد بالضعف .. فإذا امتنع القوي – أيا كان سبب قوته ، سواء كانت قوته عارضه – من جاه المنصب – او دائمة – بسبب آخر – إذا امتنع عن إيذاء الضعيف واضطهاده وإذلالة ، فلن يمنعه إلا الشعور " الإنساني " وإلا احترام إنسانية الإنسان .. فإذا كان الذي يمنعه فقط هو القانون ، فالقانون إذن يحمل في طياته احترام إنسانية الإنسان ، حتي لو كان الذين ينفذونه يفتقرون إلي الشعور بالإنسانية .. ومعاملة المتهم بالذات قد تكون اكثر دلالة من غيرها ، لأن الضعف البرئ الذي لاذنب له قد يجد من براءته سندا للعطف عليه عند ذوي القلوب الرحيمة، أما المتهم فشبهة الإدانة تحوطه ، وشبهه استحقاقه للعقوبة قائمة ، فإذا وجدت النفس الشريرة ، المتجبرة بالقوة وبالسلطان ، وإذا وجد الحقد الشخصي بالإضافة إلي ذلك ، كان الانزلاق إلي الإيذاء والتعذيب هو الاكثر توقعا ، وكذلك كان الحال في التاريخ كله في عود الاسبتداد ! المتهم يؤخذ بالشبهة ثم ينكل به تنكيلا دون مبرر حقيقي إلا شهوة الاستبداد ! والشبه هي مجرد خوف " السادة" عي سيادتهم ، ورغبتهم في إحاطة انفسهم بسياج يحفظ لهم هذه السيادة ! ويستوي في ذلك أن يكونوا حكاما ( فتكون القضية سياسية ) أو اغنياء فقط ( فتكون القضية جنائية عادية)
فوضع القيد الذي يقيد السادة فيمتنعون أو يمنعون عن تعذيب المتهم والتنكيل به ، هو تقرير لجانب من جوانب إنسانية الإنسان ، يحسب لا شك في الميزان ، لكن الذي ينبغي أن ندركه هو أن السادة لم يضعوا هذا القيد من تلقاء أنفسهم ، إنما أكرهوا علي قبوله إكراها بالضغط المستمر عليهم ، والإلحاح في المطالبة ، والالحاح في كشف خبيئة نفوسهم الخبيثة ، بصورة تهدد سلطانهم علي الناس ! فإن السلطان – حتي سلطان الجبابرة –يقوم دائما علي قدر من الاحترام ، فإذا ذهب الاحتراف من النفوس صعب أو استحال استمرار السادة في سيادتهم وطغيانهم مهما كان لهم من جبروت .
والذي فجرته الثورة – التي انطلق فيها رد الفعل عن المظالم التي استمرت أكثر من ألف عام – كان هو إزالة القداسة عن ذوي القداسة ، سواء من رجال الإقطاع أو من رجال الدين ، فلماء جاءت الطبقة " المقدسة" الجديدة وهي الطبقة الرأسمالية لم تجد الطريق ممهدا علي نفس الصورة التي كان عليها الإقطاع من قبل ، بل وجدت الثوار – سواء بأفكارهم أو بأعمالهم – يقفون لها بالمرصاد ، ويثيرون السخرية من أعمالها في النفوس ، فتنازلت شيئا فشيئا عن كثر من مظاهر قداستها ( وإن كانت ما تزال بعد تملك الكثير!)
أما ضمانات المحاكمة –بعد ضمانات الاتهام والتحقيق – فهي حق المتهم في إقامة محام يقوم بالدفاع عنه أمام المحكمة ، يختاره بنفسه إذا اكن يملك دفع " اتعابه " ( أي الأجر الذي يتقاضاه مقابل الدفاع عن المتهم ) أو تنتدبه له المحكم مجانا إذا كان فقيرا لا يملك دفع الاتعاب . وحقه في الامتناع عن الرد علي أي سؤال توجهه المحكمة إليه ، وحق المحامي في منعه من الإجابة علي أي سؤال يري من معرفته بالقانون أن الإجابة عليه تضر بالمتهم ، وحقه في استدعاء الشهود الذين يري أن شهادتهم تنفعه في قضيته ، وحق المحامي في طلب التأجيل للاستعداد و المزيد من الدراسة او لتقديم أدلة جديد . ثم حق المتهم في استثناء الحكم إذا رأي أنه جار عليه أو أوقع عليه جزاء لا يستحقه ( ويقابله حق النيابة في استئناف الحكم إذا رأت أنه أقل مما يستحقه المتهم )
وأما ضمانات التنفيذ فهي أولا تنفيذ العقوبة التي قررتها المحكمة دون زيادة عليها ، وثانيا حسن معاملة المجرم داخل السجن في فترة العقوبة ، فلا توقع عليه عقوبة بدنية ولا إهانة إلا نتيجة إخلاله بنظام السجن ، الذي تتضمنه لائحة معينة تحدد علاقة السجن بسجانيه ، وتوفر له الرعاية الطبية إذا مرض ، ويكون من حقه الشكوي من إدارة السجن إلي النيابة العامة ، ومقابلة محامية في السجن إذا عن له ما يستدعي ذلك ، وزيادة أهله له زيادة دورية .. وتطور الأمر الآن في بعض السجون إلي السماح للسجين بزيارة أهله في منزله في فترات محددة ، حيث يقضي ساعات بين زوجته وأطفاله – تحت الحراسة – ثم يعود إلي السجن !
تلك خلاصة الحقوق والضمانات التي منحتها الديمقراطية للشعب ، أو بالأخري استخلصها الشعب لنفسه في ظل الديمقراطية ، والتي أصبحت اليوم هي مضمون الديمقراطية في نظر الغرب
وإذا نظرنا إلي حال " الشعب " في ظل الاقطاع فلا شك أن الديمقراطية – بالصورة التي صارت إليها – كانت نقله كبيرة رفعت الشعب من حضيض " اللاشيئية " و " اللاإنسانية " إلي أن يصبح له اعتبار ، ويعامل – في جانب من جوانب الحياة – معاملة الإنسان .
وأي مقارنة بين الحالين ستثبت علي الفور هذه النقلة ، وستثبت أن الإنسان الأوربي ، الخارج من ظلمات الإقطاع ، قد استمتع في ظل الديمقراطية بجوانب مضيئة ما كانت لتخطر علي باله من قبل ، وما كان يتصور وجودها إلا في أحلام الفلاسفة الحالمين !
  

ولكن هذه الصفحة المضيئة ليست هي الصفحة الوحيدة الديمقراطية " الليبرالية " كما تسمي ديمقراطية الغرب ، أي التي تقوم علي حرية الفرد في أن يعمل ما يشاء ، تحقيقا للشعار الشهير الذي أطلقته الرأسمالية في نشأتها " دعه يعمل ما يشاء Laissez Faire ، دعه يمر من حيث يشاء laissez Passer والتي صورتها العامة هي الحرية السياسية وتعد الأحزاب إنما لها صفحة أخري قائمة شديدة القتال ، بمقدار ما تتلألأ هذه الصفحة بالنور.
والتطبيق الواقعي للديمقراطية الليبرالية هو الذي يكشف سواتها ويحدد وزنها الحقيقي في ميزان الحق .
حين نزلت الآية الكريم " وقالت اليهود ليست النصاري علي شئ وقالت النصاري ليست اليهود علي شئ " قال صلي الله عليه وسلم : ما صدقتا إلا في هذه ! أي صدقت كل واحدة فيما تقول عن الأخري ، وإن كذبت فيما تدعيه لنفسها من فضائل وحسنات .
ويصدق هذا الأم فيما بين الديمقراطية والشيوعية ، فإن كلا منهما تصدق فيما تقوله عن الأخري وإن كذبت فيما تدعيه لنفسها من حسنات
والشيوعية تقول في هذا الصدد أن " الذي يملك هو الذي يحكم " وإن " الطبقة" التي تملك وتحكم تضع التشريعات لحسابها الخاص علي حساب الطبقات الأخري ، وإنه في الديمقراطية الليبرالية يكون المال في يد الطبقة الرأسمالية فهي التي تملك ومن ثم فهي التي تحكم ،وهي التي تضع التشريعات فهي التي تملك ومن ثم فهي التي تحكم ، وهي التي تضع التشريعات أنتي تحمي مصالحها ضد مصالح الطبقة الكادحة .
وهذه القولة صادقة إلي حد كبير وتوشك أن تكون صادقة كل الصدق لولا أن الطبقة الكادحة لم تستسلم تماما كما كانت قبل ثورتها علي الأقطاع ، بل قاومت وقامومت .. وحصيلة مقاومتها هي التي أحدثت الفرق بين وضعها في ظل الإقطاع ووصفها في ظل الرأسمالية .
ولكن تعال ننظر – رغم ذلك – إلي حقيقة الواقع ، ونسأل – بموضوعية كاملة – لصالح من تجري الحياة في ظل الديمقراطية الليبرالية ، ومن هو المستفيد الأكبر ، ولا نقول كما تقول الشيوعية إنه المستفيد الوحيد .
لاشك أن الأمور تجري – في عمومها – لمصلحة الرأسماليين !
ورغم كل التنازلات التي أكرهت الرأسمالية علي تقديمها للشعب فما زال الغنم الأكبر في أيديهم ، والفتات في يد الجماهير .
لا نقول – كما تقول الشيوعية – إن المنتج الحقيقي هو العامل وإنه هو الذي يستحق وحدة حصيلة الإنتاج ، فتلك مغالطة سنناقشها حين نناقش الشيوعية في الفصل القادم ، ولا نقول كذلك – كما تقول الشيوعية – إن أصحاب رؤوس الأموال هم قوم لا عمل لهم إلا التطفل علي دماء الكادحين ، بينما هو لا يستحقون منها شيئا عي الإطلاق لأنهم لا يعملون بأيديهم .
لا نقول هذا ولا ذاك.. ومع ذلك فلننظر إلي الفارق الضخم الذي يفرق بين دخول الرأسماليين ودخول العمال .. هل هو فارق طبيعي ؟ هل هو فارق عادل ؟ هل هو فارق لا يؤثر في القيم والمبادئ المتعلقة بإنسانية الإنسان ؟!
كيف جاء هذا الفارق بادئ ذي بدء ؟ هل هو حقيقة نتيجة العبقرية الفذة التي خص الله بها الرأسماليين وحرم منها بقية عباد الله ؟! أم هي مغتصبة اغتصابا بوسائل غير مشروعة ؟!
هل كانت الرأسمالية عادة منذ البدء في تحديد أجور العمال ؟ أم كان تحديدها قائما علي أسوأ نوع من أنواع استغلال ؟ وحتي حين خفضت ساعات العمل ورفعت الأجور بعد الصراع المرير الذي قام به العمال ، فهل حدثت العدالة الإنسانية الواجبة ؟
أن تضخم رؤوس الأموال ينشأ ابتداء من امتصاص دماء العمل وعدم توفيتهم أجورهم ..وقد يكون تحديد الأجر مسألة اجتهادية تختلف من وقت إلي وقت ومن حال إلي حال . ولكن له حدودا عامة لا ينبغي أن يخرج عنها ، وهي توفير " الحياة الكريمة " للإنسان الذي يبذل جهده ليعيش .
ويجي تضخم رؤوس الأموال كذلك من إقامة الحياة كلها علي الأساس الربوي الذي يمقته الله .
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)} [سورة البقرة 2/275-276]
والذي قال عنه الدكتور " شاخت " الألماني في تقرر اعده في الأربعينات من هذا القرن إن نتيجته الحتمية هي تزادي رؤوس الأموال في يد فئة يتناقص عددها علي الدوام وزيادة الفقر في عدد متزايد من الناس !
ويجئ تضخم رؤوس الأموال أيضا من إنشاء صناعات تافهة لا يحتاج إليها الإنسان الجاد الذي يعيش لأهداف جادة ، بل هي تفسد الاخلاق وتميع الطباع وتشغل الناس بالتفاهات بدلا من شغلهم بآفاق الحياة العيا .. وكل ذلك لأنها أكثر ربحا .. ولان دوره المال فيها أسرع بكثير من دورته في الصناعات الحقيقة التي تؤدي هدفا جادا في حياة الإنسان .. كصناعة السينما وصناعة أدوات الزينة والتفنن في " المودات ط سواء مودات الملابس أو مودات الأثاث في البيوت أو مودات السيارات في الطريق .
تلك أدوات التضخم الرأسمالي أو هذه أبرزها .. فأيها أدوات طبيعة ؟ وأيها أدوات عادلة ؟ وأيها أدوات لا تؤثر في إنسانية الإنسان ؟
ولا يقولن أحد : هذه هي الرأسمالية ، ولكننا نتكلم عن الديمقراطية ! فالواقع أنه لا يمكن فصل هذه عن تلك!
أن هذه الديمقراطية – بمجالسها النيابية ، بمثلي الشعب فيها –0 هي التي تصدر القوانين التي تبيح للرأسمالية أن تتصرف علي هذا النحو دون أن تتدخل فيها ، بل – في الحقيقة – دون أن تجرؤ علي التدخل فيها !
ومن ناحية أخري فإن الرأسمالية هي الوجه الاقتصادية للديمقراطية الليبرالية ، كما أن الديمقراطية الليبرالية هي الوجه السياسي للرأسمالية !
ولسنا نقول – كما تقول الشيوعية – إن الوضع الاقتصادية هو الذي يشكل الأفكار والعقائد والنظم والمؤسسات التي تتمشي معه وتخدم أهدافه .
وإنما نقول – ونراه ادني إلي الصواب- إن الوضع الاقتصادية والوضع السياسي – ( والوضع الاجتماعي كذلك كما سيجئ) كلها أوجه متناسقة مع النظام أو الفكرة التي تقوم عليها ، ولكها منبثقة من أصل واحد مشترك هو " الإنسان " مستقيما أو منحرفا ، وعلي أي نحو هو منحرف ، فأما إن كان مستقيما ( أي علي النهج الرباني ) فهو يصوغ حياته : الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والروحية ..إلخ علي مقتضي المنهج الرباني ، وهو منهج متناسق في جميع وجوهه ومتكامل بعضها مع بضع ، وأما أن كان منحرفا فبحسب نوع انحرافه تكون أوضاعه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والروحية ..إلخ وتكون متناسقة مع لون الانحراف الذي يقع فيه ذلك " الإنسان " فليس الاقتصاد هو الذي يصوغ السياسية ولا السياسية هي التي تصوغ الاقتصاد ، إنما هما معا – ومعهما بقية وجوه الحياة – يصوغها الإنسان متأثرا بنوع انحرافه .
والانحراف الذي يتخذ الرأسمالية وجهة الاقتصادي ، والديمقراطية الليبرالية وجهة السياسي ، والتفكك الاجتماعي ( كما سيجئ) وجهة الاجتماعي ، هو أولا انحراف عن شريعة الله ومنهجه المنزل لإصلاح الحياة وإقامتها بالقسط ، وهو من جهة أخري انحراف الفردية الجامحة التي تريد أن تفعل ما تشاء Laissez Faire . Laissez Passer ( دعه يفعل ما يشاء ، دعه يمر من حيث يشاء !) هذه الفردية الجامحة تأخذ في الاقتصاد صورة الرأسمالية ، وتأخذ في الاجتماع صورة المجتمع المفكك الروابط المنحل الاخلاق ، وهي انحرافات متناسقة بعضها مع بعض، متكاملة بعضها مع بعض ، ولا يمكن فصل بعضها عن بعض!
فالذين يقولون نأخذ الديمقراطية صورة سياسية وليس من الضروري أن نأخذ معها الرأسمالية الجامحة هم واهمون في محاولة فصل وجه من هذا النظام عن وجه آخر .. أو هم يتحدثون عن شئ آخر غير الديمقراطية الليبرالية لا نعلم صورته علي وجه التحديد !
ومهما يكن من أمر فإن الديمقراطية الليبرالية – الموجودة بالفعل ، لا المتخيلة في الأذهان – هي هذه التي تحتمي بها الرأسمالية وتلعب لعبتها من خلالها وسنتكلم في الصفحات القادمة عن أبعاد اللعبة كلها التي تتم من وراء الصورة السياسية المتمثلة في الديمقراطية الليبرالية ، ولكننا نقرر هنا حقيقتين تبدوان متناقضتين في الظاهرة ولكنهما في الحقيقة غير متناقضتين إذا أنعمنا النظر فيهما :
الأولي : أنه من خلال النظام الديمقراطي نال " الشعب " ماناله من حقوق وضمانات .
والثانية : أن الرأسمالية هي صاحبة الهيمنة وصاحبة التشريع من وراء اللعبة الديمقراطية بأكملها .
ولازالة التناقض الظاهري بين الحقيقتين نقول أولا : أن الشعب نال ما ناله من الحقوق من خلال صراعه وكفاحه ودأبة في إحراج الرأسمالية واقتناص الحقوق والضمانات منها ، فهو ينتزعها منها انتزاعا وهي تتنازل عنها كارهة ومكرهة ، وإن يقظة الشعب بدأت منذ ثار علي الإقطاع وليس منذ اتخذا الديمقراطية ! بل الديمقراطية هي ثمرة ثورته فهي نتيجة لاسبب .
ونقول ثانيا : إنه علي الرغم من ذلك فقد تركت الرأسمالية الثوب – ثوب الديمقراطية- يلبسه الشعب ، ونفذت هي إلي مصالحها من خلاله فنالت كل ما تريد من تشريعا تحمي مصالحها وتتيح لها أن تقوم بكل مظالما ! فإذا كانت قد اضطرت للتنازل عن بعض المصالح تحت ضغط الشعب ، فهي من جهة قد تنازلت عن فتات لا يؤثر تأثيرا حقيقيا في مصالحها ، فما تنازلت عنه هو قطرات من فائض ارباحها ، وما تزال أرباحها تتزايد بصورة جنونية ! وهي من جهة أخري قد تنازلت عن هذا الفتات لأنها لم تأمن علي نفسها إذا ظلت في موقف التصلب أن تفقد ثروتها كلها وكيانها كله ! ففي نظرها هي أنها ألقت للكلاب الجائعة بلقيمات تلهيها بها خوفا من أن تأكلها الكلاب ! فخوفا من الشيوعية تنازلت الرأسمالية الغربية عما تنازلت عنه ، وخوفا من أن تدمر الاضرابات كل الأرباح !
فلا تناقض إذن بين الحقيقتين ، والرأسمالية هي صاحبة النظام كله وهي المستفيد الأول منه ، ولا عليها أن يتزيا الشعب بزي الحرية .. أو الحرية والإخاء والمساواة ولننظر في هذه الحرية علي حقيقتها ..
لاشك أن الفرد في الديمقراطية الليبرالية حر حرية كاملة كما يبدو ( في الظاهر ) في أن يتخذ قراراه دون ضغط من أحد ، وأن يعبر عن رأيه بحرية ، وان يدعو لرأيه بكل وسائل الدعاية وأن يختار المرشح الذي يمثله في البرلمان والذي يشرف علي أعمال الحكومة ويهيمن علي تصرفاتها .
ولكن دعنا نتأمل الحقيقة الكامنة وراء هذا الظاهر .. فمن الذي يصوغ لهذا الفرد أفكاره أو – من زاوية أخري – من الذي يشكل " الرأي العام " الذي يوجه هذا الفرد لاتخاذ قراره !
أنها وسائل الإعلام ! الصحافة والإذاعة والسينما والتليفزيون والخطبة والمحاضرة والكتاب .
ودعك – موقتا – من أن وسائل الإعلام تشرف عليها اليهودية العالمية وتوجهها الوجهة التي تخدم مصالحها ، فلنا عود إلي هذه النقطة في مكان آخر من هذا الفصل .
أنما نقول – مؤقتا – إن الذي يملك وسائل الإعلام هو الرأسمالية ( بصرف النظر عن ملتها !)
أن الصحافة – وقد كانت وما تزال من أشد وسائل التأثير – لا تستطيع أن تعيش بلا معونة خارجية ، فهي تتكلف بالفعل أضعاف الثمن الذي تباع به للجمهور ، والثمن الذي تباع به للجمهور لا يصل كله إلي أصحاب الصحيفة فهناك في الوسط وسيطان أثنان علي أقل تقدير هما الموزع العام الذي يتكفل بأخذ مجموع النسخ المطبوعة وبيعه للبائع الصغير ( أي الذي يبيع مجموعة صغيرة من النسخ ) ثم هذا الموزع الصغير الذي يبيع للجمهور . فإذا تصورنا جدلا أن ثمن النسخة للجمهور هو مائة وحدة فإن خمسين وحدة علي الأقل إن لم يكن أكثر يتقاسمها هذان الوسيطان ،والباقي هو الذي يرد إلي الصحيفة مع " المرجوع" أي النسخ التي لم يتم توزيعها ولا عائد لها علي الإطلاق ,.. فكيف تغطي الصحافة تكاليفها ثم تربح فوق ذلك أرباحا طائلة ؟ إنها تعتمد – أساسا – علي الإعلانات ثم علي الإعانات من أي طريق تجئ .
والإعلانات – بطبيعة الحال – في يد الشركات والمؤسسات الصناعية أي في يد الرأسمالية ومن ثم فإن يكفي لقتل أي صحيفة " حرة" أي طويلة اللسان تتجرأ علي المصالح الحقيقية للرأسمالية ، أن تمنع عنها الإعلانات فتسقط في هاوية الإفلاس ! ولا ضير في الوقت ذاته علي الرأسمالية من مناوشات سطحية في الصحف تنتقد كما تشاء دون أن تصيب الجذور ! بل هو أمر في صالح اللعبة في نهاية المطاف !
فإذا كان الصحافة – التي تؤثر التأثير الأكبر علي " الرأي العام " واقعة في قبضة الرأسمالية إلي هذا الحد ، فلنا أن نتوقع أن تكون الأفكار التي تصوغها وننشرها هي ما تريده الرأسمالية ، أو في القليل هي ما لا يتعارض مع المصالح الحقيقة للرأسمالية . ومثل الصحافة بقية وسائل الإعلام فهي واقعة بصورة أو بأخري في ذات القبضة الشريرة التي توجه الأفكار وتشكل المواقف للناس !
ولنأخذ ثلاثة نماذج مختلفة من طريقة تشكيل " الرأي العام " في مسالة سياسية ومسألة اجتماعية ، ومسألة اقتصادية تخدم كلها مصالح الرأسمالية ويبدو فيها " الرأي العام " كأنما تشكل من تلقاء نفسه واتجه إلي الوجه التي اتجه إليها !
لنفرض أن المطلوب هو إشعال حرب في مكان ما علي سطح الأرض ،وهو أمر يهم الرأسمالية من جميع الوجوه المتخيلة ! وأولها بيع السلاح الذي يدر علي صانعية أرباحا خيالية ( ونصرف النظر – مؤقتا – عن أن تجار السلاح في العالم من قديم الزمان هم اليهود ) ‍‍‍‍! فكيف يهيأ " الرأي العام " لتقبل الحرب أولا ، ثم التحمس لها ثانيا ، ثم المطالبة بها أخيرا ‍!
تبدأ الصحف – وكذلك وسائل الإعلام – في نشر أخبار قصيرة مثيرة تثير عند الغافلين – والرأي العام دائما غافل – نوعا من التطلع والانتباه . ثم يزاد في طول الخبر ويؤتي بمزيد من التفاصيل .. ثم يصبح الموضوع هو الحديث اليومي في الصحافة والإذاعة والتليفزيون .. يزاد في نغمة الإثارة حتي تشحن النفوس بالوقود … ثم تأخذ الصحافة في الاستطلاع " الرأي العام " ( كأنما لم تكن هي التي وجهته ) فإن الرأي العام متحمس ‍! إذن لابد مطالبة الحكومة بالتحرك ! وإذن تبدأ الحكومة في الاعداد .. ثم تنطلق شرارة الحرب ، ويباع السلاح ، وتتحقق الأهداف المطلوبة من وراء " المشروع" !.
ففي الحرب العالمية الثانية التي امتدت فشملت معظم أرجاء الأرض ، وقتل فيها أربعون مليونا من الشباب في ميادين القتال غير الذين قتلوا من الرجال والنساء والأطفال بعيدا عن ميادين الحرب بالقنابل المدمرة ، وغير الذين قتلوا بتأثير القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا في نجازاكي وهيروشيما .. بدأت صحافة الحلفاء ( أي الديمقراطيات في غرب أوربا وفي امريكا ) تتكلم عن هتلر واستعداداته الحربية والأزمات التي يثيرها ( وخاصة أزمة ممر دانزج التي اعتبرت الشرارة الأولي للحرب ) وبدأت تكتب عن النازية وعن النظم الدكتاتورية وعداوتها للحرية والديمقراطية وحقوق الانسان .. وأن علي الديمقراطيات التي تشكل " العالم الحر " أن تؤدب هذا الطاغية الذي ينذر بشر مستطير لجميع البشرية ‍!
وما نريد أن نتحدث هنا عن " الحق ط في أي جانب كان .. فقد كان كل ماتقوله صحافة "العالم الحر " عن هتلر والنازية الدكتاتورية حقا ، وكان هتلر بالفعل طاغيرة جبارا يريد إذلال العالم وإخضاعه لسلطانه ، ويصدر عن جنون عنصري مرتكز علي أفضلية الجنس الآري وجدارته بأن يحكم العالم كله ! ولكن ما فضل " الحفاء" عليه ؟ اليسوا هم ممثله طواغيت – كانوا – يحكمون العالم كله يومئذ ويذلونه باسم حضارة " الرجل الأبيض "وجدارته أن يحكم كل شعوب الأرض ؟ وماذا يملك الرجل الأبيض من المقومات الحقيقية التي تؤهله لذلك السلطان وتعله وقفا عليه وحده لا يشاركه أحد فيه ؟
فقد كان إذن ما تقوله صحافة الحلفاء ( وإذاعتهم ) حقا بالنسبة للنازية وهتلر ، أما ما كانوا يدعونه لأنفسهم من أنهم هم حماة الحرية وحماة حقوق الإنسان ، فقد تبين كذبه كله عقب الحرب مباشرة حين خرج الحلفاء منتصرين من الحرب فضربوا بكل وعودهم للشعوب عرض الحائط ، بل قالوا لهم في تبجح : لقد حميناكم من النازية فادفعوا ثمن الحماية .. وثمنها أن يكونوا خاضعين لهم يدورون في فلكهم ويخدمون مصالحهم .
علي أية حال فنحن نتتبع معالجة الصحافة والإذاعة للأمر .
لقد كان المطلوب تهيئة " الرأي العام " للحرب ، ولأمر آخر لا يقل خطرا .. وهو إنشاء دولة إسرائيل .
فلتكتب الحصافة إذن – وجميع وسائل الإعلام المتاحة – عن طغيان هتلر ، وعن حشيته في إبادة اليهود وتعذيبهم .. حتي يشحن " الرأي العام " ويصبح مستعدا للحرب بعد أن كان ناقرا منها أشد النفور .. وحتي يعطف علي قضية اليهود بعد إذ كان كارها لهم أشد الكره !
وشيئا فشيئا يصبح حديث الحرب أمرا عاديا ، بل يتحمس الناس للحرب ويضغطون علي حكوماتهم ان تدخل الحرب تاديبا للطاغية الذي يستحق التأديب ، والذي ترك وشأنه خرب الأرض ودمر مقومات الحضارة !
وشيئا فشيئا يتعاطف الناس مع اليهود الذي يعذبهم النازي ويحرقهم أحياء في الأفران ! ويصبح " الرأي العام العالمي " مهيأ للدعوة التي تجئ بعد ذلك بضرورة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ‍!
ثم يشتدد الحماس حتي تدخل كل دول الغرب في الحرب ، ويشتد التعاطف مع اليهود حتي يصبح العرب في نظر العالم مجرمين إذا أبوا أن يتنازلوا عن أرضهم وديارهم لشعب الله المختار !
  

ولنفرض أن المطلوب هو تفكك روابط الأسرة ونشر الفساد الخلقي وتحريض المرأة ضد قوامه الرجل عليها .
تبدأ الصحافة بمهاجة الزواج المبكر وذكر مضارة !
إن كلا من الزوجين يكون قليلا الخبرة بالجنس الآخر نتيجة عدم الاختلاط ، ثم قليل الخبرة بالحياة لصغر السن وقلة التجربة ، ثم قليل الخبرة بتربية الأولاد .. الذين يجيئون في أول عهد الزواج فتسوء تربيتهم ! لذلك يلزم تأخير سن الزواج مع إباحة الاختلاط حتي يتحقق التعارف بين الجنسين واكتساب الخبرة اللازمة للزواج ، ويتأخر مجئ الأولاد حتي تزداد الخبرة فتحسن تربيتهم !
ثم يظل الحديث عن ضرورة الاختلاط يلح علي الناس حتي يتكون " رأي عام " موافق علي الاختلاط بعد إذا كان معارضا له ، ثم يظل الحديث يلح علي الناس حتي يتحمسوا له ، ثم يظل الحديث يلح علي الناس حتي يبلغ لحماس للاختلاط أن يتهموا كل معارض له بالرجعية والتخلف والجمود والتأخر ويهددوه بأن عجلة التطور ستسحقه وتقضي عليه !
ثم يقال للمرأة إن الزواج الباكر والانجاب الكثير يفسد رشاقتها ! ويقتل حيويتها ! ويمنعها من مشاركة الرجل في إدارة شئون المجتمع ! وتظل الصحافة ( ووسائل الإعلام الأخري ) تلح علي هذا الأمر حتي تخرج المرأة من فطرتها وتنظر إلي الزواج علي أنه قيد يعوقها ! وإلي الانجاب علي انه عدو يفسد جمالها ورشاقتها ،وإلي البيت والانشغال به علي أنه إهدار لطاقتها بل إهدار لكرامتها ! وبعد أن كانت – كما هو مركوز في فطرتها – تفرح بصيحة الطفل لأنها تحقق لرسالتها وإثبات لأنوثتها المتمثلة في الاستعداد للحمل والانجاب ، صارت تمقت صيحة الطفل ، وتكره البيت ، وحتي إن تزوجت تستخدم موانع الحمل لتحافظ علي رشاقتها .
ثم يظل تأثير الصحافة ووسائل الإعلام عليها حتي تري أن من حقها أن " تستمتع " بالحياة استمتاعا حرا دون أن يفرض علي استمتاعها قيد خلقي أو اجتماعي أو من أي نوع ، فمن حقها أن تمارسع الجنس في حدود الصداقة مع الرجل دون أن ينشأ عن ذلك بالضرورة زواج أو أسرة .. ومن حقها أن تؤخر الزواج حتي تشبع من الاستمتاع الحر .. ومن حقها أن تؤخر الإنجاب حتي تشبع من العمل خارج البيت ، ومن الرشاقة في الحفلات وحلبات الرقص .
ويصبح ذلك كله من مقررات " الرأي العام" النسائي علي الأقل ، بل النسائي والرجالي كذلك .. ( أي من مقررات العقل الجمعي ) ! ويصبح المعارض لذلك هو المجنون الأبله ، وهو المتحجر علي أوضاع عفي الزمن عليها ولا يمكن أن تعود !
  

ولنفرض أن المطلوب هو ترويج عملية ربوية كعملية التأمين علي الحياة . تظل الصحافة – ووسائل الإعلام الأخري – نقص القصص عن أحوال الأسر التي تصيبها كوارث ، حتي توقظ مشاعر الناس لهذه الحالة المنتشرة في المجتمع ( ولا يذكر بطبيعة الحال أن تفكك الأسرة وتفكك روابط المجتمع في المجتمع الصناعي الرأسمالي كانت هي السبب في وجود هذه الحالة وانتشارها ، لكي لا يتنبه الناس إلي المكر الماكر المحيط بهذا الشأن من أوله إلي آخره ولكي لا يتنبهوا أن الحل الحقيقي هو إيجاد التكافل الاجتماعي سواء داخل الأسرة أو داخل المجتمع أو بتكليف الدولة أن تقوم بكفالة من لاكافل له ) ثم تروج الصحافة من جانب آخر لشركات التأمين و " الخدمات الجليلة " والتي تقوم بها ، وعن حالة الأسر التي أخذ عائلها بنظام التأمين ، فصارت مستقرة لاتهزها الأعاصير !
ويظل إلحاح الصحافة ووسائل الإعلام الأخري حتي يصبح الأمر حقيقة منتهية لا جدال فيها ، أن التأمين لدي شركات التأمين واجب علي كل إنسان بعيد النظر ، وأنه ضرورة لا غني عنها في العالم الحديث ‍! ولا يتحدث أحد عن الأرباح الخيالية التي تربحها شركات التأمين الربوية من الناس ! ولا يتحدثون عن الأقساط الربوية التي يدفعها المؤمنون .. ويصبح ذلك كله أمرا واقعا في المجتمع ، بل يصبح أمرا " واقعا في المجتمع ، بل يصبح أمرا " روتينيا " يأتيه كل إنسان دون أن يفكر علي الإطلاق أنه كان يمكن أن يكون هناك بديل ، أو أنه يجب أن يكون هناك بديل .. ويكون هذا هو " الرأي العام " في هذه القضية أو هو العقل الجمعي الذي يضع للناس مقررات الحياة
إذا كانت هذه هي طريقة تشكيل " الرأي العام " الذي تعتمد عليه الديمقراطية – في ظاهرها علي الأقل – فكيف تكون الديمقراطية هي حكم الشعب علي الحقية ؟
إن الرجل العادي – الذي يسمونه " رجل الشارع " كأنه لا بين له ولا انتماءله ! – مشغول بأحواله المعيشية الخاصة عن النظر الحقيقي في الأمور العامة وتكوين رأي مستقل فيها . وذلك لسبين ، أحدهما عام لا يختص ببيئة معينة ولا زمن معين ، هو أن الأغلبية الكبري من الناس لا تحب أن تشغل نفسها بالأمور العامة ولا تصبر علي التعمق فيها ، وليس عندها الأدوات المعيشة علي ذلك من نفقة وتدبر وبعد نظر وإحاطة بالأسباب والنتائج ، فتحب أن تترك هذه الأمور لفئة معينة من الناس ، تثق فيها وتكل إليها هذه المهمة الخطيرة . والسبب الثاني خاص بهذه الديمقراطية الليبرالية بالذات ، أو هو في الحقيقة خاص بالجاهليات جميعا ولكنه في هذه الجاهلية التي يشرف اليهود علي توجيهها أشد ، وهو التلهية الدائمة لرجل الشارع هذا عن أي يلتفت إلي الأمور العامة بنظر مستقل وفكر متفحص ، عن طريق شغله بأمور معاشه من جهة وأمور لهوه و " استمتاعه " من جهة أخري نقول إن هذا موجود في الجاهليات جميعا ، حتي يتفرع أصحاب السلطان لسلطانهم دون تدخل من يقظه الجماهير ، التي قد تتيقظ فتطالب بحقوقها المسلوبة ، التي يعيش – من سلبها – أصحاب السلطان ! ولكنه في هذه الجاهلية أشد لأن اليهودية – او أن شئت قل الرأسمالية – تشغل الناس شغلا داما بأمور المعاش لكي تربح هي ربحا الفاحش ، فاليوم الثلاجة وغدا السيارة وبعد غد تغيير السيارة لأن الجديد أكثر أناقة أو فيها زر إضافي ليس في السابقة ! كما تشغلهم باللهو الدائم فاليوم السينما وغدا المسرح وبعد غد حلبة الرقص وبعده النزهة الخلوية .. والليلة موعد مع الصديقة وبعدها صديقة أخري أو حفل جنسي صاخب .. وهكذا ، لتربح الرأسمالية – أو قل اليهودية – أرباحا مركبة : ربح المال ، وربح إفساد الأمميين ، وربح تلهيتهم عما يدور حولهم من أمور ، ليخطط المخططون وهم في مأمن كامل من يقظة الجماهير !
إذا كان الحال كذلك علي الحقيقة فأين هو " الرأي العام " الحقيقي الذي يوجه السياسة في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية ؟! إنه في الحقيقة أصحاب رؤوس الأموال .. هم الذين يرسمون السياسية ، وهم الذين يشكلون " الرأي العام عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام الأخري ، فيصوغونه علي النحو الذي يريدون .. النحو الذي يحقق مصالحهم في النهاية ، ولا بأس أن يترك شيئا من الفتات " للشعب" حتي لا يتحول إلي كلاب جائعة تهدد المكتنزين !
حقيقة ان هناك نوابا وتمثيلا نيابيا وهناك برلمان يقول فهي من أراد كل ما يريد أن يقول
ولكن من هم النواب في حقيقة الواقع ؟
هل يتاح لأي إنسان أن يصل إلي البرلمان ويوجه الأمور من هناك ، كما هي الصورة النظرية للديمقراطية ؟
أن المعركة الانتخابية في حاجة إلي تكاليف لا يقدر عليها إلا الاغنياء من الناس ، ومتي كان هو من طبقة الأغنياء فما الذي يجعله يفكر في " طبقة " المساكين ؟ إنهم ليسوا في نظره مساكين ! إنهم من جهة اولئك " الاعداء " الحاسدون لما في يده من النعمة ، الطامعون ، الذين يريدون أن ينهبوه وينتقصوا أرباحه ! وهم من جهة أخري أولئك " الطفيليون" الذين لا يحسنون شيئا ويطمعون في كل شئ " الاغبياء " الذين وقف بهم غباؤهم عن أن يصعدوا إلي القيم التي وصلواهم إليها .
وحقيقة إن هناك من الفقراء ومتوسطي الحال من يرشحون أنفسهم وينجحون في الانتخابات .. ولكن كيف يصلون إلي هناك ؟ إنه لابد من أحزاب تحملهم وتحمل عنهم عبء المعركة الانتخابية وهو عبء باهظ .
فإذا دخل الإنسان الحزب فقد تغيرت أحواله كلها وأصبح إنسانا أخر . أصبح " محترفا " في عالم السياسية ، وهو وحزبه في أحد حالتين لا ثالث لهما ، وفي أحد موقفين : إما أن يكون حزبه في الحكم فهو ملتزم بتأييد الحكومة في كل ما تصنع ، سواء كان في دخيله نفسه مقتنعا بما تفعل أو غير مقتنع . وإما أن يكون حزبه في المعارضة – أي خارج الحكم – فهو ملتزم بمعارضة الحكومة القائمة في كل ما تصنع ( إلا أن تكون " مصلحة عامة " أي يستفيد منها الرأسماليون جميعا !) سواء كان في دخيله نفسه مقتنعا بالمعارضة أو غير مقتنع !
وهكذا تسمع صيحات : العدل . والقيم . والمبادئ . والإنسانية … إلخ من الحزب المعارض طالما هو في المعارضة ، فإذا وصل إلي الحكم سلك ذات السلوك الذي كان ينتقده ويندد به من قبل ! وصار الدور علي الحزب المعارض – الذي كان في الحكم من قبل – لينتقد من الحكومة القائمة ذات الأعمال التي كان يسوغها لنفسه وهو في الحكم ، ويتصايح بدعاوي الإنسانية والعدالة والقيم والمبادئ !
ومن الأمثلة الواقعية – المضحكة – أن حزب العمال في بريطانيا ظل وهو في المعارضة ينادي بضرورة زيادة أجور العمال ، فلما وصل إلي الحكم رفض أن ينفذ ما كان يدعو إليه وهو في المعارضة – أو عجز عن تنفيذه ! – وسلك ذات السلوك الذي كان يعيبه من قبل علي حزب المحافظين ، وهو تجميد الأجور خوفا من التضخم !
وصحيح أن هناك " أحرارا" يصلون إلي البرلمان ، ويقولون قوله الحق ، وينتقدون بجرأة ، ويطالبون بحقوق أصحاب الحقوق ، ولكن كم عدد هؤلاء ؟ وما وزنهم في المجالس النيابية ؟
إن القرارات تؤخذ بالأصوات . ولا ضير في المبدأ في ذاته فهو مبدأ عادل . ولكنه صالح حين يكون أصحاب الأصوات من العدول لا حين يكونون من أصحاب الأهواء ، فأما حين يكونون من أصحاب الأهواء ، الملتزمين بالمعارضة أو الملتزمين بالتأييد بحكم موقف الحزب الذي يتبعونه ، فعندئذ تضيع أصوات القلة من الأحرار في وسط أصوات الكثرة من المزيفين ! وتنفذ مصالح الرأسمالية كلها من خلال اللعبة الهائلة ، لعبة الحرية والديمقراطية والتمثيل النيابي والبرلمان ! إلا الفتات الذي يتساقط في الطريق ، أو يسقط عمد اللتلهية ، أو يسقط تحت الضغط الشديد !
أما " الحرية " الحقيقية التي تتيحها الديمقراطية وكأنما أنشئت من أجلها ، فهي " الحرية الشخصية ": حرية الالحاد وحرية الفساد الخلقي ! هنا يلتقي الجميع : المعارضون والمؤيدون والشعب والرأسماليون ، والحكام والمحكومون !
إن الديمقراطية الليبرالية تقيد الحرية حيق ينبغي أن توسع ، وتوسعها حيث ينبغي أن تضيق !
فحين تمس مصالح الرأسمالية فلا حرية علي الإطلاق ! ويذكر الناس جميعا قصة مقتل كنيدي رئيس جمهورية الولايات المتحدة ، حين قتل في عام 1963 م لأنه وقف في طريق مصلحة من مصالح الرأسمالية ، ثم لعب بقضيته لعبا بحيث لا تنكشف الحقيقة ولا يوقع علي المجرمين الجزاء !
فقد كانت سياسة الرأسمالية يؤمئذ – أو قل سياسة اليهود المشرفين علي توجيه الجاهلية المعاصرة – هي وضع العالم علي " حافة الحرب" من أجل تنشيط صناعة السلاح وبيعه ، وهي – كما قلنا – من أربح الصناعات بالنسبة إليهم . ولكن كنيدي كانت له نظرة أخري مختلفة ، ينطلق فيها من مصلحة الولايات المتحدة التي هو رئيسها المنتخب لتحقيق مصالحها .. فقد كان رأي كنيدي أن المصلحة القومية للولايات المتحدة تقتصي تهدئه الأحوال العالمية ، لكي يوجه الانفاق إلي رفاهية الشعب الأمريكي بدلا من توجيه إلي صناعة الحرب التي لا عائد منها علي الشعب .. لذلك سعي إلي مصالحة الاتحاد السوفيتي والاتفاق معه علي تهدئه الأحوال العالمية ، وخطا بالفعل خطوة نحو إشاعة السلام ، فمد يده إلي خروشوف الزعيم الروسي القائم بالحكم يومئذ لفتح باب المحادثات التي تؤدي إلي توطيد السلام ، وخطا خرشوف من جانبه خطوة فقبل أن يدخل في محادثات السلام .
ورغم أن هذا كان تصرفا حكيما من وجهة النظر الأمريكية البحتة ، فضلا عما فيه من إراحة أعصاب العالم من الخوف الدائم من نشوب الحرب ، فإن الرأسمالية الأمريكية ذاتها ( أو قل اليهودية ) لم توافق عليه لأنه ضد مصالحها الذاتية . لذلك أنشأت إضرابا طويلا في مصانع الصلب علي سبيل الإنذار (مع أن هذا الاضراب يضر المصالح المؤقتة للرأسمالية ولكنه يؤدي إلي كسب أكبر بالضغط علي كنيدي ليترك سياسة التهدئة التي كان يقوم بها بالاتفاق مع خروشوف ) فلما لم يأبه كنيدي بالإنذار ، ومضي في سياسيته ، هددوه مرة ثانية بإضراب أخر في مصانع الصلب استمر مدة أطول من الأولي ! ولما لم يرضخ بعد هذا الإنذار الشديد ، وأصر علي السياسة التي رآها أكثر تحقيقا لصالح الشعب الأمريكي – فضلا عن إراحة العالم من الخوف – قرروا أنه لابد من التخلص منه بإجراء أشد ، فقتلوه ! قتلوه وهو لس فردا عاديا من أفراد الشعب ، بل هو رئيس الجمهورية المنتخب برضا الشعب ، والمسئول عن مصالح الشعب الأمريكي كله! قتلوه ثم لعبوا بالتحقيق ، فلم يجد رئيس الجمهورية المقتول ضمانات التحقيق التي تحفظ حقه – وإن كان قتيلا – في أن يؤخذ له القصاص من قاتله ! ولم تجد الديمقراطية كلها نفعا في إقامة العدل في قضية من القضايا الخطيرة في التاريخ الحديث.. ومضت القصة كلها كأنها حادث عادي لا يثير الانتباه ولا يستحق الإهتمام ! وطوي التحقيق .. ولما تصل العدالة إلي غايتها حتي اليوم وقد مضي أكثر من عشرين عاما علي الحادث العجيب !
وتلك هي الديمقراطية حين تمس المصالح المباشرة للرأسمالية .
وما كانت مصالح مشروعة حتي نقول إن الذي وقف في سبيلها كان يستحق الانتقام منه بأية صورة من الصور ، إنما كانت مصالح جشعة مجرمة ، تريد أن تضع العالم كله علي حافة الحرب لكي تربح هي من وراء ذلك الربح الحرام .. وفي سبيل ذلك تلغي كل ضمانات الديمقراطية وكل " الحرية " الزائفة التي يتغني بها الديمقراطيون !
أما حين يكون الأمر مختصا بالفساد فهنا الحرية بلا ضابط ولا حساب !
حرية الإنسان في أن يلحد مكفولة بالقانون !
فرغم أن الدولار الأمريكي مكتوب عليه " ثقتنا في الله In God we Trust !" إلا أن القانون ينص علي حرية العقيدة والحرية معناها أن من شاء أن يلحد ويعلن إلحاده علي الناس ويدعو إلي الالحاد ويسخر من القيم الدينية كلها ومن عقيدة الألوهية ذاتها فمن حقه أن يفعل ., ألا تخرج عليه ولا تثريب !!
وحرية الإنسان في أن يفسد حرية مكفولة بالقانون !
فالسلوك الجنسي مسالة خاصة إلي أبعد حدود الخصوصية لا يتدخل القانون بشأنها أي تدخل إلا في حالة واحدة هي جريمة الاغتصاب لأنها تقع بالإكراه لا بالاتفاق . أما أي علاقة – علي الإطلاق – تقع بالاتفاق فلا دخل للقانون بها ولا دخل للمجتمع ولا دخل لأحد من الناس .. فسواء كانت هذه العلاقة سوية أو شاذة ، وسواء كانت معه فتاة لم تتزوج أو مع إمرأة متزوجة ، فهذا شأن الأطراف أصحاب العلاقة وليس شأن أجد آخر ..
والغابات والحدائق العامة مسرح لكل ألوان السلوك الجنسي فضلا عن النوادي والبيوت .. كلها ماخور كبير يعج بالفساد الذي يحميه القانون .. قانون الديمقراطية !
ومن سنوات عقد في الكنيسة الهولندية عقد " شرعي !" بين فتي وفتي عي يد القسيس ! ومن سنوات اجتمع البرلمان الانجليزي " الموقر !" لينظر في أمر العلاقات الجنسية الشاذة ، ثم قرر أنها علاقات حرة لا ينبغي التدخل في شأنها ،ـ كما أعلن أسقف كانتربري وهو رئيس الاساقفة في بريطانيا أنها علاقات مشروعة !!
ومن سنوات كذلك عرض علي المسرح الأمريكي – وفي التلفزيون- مسرحية تشكل العملية الجنسية بكاملها جزءا منها ، ورأي المشاهدون – أو هم ذهبوا ليروا – رجلا وإمرأة يقومان بالعلمية الجنسية أمام أعينهم ، ونقلت الصورة – حية – علي شاشة التلفزيون .
ومن سنوات كذلك قام في التلفزيون البريطاني حوار جنسي اشترك فيه عشرات من الفتيات الصغار ، وكان موضوع الحوار هو سؤالهن عن الوضع الذي يفضلنه في العملية الجنسية ، وأجابت الفتيات بصراحة وقحه يقشعر منها أبدان الذين في نفوسهم أي قدر من الحياء الفطري .. أما "المرأة " فهي تتحدث دون حياء !
ولا يقولن أحد إن هذه هي المخططات اليهودية ونحن إنما نتحدث عن الديمقراطية !
إنه لا انفصال بين هذه وتلك الديمقراطية بتمثيلها البرلماني ، بوسائل إعلامها ، بقواعد " الحرية " التي تقوم عليها ، هي التي تبيح ذلك كله ، وتجعله ضمن دائرة الحرية الشخصية ، وتحميه بكل وسائل الحماية ، وتعطيه الشرعية الكاملة .
فمن أراد نظاما ليس فيه هذا كله فهو علي وجه اليقين يريد شيئا غير الديمقراطية الليبرالية كما هي مطبقة في عالم الواقع ، يريد شيئا لا واقع له بعد ، ولا نعلم علي وجه اليقين كيف يكون !
إن الحرية التي تمنحها الديمقراطية الليبرالية هي حرية الحيوان لا حرية الإنسان
ولقد أراد " الثوار " الذين ثاروا في وجه الطغيان الإقطاعي أن حرروا " الإنسان" من العبودية التي كانت تستذله وتهبط به عن الوضع الذي يليق بالإنسان .
ولكن اليهودية العالمية التي سيطرت علي المجتمع الصناعي منذ مولده أراد شيئا غير ذلك " فالإنسان" بالذات هو عدوها الذي ترهبه ، وعددوها الذي تريد أن تقضي عليه . وسنحت لها الفرصة فحقق حلمها القديم في است**** الأمميين وتسخيرهم لشعب الله لمختار .. فمسخت آدمية أولئك الآدميين وحولتهم إلي أولئك الحمير ..
فما الإنسان بغير عقيدة ؟
وما الإنسان بغير اخلاق ؟
فأما بغير عقيدة فقد قال عنهم الخالق تبارك اسمه : {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179)} [سورة الأعراف 7/179]
وأما بغير أخلاق ولا قيم خلقية ، فالحيوان وحده هو الذي يعيش بغير قيم خلقية لأنه ليس له إلاطريق واحد لا اختيار له فيه ، فلا يوصف عمله بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي ، إنما يوصف بأنه عمل غريزي ، فإذا أكلت القطة الفأر أو أتي ال*** أنثاه في الطريق فلا أحد يقول إن هذه أعمال غير اخلاقية ! أما الإنسان الذي كرمه ربه بالإنسانية ، وجعل له طريقين أثنين لا طريقا واحدا ، وأعطاه القدرة علي التمييز بين الطريقين واختيار واحد منهما : {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} } [سورة الشمس 91/7-10] فإنه حين يرفض القيم الخلقية ، ويقول عن إقامة الرأسمالية علي أساس الربح بصرف النظر عن كون هذا الربح حلالا أو حراما ، جائزا أوغير حائز ، يقول إن هذه مسألة اقتصادية لا علاقة لها بالأخلاق ! ويقول عن تحويل المجتمع كله إلي ماخور كبير إن الجنس مسألة " بيولوجية " لا علاقة لها بالأخلاق ! حين يفعل ذلك فإنه يفقد آدمية في الحقيقية ويصبح من الدواب .. بالضبط كما يريد له شعب الله المختار !
ولقد كانت الديمقراطية وشعارات الحرية هي اللعبة الكبري التي نفذت اليهودية العالمية عن طريقها مخططها كله واستحمرت بها الأميين في الغرب لحساب الشعب الشيطان
ولا ينفي ذلك كله ما كسبته الشعوب في ظل الديمقراطية من حقوق وضمانات تحدثنا عنها من قبل ، وقلنا إنها – في هذا الجانب – تكريم للإنسان وتحقيق لصفة الإنسانية فيه .
فقد قلنا إن الشعوب قد نالت ذلك بنضالها لا يالديمقراطية في ذاتها ، بل كانت الديمقراطية ذاتها في جانبها السياسي ثمرة ذلك النضال ، لكن الذي نقوله هنا عن الشياطين – مع سماحهم راضين أو مكرهين بهذه الحقوق وتلك الضمانات – قد أفسدوا إنسانية الإنسان من جانب آخر أو من جوانب أخري بحيث أصبحت الخسارة في النهاية أفظع بكثير من كل كسب كسبته الشعوب .
ولسنا نقول إن الإنسان كان أحسن حالا في ظل الإقطاع قبل أن يحصل علي هذه الحقوق والضمانات في ظل الديمقراطية .. فالجاهلية كلها انحراف وكلها خبال سواء في ذلك الطور أو ذاك .. ولكنا نقول إن الخير الجزئي الذي أتت به الجاهلية الجديدة قد أفسدت مقابلة كثيرا من الخير الكامن في الإنسان ، بحيث يضيع ذلك الخير الجزئي في محيط الفساد الواسع الذي ليس له قرار !
ولسنا نقول كذلك إن هذه الحقوق والضمانات ينبغي أو يجوز أن تلغي في مقابل استرداد الإنسان ما فقد من إنسانيته بفساد العقيدة وفساد الأخلاق ! كلا ! فإنه إن فقدت هذه الحقوق وهذه الضمانات فما يمكن أن يحافظ علي إنسانيته ولو كان علي شئ من عقيدة ولو كان علي شئ من اخلاق !
كلا ! إن إنسانية الإنسان مفقودة في حالين ، وما يكون الإنسان في الجاهلية إنسانا بحال من الأحوال !
ولكنا هنا علي رأي حال نقوم الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية كما هي مطبقة في عالم الواقع ، فنقول ما لها وما عليها .. فنقول إنها ليست صفحة بيضاء خالصة كما يظن الذين ينظرون من بعيد ولا ينعمون النظر ولا يرون ما وراء الأستار .
ثم نقول إن الصفحة السوداء فيها قائمة السواد أكثر بكثير مما يظن الذين يأخذون الأمور من سطوحها ، فيحسبون الفساد جزئيا قابلا للإصلاح ، وقابلا للتعديل بوضع بعض الضوابط هنا وبعض القيم هناك .
إنها من جهة مسرحية ضخمة تمثلها الرأسمالية وتضع لها أدوارها وتوهم المشاهدين أن الممثلين يتحركون علي المسرح من ذوات أنفسهم وبمقضتي إرادة ذاتيه لهم ، بينما هم – كأي ممثلين في مسرحية – يتحركون بمقتضي الدور المعطي لهم وفي حدوده المرسومة ن لا يملكون أن يتجاوزوا المسرح أو يتجاوزوا دورهم في المسرحية المعروضة عليه .. وإلا طردوا بتهمة الإفساد ! أو عوقبوا عقابا صارما ليكونوا عبرة للآخرين . كما يطارد دعامة الحرية الحقيقيون بتهمة الشغب والخروج علي القانون وتعريض الأمن القومي للخطر ! وكما قتل كنيدي حين تجرأ جرأة لا تليق " بموظف " مسئول في حضن الرأسمالية !
وهي من جهة أخري أداة ضخمة لإتلاف إنسانية الإنسان بإعطاء الفساد الديني والفساد الخلقي شريعة كاملة ، وجعل ذلك جزءا أصيلا من مفهوم الديمقراطية ومفهوم الحرية .
فتحت هذا الشعار – شعار الحرية – ظل " الإنسان " الأوروبي يجد التشجيع المستمر علي التحلل من دينه وعقيدته بوصف أن هذه أمور خاصة يتصرف فيها الإنسان علي مزاجه الخاص ، فمن شاء أن يبقي علي عقيدة ودين فليبق ، علي مسئوليته الخاصة ، وليتلق السخرية الدائمة من المجتمع ومن الكتاب والمفكرين وأهل " الفن" من قصاصين ومسرحين وإذاعيين وتلفزيونيين ورسامي " الكاريكاتير"فضلا عن المخذلات الدائمة من حوله ، التي تتفنن في صرفه عن الدين والعقيدة . ومن شاء أن يلحد فليلحد .. ولن يفق في سبيله أحد ولن يحرج عليه أحد ، فتلك حريته الشخصية . ولن يجد السخرية حتي من رجال الدين ! إنما يجد منهم محاولة " لطيفة ط للتفاهم معه ومحاولة " فاتره" لرده إلي الإيمان بينما يجد التشجيع من جهات كثيرة في الأرض !
وتحت هذا الشعار كذلك ظل يجد التشجيع المستمر علي التحلل من أخلاقه وتقاليده ، بوصفها كذلك أمورا شخصية .. فمن شاء أن تكون له أخلاق – في مسائل الجنس بصفة خاصة – فهو حر – علي مسئوليته الخاصة – وليتلق النقد اللاذع من المجتمع كله ، الذي يعتبره حال شاذة تحتاج إلي علاج !
ومن شاء أن يتحلل فنعم الرأي له ونعم المسلك ! وسيجد التشجيع الحافل من المجتمع والكتاب والمفكرين وأهل الفن وأصحاب السينما وأصحاب المسرح وأصحاب الإذاعة وأصحاب وأهل الفن وأصحاب النوادي وأصحاب المواخير .. هذا بينما توضع الضوابط – الصارمة أحيانا – علي سلوك الإنسان في كل اتجاه إلا هذين الاتجاهين بالذات !
ومن جهة ثالثة فهي لعبة اليهودية الكبري لتنفيذ مخططاتها كلها مع إيهام الناس أنهم يتصرفون من تلقاء أنفسهم وحسب رغباتهم الخاصة !
فأما المصالح الرأسمالية اليهودية فتسخر لها الأحزاب السياسية والبرلمانات و " نواب الأمة " ووسائل الإعلام التي تشكل الرأي العام ، وتقوم بعملية التزييف الكبري لأفكار الناس واهتماماتهم بما يحقق تلك المصالح في نهاية المطاف ، ويحقق إنسياب الذهب – معبود اليهود القديم – إلي جيوبهم وقلوبهم ، ويتفننون به في زيادة سيطرتهم علي الأمميين .
وأما " المصالح " اليهودية الأخري المتمثلة في إفساد عقائد الناس وأخلاقهم ليسهل است****هم وتسخيرهم لمصالح الشعب الشرير فهي تتم كاملة من وراء شعار " الحرية " الذي تحدثنا عنه ، ومن خلال شعور الناس أن " هذه " هي الديمقراطية " !
وهكذا يضيع الخير الضئيل الذي كسبته "الشعوب" بالحقوق والضمانات في وسط هذا الشر الهائل الذي يحققه الأشرار من وراء هذا النظام المخلخل الملئ بالعيوب ، والملئ بالثقوب !
  

فإذا عرضنا الأمر علي الإسلام فهناك قضيتان رئيسيان من وجهة النظر الإسلامية هما محور الارتكاز في الموضوع كله ، وهما أداة التقويم بالنسبة للديمقراطية أو أي مذهب آخر من المذاهب التي نناقشها في هذا الكتاب . هاتان القضيتان هما :
أولا : من المعبود ؟
ثانيا : ……….
وقد وهنت الجاهلية المعاصرة التي يوجهها اليهود كلتا القضيتين – والأولي بصفة خاصة – لغاية في نفوسهم ، زعمت – بالنسبة للقضية الأولي بصفة خاصة – أنها ليست محور الحياة الإنسانية ولا مقياسها ، بل العكس – في زعمها – هو الصحيح ! فالإنسان أرقي كلما بعد عن الدين ، وأكثر تأخرا ورجعية كلما اقترب منه ، علي أساس أن حياة الناس قد مرت ثلاث مراحل هي السحر والتدين والعلم ، وأن الدين – الذي يمثل المرحلة الوسيطة من حياة البشرية – قد أخلي – أو ينبغي أن يخلي – مكانة للعلم من أجل تقدم الإنسان ورقية وتحضره !
وأما القضية الثانية فقد زعمت الجاهلية المعاصرة أنه ليس لها مقياس ثابت ! وأن الإنسان ليس له كيان ثابت أو صورة مثلي يقوم بمقتضاها ، إنما كل عصر له مقياسه ، ومقياسه هو الأمر الواقع في ذلك العصر ! والإنسان دائم التشكيل علي الصورة التي يقتضيها – أو يرتضيها – العصر بلا زيادة ! ومن ثم فإنسانية الإنسان أمر لا يمكن أن يوضع له ميزان ثابت !
ولكن الإسلام يقوم الأمور بميزان الله سبحانه وتعالي ، الذي أنزله ليقوم الناس بالقسط .
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد 57/25]
وميزان الله – وهو الحق – يقول إن قضية " من المعبود؟ هي أهم قضية بالنسبة للحياة البشرية كلها في تايخها كله ، وإن كل شئ في الحياة الدنيا – فضلا عن الآخرة – يتوقف علي جواب هذه القضية ، وهي كون المعبود هو الله ام شيئا آخر مع الله أو من دون الله ..
والجاهلية المعاصرة تغفل الحياة الأخري عن عمد ، وتبرز الحياة الدنيا وحدها وتجعلها مجال الاهتمام وموضع التقويم لأنها لو وضعت اليوم الآخر في الميزان فقد حسمت القضية وانتهت من أول لحظة .. فلن يقول أحد إن الدار الآخرة ستكون للملحدين الذي ينكرون وجود الله ، أو ينكرون شريعته ، أو يكرهون هذه الشريعة ويرفضون تحكيمها في أمور حياتهم !
لذلك فإن الجاهلية المعاصرة لا تتكلم أبدا عن اليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور وحشر وسحاب وثواب وعقاب ! وإن تحدثت عنه فعلي أنه وهم لا حقيقة له ، أو قضية "غيبية " لا ينبغي أن يشغل بها نفسه الإنسان المتحضر ، أو الإنسان الواقعي ، أو الإنسان الذي يحترم عقله ، أوالإنسان الذي يحترم العلم ويعيش بروح علمية !!
فإذا أصبحت الحياة الدنيا هي مبلغ الناس من العلم ، وهي التي يتجه إليها الاهتمام كله ، ضمن المخططون الشريرون أن تسير الأمور كما يشتهون، وأن تسير السائمة من الأمميين في الطريق الذي رسمه شعب الشيطان المختار.
{فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى (30) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)} [سورة النجم 53/29-31]
{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (108)} [سورة النحل 16/106-108]
{ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179)} [سورة الأعراف 7/179]
وإذا كان الهدف الأخير للشعب الشرير هو است**** الامميين وتسخيرهم لمصالحهم وللعبودية لهم ، فقد وجب أن يبعدوهم بعدا كاملا عن ذكر الآخرة ليكونوا كالأنعام ، ويجعلوا الدنيا هي مبلغ علمهم وغاية همهم ليسهل تسخيرهم من جانب العبودية للشهوات ، وهي مصير كل إنسان يعيش بعيدا عن الآخرة وقيمها المؤدية إليها :
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17)} [سورة آل 3/14-17]
وإذا كانت الجاهلية المعاصرة قد اغفلت ذكر اليوم الآخر لغاية في نفسها وأبرزت الحياة الدنيا وحدها وجعلتها غاية كل شئ ومقياس كل شئ ، فنحن لا نجاري تلك الجاهلية فيما اتجهت إليه ، ولا نقرها علي تعبيد الناس للحياة الدنيا ، ولكنا نقول إن قضية " من المعبود" ؟ ليست متعلقة بالآخرة وحدها وإنما هي من صميم قضايا الحياة الدنيا ، وأن الجواب علي هذه القضية لا يتوقف عليه مصير الإنسان في الآخرة وحدها ، بل يتوقف عليه أمر وجوده هنا في الحياة الدنيا ، وبدرجة أكبر بكثير وأخطر بكثير مما يظن المستعبدون للمخطط الشرير من الأمميين المسخرين كالحمير !
إنه بصرف النظر – مؤقتا – عن القيم المتعلقة بالدين ، المستمدة من كون المعبود الواجب العبادة هو الله سبحانه وتعالي وحده لا شريك ( ولنا عود إليها بعد قليل ) فإن الجواب علي هذا السؤال الخطير : " من المعبود ؟ " يترتب عليه في الوقت ذاته إجابة علي سؤال مهم في حياة البشر علي الأرض وهو : " من المشرع ؟"
يقول التفسير المادي للتاريخ ، وهو هنا علي حق فيما يقول : إن الذي يملك هو الذي يحكم ، وإن الطبقة التي تحكم تضع التشريعات التي تحفظ مصالحها ، ويكون ذلك علي حساب الطبقات الأخري .
لذلك فإن قضية "من المشرع؟ " قضية مهمة بالنسبة للناس علي الأرض .
وليست قضية جانبية أو ثانوية يمكن التغاطي عنها لقاء بعض المتاع الأرض الزائد عن الحد ، كمتاع الجنس المجنون ، أو " متاع" التبذل في الأرض بلا اخلاق ، الذي قال الله عنه :
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)} [سورة محمد 47/12]
فهو متاع الحيوان لا متاع الإنسان
وقضية " من المشرع" ؟ هي التي قامت من أجلها الثورات التاريخية كلها حتي هذه اللحظة بسبب المظالم التي تقع من المشرعين الذين يشرعون لصالحهم وصالح الطبقة التي ينتمون إليها ، فيثور المظلومون ليرفعوا هذا الظلم أو ليحاولوا رفعة علي أقل تقدير .
فإذا كانت القضية علي هذا القدر من الأهمية ، وكان لها كل هذا الأثر في حياة الناس علي الأرض – بصرف النظر عن مصيرهم بعد ذلك – فلننظر من المشرع الحقيقي في الديمقراطية الليبرالية أو في الحقيقة في أي جاهلية لا تحكم بما أنزل الله .
إنهم بادئ ذي بدء بشر ، ثم هم بعد ذلك طبقة معينة لها مصالح معينة لا تتحقق بصورتها التي يريدونها إلا علي حساب الآخرين .
كان الحاكم في الإقطاع هو أمير الإقطاعية الذي يملك ويحكم ، ولا معقب من البشر لحكمة ، لأنه هو السلطة الوحيدة ولا أحد غيره يملك شيئا من السلطان .
والحاكم في الديمقرطية الليبرالية هو الرأسمالية التي تملك وتحكم ولا معقب من البشر لحكمها ، وإن كان التشريع – نظريا – من حق الشعب ، والتعقيب نظريا في يد الشعب !
الرأسمالية – يهودية أو غير يهودية – هي التي تدير المسرحية كلها ، وهي التي تضع التشريعات للمحافظة عل مصالحها ، علي حساب مصالح " الشعب" الذي يقع عليه الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل جاهلية من جاهليات التاريخ .
ولا ينبغي أن تخدعنا الصيحات والشعارات عن حقيقة الواقع ، ولا ينبغي كذلك أن يخدعنا وجود بعض الأصوات " الحرة " في المجالس النيابية أو في الصحافة ووسائل الإعلام ، فهذا ذاته جزء من " فن " المسرحية كما أشرنا من قبل ، لأن الرأسمالية التي بيدها السلطان – يهودية أوغير يهودية – تعلم أن هذه الأصوات المتناثرة لن تغير شيئا من الواقع ،ـ ولن تحدث تعديلا حقيقا في أدوار المسرحية المرسومة ،وهي في الوقت ذاته دعاية ضخمة للديمقراطية التي من خلالها تتحقق كل مصالح الرأسمالية ! فكلما ارتفعت هذه الأصوات " الحرة " اطمأنت الجماهير إلي اللعبة الدائرة واستنامت لها ، وتركت أصحاب السلطان ينفذون من خلال اللعبة إلي كل ما يريدون !
أما الحقوق والضمانات التي نالها الشعب فقد كانت – كما قلنا أكثر من مرة – ثمرة نضال الجماهير ولم تكن ثمرة الديمقراطية ! وإذا كانت الرأسمالية قد تنازلت – مكرهة – عن بعض الفتات خوفا من ضياع الأصل كله ، فلم يكن ذلك بفضل النظام البرلماني ذاته ، بقدر ما كان ذلك راجعا إلي نظام الرأسمالية " الحرة " واعتمادها علي العامل الذي يتمتع بقسط محدود من الحرية ، لكي تتمكن هي من تحقيق الأرباح الفاحشة التي تحققها.. ولا تستطيع الرأسمالية الحرة أن تزيد سلطانها أكثر مما واقع في أيديها .. وإلا لفعلت ! لأن الدكتاتورية التي تلزم العمال بالعمل تحت ضغط الحديد والنار لا يمكن أن تتم بصورة جماعية ( أي باجتماع الرأسماليين كلهم بعضهم مع بعض ) لأنها تحتاج بطبيعتها إلي تركيز السلطة في يد فئة محدودة جدا من الناس ، وعندئذ لا يستطيع الرأسماليون ذاتهم أن يوجدوا ولا أن يكون لهم سلطان ، لأن السلطة التي تستطيع أن تسخر العمال للعمل تحت القهر ، ستلتهم الرأسماليين أنفسهم كما حدث في الدولة الشيوعية .. ومن هنا تجد الرأسمالية نفسها مكرهة – للمحافظة علي وجودها ذاته – أن تسمح بهذا الفتات المتناثرة للشعب ، ويتم ذلك عن طريق هذا اللعب الطريفه . لعبة الديمقراطية ، تحقق بها الرأسمالية أكبر قدر متاح من الربح ، وتترك للشعب كثيرا من المظالم وشيئا من الفتات !
الظلم هو طابع الجاهلية التي يشرع فيها البشر للبشر بدلا من أن يتحاكم البشر كلهم إلي شريعة الله !
إن المجتمع الجاهلي لابد أن ينقسم بطبيعته إلي فئتين اثنتين : سادة وعبيد سادة في يدهم السلطان وفي يدهم التشريع وعبيد يقع عليهم السلطان ويقع عليهم التشريع .
وأيا تكن طرافة اللعبة الديمقراطية فهي لا تستطيع أن تخفي هذه الحقيقة وهي أن الرأسماليين هم السادة ، هم المشرعون ، وأن الشعب هو العبيد الذين يقع عليهم عبء التشريع .
حقيقة إن " العبيد " في ظل الديمقراطية الليبرالية هم في أفضل وضع وجد به العبيد في أية جاهلية من جاهليات التاريخ ( بسب طبيعة الرأسمالية الحرة – كما أسلفنا – وعجزها عن تحقيق الربح إلا عن طريق العامل الذي يتمتع بقسط محدود من الحرية ) إلا أن هذا لا يغير حقيقة وضعهم ، وهو إنهم عبيد .. عبيد مهما امتلكوا – في المسرحية الطريفة – من " مظاهر " الحرية !
إن الحرية الحقيقة لا يمكن أن تتحقق في أية جاهلية تحكم بغير ما أنزل الله لأن الحكم بغير ما أنزل الله هو الذي يقسم الناس إلي " أرباب " و " عبيد " ! أرباب يشرعون وعبيد ينفذون . ولا يملك العبيد حرية حقيقية إزاء الأرباب !
إن رد" الحاكمية " لله ، أي التحاكم إلي شريعة الله وعدم التحاكم إلي أي شريعة أخري غير شريعة الله ، فضلا عن كونه من حق الله علي عباده لأنه من الخصائص الخالصة للألوهية : {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف 7/54] فإنه في الوقت نفسه هو الضمان الحقيقي لحرية البشر في الأرض ، وعدم تحويل بعضهم إلي أرباب وأكثريتهم إلي عبيد لأولئك الأرباب .
إن إخلاص العبودية لله وحده- سواء في إفراده بشعائر التعبد أو إفراده الحاكمية – هو الذي يغلي وجود الأرباب ، ويحرر الناس في الأرض من عبودتهم .
ما دام الله وحده هو المعبود – سواء بتقديم الشعائر له وحده أو بتنفيذ شريعته دون كل الشرائع – فمن أين يوجد الأرباب الذين يتعبدون العبيد ؟!
لا يتحرر الناس الحرية الحقيقية في الأرض حين يكون الله وحده هو الرب والناس كلهم – حكاما ومحكومين – عبيدا لله وحده دون شريك .
عندئذ فقط يولد الناس أحرارا ويظلون أحرارا إلي أن تنتهي أجالهم .
وعندئذ فقط يشعر الناس بالاستعلاء – استعلاء الإيمان – علي كل قوة في الأرض بشرية كانت هذه القوة أو مادية أو اقتصادية ، لأنهم يستمدون وجودهم وقوته من الله ، والله أكبر .. أكبر من كل قوة في الوجود .
عندئذ يحدث ما حدث في صدر الإسلام ، والعبودية خالصة لله وحده في كل مجال من مجالات الوجود .
يقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول : أيها الناس اسمعوا وأطيعوا ، فيقف له سلمان الفارسي يقول: لا سمع لك علينا اليوم ولا طاعة حتي تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي أئتزرت به !
ويتحاكم علي بن أبي طالب كرم الله وجه إلي القاضي شريح مع اليهودي الذي سرق درعه فيسأله القاضي: يا أمير المؤمنين ! هل من بينه ؟! فيقول علي كرم الله وجه : صدق شريح ! مالي بينه ! فيحكم القاضي بالدرع لليهودي تنفيذ لشريعة الله !
ويستمتع بهذا العدل – الذي يولد الشعور بالحرية – حتي الذين لم يؤمنوا بهذا الدين ولكنهم استظلوا بظله واستظلوا بعدالته ، فيرحل القبطي من مصر إلي المدينة ليشكو إلي عمرو بن العاص حين غلبه الشاب القبطي في السباق .. وهو الذي كان إلي عهد جد قريب تلهب ظهره سياط الرومان فلا يحس بآدمية المسلوبة ولا يتحرك للشكوي .. ولمن يشكو حتي إذا أراد ولكن العدل الرباني المتمثل في شريعة الله هو الذي جعل ضربة العصا توجع الكرامة ، وتحرك الرجل ألوف الأميال طلبا لنصفه ورفعا للظلم .. ويجاب الرجل إلي حقه تحقيقا لشريعة الله ..
كلا ! لا تتحقق الحرية الحقيقية ولا المساواة الحقيقية ولا الإخاء الحقيقي إلا حين يكون الله وحده هو المشرع، ولا يكون للبشر حق التشريع من عند أنفسهم وكل ما ترفعه الديمقراطية من شعارات " الحرية والإخاء والمساواة " إن هو إلا شعارات ! شعارات غير قابلة للتحقيق في عالم الواقع ما دام بعض البشر يشرعون وبعضهم الآخر – وهم أكثرية الناس – يخضعون للتشريع ، وما دامت الأقلية التي تشرع إنما تشرع لمصالحها الخاصة علي حساب الآخرين .
وهب كل الناس شرعوا كما تزعم الديمقراطية في أقوالها النظرية ، وهب كل الناس استطاعوا أن يوفقوا – في التشريعات التي يضعونها بأنفسهم – بين مصالح الحاكمين والمحكومين فزال الظلم ، وزالت عبودية بعض البشر لبعض ، وهو فرض جدلي لا يمكن أن يتحقق ، ولم يتحقق في أي جاهلية من جاهليات التاريخ التي تحكم بغير ما أنزل الله ، فهل تستقيم الحياة في الأرض علي صورة صحيحة حين يكون البشر هم المشرعين ؟!

البيان
10-18-2007, 08:09 PM
أليس البشر – كلهم في هذه المرة – هم الذين شرعوا فوضي الجنس ؟!
ودعك الآن من أن اليهودية الشريرة هي التي أوحت لأولئك البشر فشرعوا :
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [سورة الأنعام 6/112]
دعك من هذه القضية لأن خضوع الديمقراطية لليهودية الشريرة ليس عذرا لها فيما تفعل ، بل هو عيب رئيسي من عيوب وكلن خذ الصورة الظاهرة وهي أن هذه الفوضي تمر بالموافقة الإجماعية من الناس ، سواء في المجالس النيابية أو في وسائل الإعلام أو في واقع الحياة .. فهل تستقيم الحياة بتلك الفوضي الجنسية التي شرعها البشر ؟!
أليس البشر – كلهم في الديمقراطية – هم الذين شرعوا الربا ؟!
ودعك مرة أخري من أو اليهودية الشريرة هي التي دفعت الناس دفعا إلي تشريع الربا .. فخضوع الناس في هذا الأمر لليهودية العالمية ليس عذرا لهم ، بل هو وزر يحملونه أما الله يوم القيامة ، وهو – أو مثلة – الذي قال الله فيه عنهم :
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة التوبة 9/31]
أي اطاعوهم في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله كما قال العلماء والمفسرون في تفسير هذه الأية
دعك من هذا وخذ واقع الحياة في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية ، تجد أن الربا يمر بموافقة إجماعية بغير اعتراض .. فهل استقامت الحياة بالربا الذي أحله البشر ؟!
أليس البشر – كلهم في الديمقراطية – هم الذين وافقوا علي " تحرير "
ودعك مرة ثالثة من أن اليهودية الشريرة هي التي وسعت تلك القضية ولعبت بها لإفساد المجتمع البشري كله ، فإن اليهودية الشريرة ما استطاعت أن تفعل ذلك إلا في مجتمع متفسخ أدار ظهره للهدي الرباني فركبته الشياطين .. وخذ الصورة الظاهرة وهي أن " المرأة المتحررة" .. المتحررة من الدين والأخلاق والتقاليد ، بل من الحياء الفطري ذته ، تمر بموافقة البشر كلهم ورضاهم وطلبهم للمزيد من " التحرر " ! .. فهل استقامت الحياة حين تحررت المرأة علي هذه الصورة التي شرعها البشر ؟!
وخذ مئات من التشريعات التي شرعها البشر – كلهم في الجاهلية المعاصرة – وأنظر أثارها في حياتهم ، الحنون والقلق والأمراض النفسية والعصبية والانتحار وإدمان الخمر والمخدرات والجريمة وتشرد الأطفال وجنوحهم . إلي جانب الفردية الجامحة وتفكك الأسرة وتفكك المجتمع وقتل المشاعر الإنسانية وتحويل الإنسان إلي حيوان آلي ، تدير الآلة نصف حياته وتدير بقيتها الشهوات !
ذلك كله حين يشرع البشر لأنفسهم ، ولو شرعوا كلهم مجتمعين متناسقين بلا تظالم ولا صراع ! ذلك أن البشر- بطبيعتهم – يتصفون بالقصور و الجهل ، والعجز عن الإحاطة ، والعجز عن رؤية النتائج الكاملة المترتبة في المستقبل علي أعماهم الحاضرة .. فحين يتجاوزون الاجتهاد فيما أذن الله بالاجتهاد فيه ، ويحلون ويحرمون بغير ما أنزل الله ، تقع تلك الفوضي الضاربة أطنابها ، ويقع ذلك الشقاء المرير الذي يملأ وحه الأرض .
وهكذا يتبين لنا أن قضية " من المعبود ؟ " ليست قضية غيبية خاصة بالآخرة كما يصورها الجاهليون المحدثون ، ولكنها – بالإضافة إلي كونها متعلقة بالآخرة قضية من صميم هذه الحياة الدنيا ، لأنه يترتب عليها تقرير " "من المشرع "؟ أي من واضع منهج الحياة للناس … وأنه حين لا يكون الله هو المعبود وحده بلا شريك ، تخيل الحياة الدنيا بجملتها ويقع الناس في الخبال .
فإذا قومنا الديمقراطية بهذا الميزان فيكف تكون النتيجة ؟!
الله هو المعبود في الديمقراطية الليبرالية وحده دون شريط ؟! أم هناك عشرات من الآلهة الزائفة تعبد مع الله أو من دون الله ؟ وكلاهما سواء . فإن عبدت مع اله فهو الشرك ، وإن عبدت من دون الله فهو الكفر .. والشك والكفر كلاهما كفر !
حقا إن هناك ألوفا من الكنائس تفتح أبوابها يوم الأحد لتستقبل المصلين ودع الآن جانبا ما في العقيدة الكنسية من التحريف ، ودع جانبا كذلك مئات الملايين الذين لا يذهبون إلي الصلاة أصلا ولا يعترفون بوجوبها عليهم .. وأنظر إلي هذا المصلي الذي جاء يحضر الصلاة بدافع من " التدين" ما رأيه في الربا ؟ ماذا لو قام أحد يخبره أن الربا حرام ، ويدعوه إلي أستنقاذ أمواله من الربا وعدم التعامل به في الأخذ والعطاء ؟! كم تكون سخريته ؟ وكيف يكون جوابه ؟ إن الجواب الوحيد الذي يرد به الغربي علي هذه الدعوي هو أن الربا مسألة اقتصادية بحتة والدين لا علاقة له بالاقتصاد !
وما رأيه في علاقات الجنس ؟ ماذا لو قال له أحد الناس إن هذه العلاقات كلها حرام إلا الزواج الشرعي ، و دعاه ليعدل سلوكه ويعدل عن " الصدقات " التي يمارسها .. فماذا يكون جوابه .. أو جوابها لو كانت فتاة ؟! إن الفتاة الأمريكية تقول بملء فيها إن الجنس مسألة " بيولوجية " لا علاقة لها بالدين ولا علاقة لها بالأخلاق !
الله هو المعبود في الديمقراطية الليبرالية ؟ أم عشرات من الآلهة المزيفة تحكم حياة الناس وتتحكم فيها ؟
الدولار إله والإنتاج إله . والصالح القومي إله. ولمجتمع إله و" الرأي العام " إله . والعقل إله . والعلم إله . والإنسان إله. والآله إله . و" المودة " إله والشهوات إله .. والهوى إله
كلها تعبد مع الله او من دون الله . وكلها تعطي إجابة حاسمة بالنسبة للقضية الكبري في حياة الإنسان ، قضية المعبود : هل هو الله ام شئ أخر غير الله ..
كلها تقول إن المعبود في الديمقراطية الليبرالية ليس هو الله .
  

أما القضية الثانية فهي قضية إنسانية الإنسان ..
وكما ألغت الجاهلية المعاصرة اليوم الآخر من حس الناس لكيلا تفقد شرعية وجودها من أول حظة ، وألغت الإيمان بالله لكي لا يعوق " مصالحها" ومخططاتها .. فكذلك ألغت كل معيار حقيقي لإنسانية الإنسان ، لذات الدوافع وذات الأسباب !
لو أقرت الجاهلية المعاصرة أن الإنسان يختلف عن الحيوان منذ البدء في أن له عقيدة واعية في الله ، وقدرة علي الإيمان بما لا تدركه الحواس ( أي الإيمان بالغيب ) وأن أعماله – كلها – تحمل قيمة خلقية ناشئة من أن له طريقين لاطريقا واحدا كالحيوان ، وقدرة علي التمييز بين الطريقين وقدرة علي الاختيار ، ومن ثم يوصف عمله بأنه خيرا أو شريا ، بينما لا يوصف بذلك عمل الحيوان ..
ولو أقرت بذلك فكيف تبر كل ممارستها التي تقيمها علي أساس حيوانية الإنسان ؟
ولو أقرت بذلك فيكيف تفعل بمخططاتها ومصالحها ؟!
كيف يتحقق للرأسمالية ربحها الحرام ، القائم أساسا علي الفصل الكامل بين العمليات الاقتصادية وبين الدين والأخلاق ؟ وكيف يتحقق لليهودية مخططها في است**** الأمميين وتسخيرهم لشعب الله المختار ؟
كيف يتحقق للرأسمالية ربحها من الربا ، ومن الصناعات التافهة التي تميع الطابع وتفسد الأخلاق ، ومن الحروب التي تثيرها من أجل إيجاد أسواق لتصريف فائض الإنتاج ؟
وكيف يتحقق لليهودية مخططها في إفساد الرجل والمرأة وشغلهما بمقاذر الجنس عن تنشئة أطفال صالحين يقومون في شبابهم بإرساء قواعد الحق والعدل وإرساء قواعد الأخلاق ؟ وكيف تقوم بتفكيك روابط الأسرة والمجتمع ، وشغل البشرية كلها بجنون الجنس وجنون السينما وجنون التليفزيون وجنون الكره وجنون " المودة " وجنون" التقاليع "..؟
كلا‍إنها لا يمكن أن تقر بذلك ، لا لأنه ليس حقيقة في ذاته ، ولكن لأن الإقرار به يفقدها شرعية وجودها علي التو ، ويضر أيما إضرار بمخططاتها ومصالحها .
وإذن فلتقل أي شئ تميع به القضية وتبعد حقيقتها عن الأذهان .
فلتقل إن الحضارة المادية هي مقياس إنسانية الإنسان !
فلتقل إن مقدار استهلاك الانسان للكهرباء هو مقياس إنسانية الإنسان
فلتقل إن " حرية " الانسان في أن يفعل كل ما بدا له هو مقياس إنسانية الإنسان !
أو فلتقل إنه لا يوجد مقياس ثابت لقياس إنسانية الإنسان !
المهم أن تكتم الحقيقة عن الناس حتي لا يستيقظوا لحقيقتهم : أنهم فقدوا نسانيتهم بالفعل ، وأصبحوا أولئك الحمير الذين يريدهم – ليركبهم – شعب الله المختار !
ولكن الإسلام – دين الله الحق – يقرر الحقيقة ويبرزها ويؤكد عليها : أن الإنسان خلق إنسانا من اول لحظة ، وكلف تكاليف الإنسان ، فحمل الأمانة التي اشفقت من حملها السموات والأرض والجبال ، وأنه يحافظ علي إنسانيته طالما ظل حاملا للأمانة ، ويفقدها حين يتخلى عن حملها .
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة 2/30]
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} [سورة ص 38/71-72]
{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/61]
{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [سورة الأحزاب 33/72]
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)} [سورة الذاريات 51/56]
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [سورة الأعراف 7/172]
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)} [سورة البقرة 2/38-39]
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} } [سورة الشمس 91/7-10]
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36)} [سورة النساء 4/36]
{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17)} [سورة آل 3/17]
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)} [سورة المؤمنون 23/1-11]
{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)} [سورة الشورى 42/37-39]
{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)} [سورة الرعد 13/20-21]
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} [سورة الأنعام 6/162-163]
هذا هو الإنسان . وهذا مقياس إنسانيته .
إنه ليس حيوانا . إنما هو إنسان من أول لحظة . ومهمته محددة من أول لحظة . إنه الخليفة في الأرض ، المسيطر فيها ، المهمين عليها ، القائم بعمارتها ، ولكن يمقتضي المنهج الرباني المستمد من الهدي الذي يتنزل من عند الله لتنظيم حياة البشر علي الأرض ، وضبطها بالضوابط الصحيحة لتقسيم وتلك هي " الأمانة " التي حملها الإنسان وأشفقت من حملها بقية الخلائق التي تخضع لأمر الله بالقهر ولا تقوم بعمل إرادي ، أما الإنسان الذي وهب الإرادة والإدراك والقدرة علي العمل والإنشاء والتعمير والقدرة علي الاختيار ، فهمهمته – أو الأمانة الملقاة علي عاتقه – هي عبادة الله طوعا – وتعمير الأرض بمقتضي منهج الله ، وهو " إنسان" طالما هو قائم بهذه الأمانة ، أي عابد لله وحده بلا شريك ، ومعمر للأرض بمقتضي المنهج الرباني المتمثل في الحكم بما أنزل الله ، والالتزام بما جاء من عند الله ، ومواصفاته – أو ضوابط إنسانيته ومعاييرها – هي هذه الصفات الواردة في الآيات من خشوع في الصلاة وإعراض عن اللغو ، وأداء للزكاة ، وضبط لشهوة الجنس ، ورعاية للأمانة والعهد ، وصبر وصدق وقنوت وإنفاق واستغفار ، ومغفرة عند الغضب ، وقتال ضد البغي .. إلخ .. إلخ
هذا مقياس ثابت لإنسانية الإنسان لا يطرأ عليه التغيير .
وحقيقة أن هناك متغيرات كثيرة في حياة البشرية تنشأ من التفاعل الدائم بين العقل البشري والكون المادي ، واستخلاص طاقات الكون وتسخيرها لمصلحة الإنسان ،لكن هذه المتغيرات كلها لا تغير القيم الثابتة التي تحكم حياة الإنسان ، بل ينبغي أن يحكم الثابت المتغير لكي تستقيم الحياة علي الأرض ولا تنفلت الأمور من عقالها فيصيب البشرية الخبل والاضطراب .
فهذه الطاقات أولا مسخرة من عند الله للإنسان
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]
والجهد الذي يقوم به الإنسان لتحقيق هذا التسخير والأدوات التي يستخدمها هي من عند الله كذلك:
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} [سورة النحل 16/78]
والشكر يقتضي استخدام هذه الطاقات كلها بمقتضي أوامر المنعم الوهاب .
هذا من جهة ، ومن جهة أخري فإن استخدام هذه الطاقات يغير " الصورة " التي يحيا بها الإنسان علي الأرض ولكنه لا يغير " الجوهر" الإنساني من حيث تكوينه الأصيل ولا من حيث مهمته في الأرض ، ومن ثم لا تتحكم الصورة المتغيرة في الجوهر الثابت ، إنما يتحكم الجوهر الثابت في الصورة المتغيرة علي الدوام
يقول " رينيه دوبو" في كتاب " إنسانية الإنسان "
عاش رجل " كروماجنون Cro-magnon" في أكثر إنحاء أوربا قبل حوالي ثلاثين ألف سنة ، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة ، ومع أنه كان صيادا بصورة رئيسية ، فقد كان – علي ما يظهر – مشابها لنا جسما وعقلا . فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن . وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا ، وا***اية التي كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما في الاهتمام بنهاية الإنسان وأخرته ، وكل أثر مدون من أثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخري للفكر القائلة إن الخواص الأساسية للجنس البشري لم تتغير منذ العصر الحجري
وهكذا لا يتغير جوهر الإنسان بتغير الصورة التي تكون عليها حياته ، ومن ثم لا تتغير كذلك ضوابطه ومعاييره .
وحقيقة إن التقدم العلمية والمادي والتكنولوجي هو ذاته معيار من معايير " الإنسان" .. فقد أنشأ الله الإنسان ليعمر الأرض ، وسخر له ما في السموات وما في الأرض ليقوم بعلمية التعيمر فإن تواني في ذلك أو تقاعس فهو مقصر في جانب من جوانب إنسانية ، ولكن هذا المعيار ليس هو المعيار الأوحد ، ولا هو المعيار الأول ، إنما يأتي في مكانة الطبيعي بعد تقرير المبادئ والقيم التي تتوقف عليها إنسانية الإنسان ، والفارق بينه وبين المعايير الأخري – معايير القيم والمبادئ – أن القيم والمبادئ يمكن أن تشكل إنسانا ولو كان ناقصا في جانب التقديم العلمي والمادي والتكنولوجي ، فهو " إنسان " ولكن ينقصه جانب من الجوانب ينبغي عليه استكماله ليستكمل إنسانيته ، أما التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي – بغير قيم ومبادئ – فلا يشكل إنسانا علي الإطلاق !
ومصداق ذلك هو " إنسان " القرن العشرين ! الذي هو أقرب شئ إلي إنسان الغاب "
إنه في قمة التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي .. ولكنه بمقياس الإنسانية هابط إلي الحضيض !
  

إذا قومنا الديمقراطية الليبرالية بالمعيارين يقوم بهما الإسلام حياة البشر علي الأرض ، وهما قضية العبادة وقضية إنسانية الإنسان ، فماذا تكون يا تري حصيلتها في الميزان ؟!
فأما العباد فقد تبين لنا أنه ليس الله هو المعبود في تلك الديمقراطية إنما هو الشيطان ، وحيثما لا يكون الله هو المعبود فالمعبود هو الشيطان وإن تعددت السبل وتعددت المسميات
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} [سورة يــس 36/60-61]
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام 6/153]
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [سورة البقرة 2/257]
والطاغوت هو كل شئ أو شخص أو نظام يعبد الناس لغير الله ، أو يتعبده الناس من دون الله ، وعبادته فرع عن عباده الشيطان .
وأما إنسانية الإنسان فأين هي علي وجه التحديد في الدوامة الوحشية التي يعيش فيها الإنسان الجاهلي المعاصر ؟
هي في مبادة الجنس المتدنية إلي أدني من بعض أنواع الحيوان ؟
أهي في إدمان الخمر والمخدرات ؟
أهي في الجريمة التي تتزايد نسبتها علي الدوام ؟
أهي في تفاهة الاهتمامات والبحث الدائم عن المتاع الحسي الغلي؟
أهي في العبودية للالة التي أصبحت هي التي تتحكم في حياة الإنسان؟
أهي في شريعة الغاب : القوة هي الحق ، والقوي يأكل الضعيف ؟
أهي في المواثيق التي تبرم لتنقض والعهود القائمة علي الخداع ؟
أهي في هذا المسخ المشوة الذي فقد إشراقه الروح وعاطفة الإنسان ؟
حقا .. هناك الضمانات والحقوق التي ترتبط اليوم بالديمقراطية وتشكل جانبا بارزا من جوانبها .. ولا شك – كما قلنا – أنها تمثل نقله كبيرة انتقلها " الإنسان" في مسيرته التاريخية علي الأرض ، ولكن الشر الذي يحيط بهذا الخير الجزئي ، هو في الديمقراطية الليبرالية من الضخامة بحيث يذهب في النهاية بكثير من نفع هذا الخير ، لأنه يدمر " الإنسان " كله في نهاية المطاف ، فلا يجدي – حين يسقط الإنسان كله إلي الحضيض – أننا كنا قد رفعنا جانبا من حياته إلي المستوي اللائق بالإنسان !
وليس معني ذلك أننا ننقص من قيمة تلك الضمانات والحقوق بحال من الأحوال ، إنما الذي نعنيه أنها تكون في وضعها الطبيعي ، وتتحول إلي خير شامل ، حين يكون الإنسان بكاملة علي مستوى الإنسان .. وهو ما عجزت تلك الديمقراطية عجزا فاضحا من تحقيقه ، أو قل إن شئت إنه لم يرد لها أن تحققه منذ البدء ، لأن تحقيقه لا يمكن الجاهلية الرأسمالية من الوجود فضلا عن التضخم ، ولا يمكن شعب الله المختار من ركوب الاممين كما يشتهون !
هناك وضع واحد تتحقق فيه كل الضمانات والحقوق التي جاءت بها الديمقراطية علي المستوي الأرفع ، مع المحافظة الكاملة علي إنسانية الإنسان .
ذلك حين يكون الإنسان عابدا لله ، مطبقا لشريعة الله ، أي حين يحقق الإنسان الإسلام ! عندئذ تتحقق الكرامة الحقيقية للإنسان وتتحقق له كل الحقوق والضمانات التي وهبها الله للإنسان لتتحقق له كرامته في واقع الأرض .
يقول الله سبحانه وتعالي :
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)} [سورة الإسراء 17/70]
ويقول الرسول : " أيها الناس إن دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام …
فيقرر الله أصل الكرامة لبني آدام ، ويقرر الرسول  حرمة الدماء والأموال والاعراض تحقيقا لتلك الكرامة في عالم الواقع ، في التعامل الذي يجري بين الناس ، ثم تتولي التوجيهات الربانية وتوجيهات  لتحديد مجالات تكل الكرامة علي أوسع نطاق عرفته البشرية في تاريخها .
يامر الله ألا تنتهك حرية المسكن :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)} [سورة النــور 24/27-28]
والتجسس كذلك حرام .
يقول تعالي : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا...} [سورة الحجرات 49/12]
ويقول الرسول  : " من استمع إلي حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة "
وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله  ، وإن الوحي قد انقطع ، وإنما نأخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم ،فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شئ ، الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة "
ولا يجوز استراق السمع علي الشخص أو مسكنه أو أحاديثه او كشف سر من أسراره أو الإطلاع علي رسائله بغير إذنه .
يقول  : " ولو أن رجلا أطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح
ويقول  : " يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلي قلبه : لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته فيفضحه ولو في داخل بيته
ولذلك ذكر بعض الفقهاء ، أنه لا يجوز التجسس علي إنسان ولا متابعته للكشف عن أسراره ولا دخول مسكنة لتفتيشه إلا بتوفر شرطين :
الأول : ظهور ادلة وعلامات وقرائن علي وجود جريمة معينة .
الثاني : أن يكون في ترك البحث والكشف ودخول المنزل انتهاك حرمة يفوت استدراكها ، كأن يأتي الخبر بان رجلا خلا برجل ليقتله ، أو بأمرأة ليرتكب فاحشة ، فإذا لم يكن الأمر بحيث يفوت استدراكه فلا يجوز البحث والكشف ودخول المنزل .
وفضلا عن ذلك فإن الناس لا يؤخذون بالظنة ، دون وجود تهمة جادة من مصدر موثوق به ، لقوله تعالي : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)} [سورة الحجرات 49/6] كما لا يؤخذ إنسان بجريرة غيره لقوله تعالي: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة فاطر 35/18]
وتقيد حرية الإنسان غير جائز إلا بحكم شرعي يصدره القاضي.
فالأصل في الإنسان ضمان حريته في السكن والحركة والتنقل لقوله تعالي: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)} [سورة الملك 67/15]
وتقييد الحرية بغير حكم شرعي – أي بما يسمي الاعتقال أو الحبس الاحتياطي – غير حائز في الإسلام علي خلاف بين الفقهاء بالنسبة لبعض أنواع المتهمين
فالمتهمون في عرف الفقهاء ثلاثة أنواع
النوع الأول : متهم معروفة بالتقوي والبر يبعد أن يكون من أهل تلك التهمة ، فلا يجوز حبسه من أجل التهمة ن بل ذهب كثير من العلماء إلي أن المدعي عليه إن ظهر كذب دعواه يعاقب سواء قصد أذاه أو لم يقصد ، وذلك منعا لتسلط اهل الشر والعدوان والسفهاء علي أعراض أهل البر والصلاح
النوع الثاني : المتهم المجهول الحال الذي لا يعرف ببر ولا فجور ، وهذا اختلف العلماء في سجنه احتياطيا عند وجود تهمة موجهة له ن فرأي الجهور جواز حبسه حتي ينكشف أمره ، ورأي البعض عدم جوز حبسه ، فأما الذين يرون جواز حبسه فقد قيدوا ذلك بالضرورة وبوجود أسباب قوية تدعو إلي ذلك ، ثم اختلفوا في مدة الحبس فحددها بعضهم بيوم وبعضهم بيومين وبعضهم بثلاثة أيام ,.. وأوصلها بعضهم إلي شهر كحد أعلي مع التقييد بالضرورة
النوع الثالث : المتهم المعروف بالفجور والفساد والسيرة الإجرامية ، وهذا يري جمهور الفقهاء أن يحبس حبسا احتياطيا حتي تثبت براءته إن كان برئيا وإن كان بعض الفقهاء كابن حزم لا يري حواز حبس أي إنسان علي الإطلاق بناء علي مجرد الإتهام لأن الأصل في الإنسان براءة الذمة
ولأن الأصل براءة الذمة لا يخلف المتهم في القضايا الجنائية المتعلقة بحق الله تعالي ، بل يذهب بعض العلماء إلي عدم تحليف المتهم في القضايا الجنائية المتعلقة بحق العبد ( أنظر مثلا الطرق الحكمية لابن القيم ، ط. دار الكتب العلمية ببيروت ، ص 100 – 104 )
اما الإكره علي الاعتراف فغير جائز بحال ، ولا خلاف بين الفقهاء في أن الضرب والتعذيب والحبس والقيد داخله كلها في الإكراه ، وأن اختلفوا في التهديد والوعيد فرأي الجمهور انه داخل في الإكراه ، ورأي البعض أنه لا يكون إكراها إلا إذا صدر من قادر علي تنفيذه ، وغلب علي ظن المتهم وقوع ما هدد به إذا لم يقر وكان المهدد به ضارا بحيث يعدم الرضا أو يفسده ، وكون المتهم عاجزا عن مقاومته
ولا يعتبر إقرار المكره صحيحا لقوله  : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عيه " ولقول عمر رضي الله عنه : " ليس الرجل بأمين علي نفسه إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته " ( أنظر المعني والشرح الكبير ج8/ص 260 – 262 ، ج 10ص 172 طباعة دار الكتاب العربي ببيروت 1392هـ – 1972م).
تلك ضمانات الاتهام وضمانات التحقيق فى الإسلام
أما ضمانات المحاكمة فقد قررها الإسلام قبل أربعة عشر قرنا .
الضمانة الأولى والكبرى هى الحكم بشريعة الله التى يتمثل فيها العدل الربانى الشامل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)} [سورة المائدة 5/44]
ولا يقضى القاضى بالحد إلا إذا استوثق تماما أن المتهم غير معذور فى الجرم الذى ارتكبه ، وإلا فالحكم هو درء الحد بالشبهة لقوله صلى الله عليه وسلم : " ادرءوا الحدود بالشبهات " "
" سرق غلمان لابن حاطب ابن أبى بلتعة ناقة لرجل مزنى فأتى بهم عمر فأقروا فأمر كثير ابن الصلت بقطع أيديهم ، فلما ولى رده ، وقال لابن حاطب : والله لولا أنى أعلم أنكم تستعملونهم فتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه ، لحل له ، لقطعت أيديهم . فإذ لم أفعل فلأغرمنك غرامة توجعك .. ثم التفت إلى المزنى فقال: يا مزنى ‍! بكم أريدت منك ناقتك ؟ قل بأربعمائة . قال عمر لابن حاطب : اذهب فأعطه ثمانمائة ! "
فحكم عمر رضى الله عنه أولا بدرء الحد لقيام شبهة الجوع دافعا للسرقة . وحكم ثانيا بعقاب " الفاعل الأصلى " وهو صاحب الغلمان الذى استخدمهم ولم يشبعهم فدفعهم الجوع إلى السرقة ، فغرمه ضعف ثمن الناقة .
كما أوقف عمر حد السرقة عام الجوع تطبيقا للمبدأ ذاته : ادرءوا الحدود بالشبهات .
ومن الضمانات أن القاضى لا يقضى بعلمه وإنما بالقرائن والأدلة وشهادة الشهود العدول . ولا يقضى القاضى وهو غضبان ، ولا يقضى وهو معرض لأى عارض يؤثر فى قدرته على الحكم الصحيح .
وكذلك ضمانات التنفيذ قررها الإسلام ، وزاد فيها ضمانة لم يتضمنها أى قانون أرضى حتى هذه اللحظة ، وهى رد الاعتبار الكامل للمجرم بعد تطبيق الحد عليه .
فأما فى التنفيذ فلا يجوز تعدى العقوبات المقررة شرعا . قال صلى الله عليه وسلم : " من جلد حدا فى غير حد فهو من المعتدين "
وأما فيما بعد التنفيذ فيكفى هذان المثالان لتقرير تكريم الإسلام للإنسان وإن هبط فى لحظة عابرة مادام قد كفر عنها بالعقوبة التى وقعت عليه وبالتوبة إلى الله :
" حدثنا قتيبة بن سعيد .. عن إبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب فقال اضربوه . قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه . فلما انصرف قال بعض القوم : اخزاك الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا هكذا . لا تعينوا عليه الشيطان
وجاء فى قصة ماعز بن مالك : فأمر به فرجم ، فسمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه : انظر إلى هذا ستر الله عليه فلم تدعه نفسه الخبيثة حتى رجم رجم ال*** .. فسكت عنهما ، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة **** شائل برجليه ، فقال : أين فلان وفلان ؟ فقالا : نحن ذان يا رسول الله . قال : أنزلا فكلا من جيفة هذا ال**** ! فقالا : يا نبى الله من يأكل من هذا ؟! قال : فما نلتما من أخيكما أنفا أشد من أكل منه " .
تلك ضمانات الإسلام التى سبق بها الديمقراطية بأكثر من ألف عام .
وأما الحقوق فقد قررها الإسلام كذلك فى وقت مبكر كانت أوروبا والعالم كله يعيش فى الظلمات .
فأما الحقوق السياسية التى تفاخر بها الديمقراطية فقد كان الإسلام أول من أزال " القداسة " عن الحاكم بإفراد الله بالألوهية والربوية ، فلا يعبد إلا اله ولا تطبق شريعة إلا شريعة الله .
جاء الإسلام والحكام ذوو قداسة حقيقية لا مجازية . بعضهم توجه إليه شعائر التعبد كقيصر وكسرى ، وكلهم يشرعون فتسرى شريعتهم فى الرعية أمرا غير مردود .
وجاء الإسلام ليقول : لا إله إلا الله . ولا معبود إلا الله . ولا حاكم له حق التشريع إلا الله .
وعندئذ تقررت الحرية السياسية الحقيقة للناس .
ليست الحرية كامنة فى مجلس نيابى أو عملية تصويت شعبية ، إذا كان نتيجة ذلك أن تتحكم فئة معينة من الناس فى رقاب بقية الناس . إنما الحرية الحقيقية مرتبطة بتحديد من له حق التشريع .. فإذا كان البشر هم الذين يشرعون فلا حرية فى الحقيقة ، إنما عبودية مقنعة من جانب وربوية زائفة من جانب .. وإذا كانت الحاكمية لله فهنا يتجرد الحكام من الربوية ويصبحون عبيدا له كبقية العباد .
إن الذى جاء به الإسلام أعظم بكثير فى تقرير حرية الإنسان من كل ما أتت به الديمقراطية بعد الصراع الممتد الذى قامت به الشعوب لاستخلاص حقوقها من الطغاة . فمازال الحكام فى الديمقراطية – من وراء ستار – يشرعون ، فيشرعون لمصالحهم على حساب الآخرين . من خلال المسرحية الطريفة المتمثلة فى حق الانتخاب وحق الترشيح ووجود نواب وبرلمانات .
إن الذى صنعه الإسلام هو سلب الحكام أصلا حق التشريع . وبذلك وحده تكف أيديهم عن إيقاع الظلم بالمحكومين ، وبذلك وحده يتحرر الناس فيشعرون بالعزة الحقيقية إزاء الحكام .
لقد قال الله سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)} [سورة النساء 4/59]
فقال أبو بكر الخليفة الأول رضى الله عنه : " أطيعونى ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم " وقال مثل ذلك عمر رضى الله عنه .
ووقف عمر رضى الله عنه يخطب الناس فقال : أيها الناس اسمعوا وأطيعوا . فقال له سلمان الفارسى : لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة ! فلم يغضب عمر العربى القرشى أمير المؤمنين لهذه المقالة من سلمان الفارسى . ولم يأمر بالقبض عليه واعتقاله ، إنما قال له : ولمه ؟ قال سلمان : حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذى ائتزرت به وأنت رجل طوال لا يكفيك البرد الذى نالك كبقية المسلمين ‍!‍فلا يغضب عمر العربى القرشى أمير المؤمنين مرة أخرى من هذه المقالة من سلمان ، إنما ينادى ابنه عبد الله فيقول له : نشدتك الله هذا البرد الذى ائتزرت به أهو بردك ؟ فيقول : نعم ! ثم يقول موجها خطابه للناس : إن أبى رجل طوال لا يكفيه البرد الذى ناله كبقية المسلمين ، فأعطيته بردى ليأتزر به ! عندئذ يقول سلمان : الآن مر !نسمع ونطع .
ولم يكن سلمان متمردا على السمع والطاعة الواجبة للحاكم المسلم . إنما كان يريد فقط أن يستوثق – لله – من كون عمر رضى الله عنه قائما بتنفيذ شريعة الله على الوجه الأكمل . وكان عمر يعلم دافع سلمان إلى مسائلته فيرضى – لله – بهده المساءلة التى لم يقبلها على نفسه حاكم فى الديمقراطية الليبراليى الرأسمالية ولا فى غيرها من نظم الحكم على الإطلاق ‍!
ويقول عمر : إذا أحسنت فأعينونى ، وإذا أسأت فقومونى ! فيقول له سلمان : والله لو جدنا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف ، فيقول عمر – راضيا لله –الحمد لله الذى جعل فى رعية عمر من يقومه بحد سيفه ! !
تلك هى الحرية السياسية فى الإسلام ! منشؤها عبادة الله وحده دون شريك ، التى يترتب عليها نزاع القداسة عن الحكام فى الأرض ، كما يترتب عليها نزع حق التشريع من الحكام بستار أو بغير ستار .. فيحس المؤمن الذى يعبد الله حق عبادته بعزة الاستعلاء التى تسنده أمام الحكام .
خطب عمر الناس فقال : لا تغالوا فى المهور . فقامت له امرأة من عامة المسلمين فقالت يوسع الله وتحرج أنت ؟! إن الله يقول " وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " ! قال أخطأ عمر وأصابت امرأة !
وصحيح أن الله قد ترك أمورا للاجتهاد البشرى ، يضع البشر فيها تشريعات تلائم ما يجد من الأحوال ، ولكن هذه أولا محكومة بالأصول العامة للشريعة وليست متروكة للهوى البشرى كما يحدث فى الديمقراطيات .. وهى ثانيا اجتهادات يقوم بها أولو العلم من فقهاء الأمة الذين يقر الناس لهم بالقدرة على الاجتهاد ، وليست لأى إنسان يفتى فيها بعلم أو بغير علم كما يحدث فى البرلمانات عند التصويت على أى قرار ، إذ تؤخذ القرارات بأغلبية الأصوات ، وتتكافأ أصوات الذين يعلمون والذين لا يعلمون !
وتبقى الأمور الجارية التى تدخل فى باب " السياسية " وهذه يلزم الحاكم أن يستشير فيها يتحمل مسئوليته بعد الاستشارة ! بشرط ألا يخالف نصا من الكتاب والسنة أو ما أجمع عليه العلماء ، ولا يصادم أصلا من أصول الشريعة العامة .
أما حق التعليم فقد نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا ، بل جعله فريضة : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " ( وعلى كل مسلمة لأنها داخلة فى النص ) ودون الدخول فى تفصيل ما يكون من العلم فرض عين وما يكون فرض كفاية ، فإن العليم لم تكن له مشكلة فى العالم الإسلامى ، إلا فى العصور المتأخرة حين بعد الناس عن حقيقة الإسلام . أما فى عصور الإزدهار فقد كان الإقبال شديدا على التعليم ، وكانت الدولة والمجتمع والأفراد يتعاونون فى توفير العلم لكل راغب مجانا ، بلا تكاليف ، بل كانت الدولة تجرى المعاشات للطلاب لتعينهم على طلب العلم دون مشغلة بأمر القوت ، وكانت أوقاف المسلمين الذين يقفون أموالهم على التعليم تكفل المأوى والملبس والمطعم للطلاب فضلا عن التعليم
******
أما حق العمل أو الإعاشة الذى أكرهت الدول الديمقراطية عليه إكراها بسبب المطالبة المستمرة من العمال ، وبسبب الخوف من الشيوعية ، فقد قرره الإسلام ابتداء دون مطالبة من أحد ، ودون صراعات فى المجتمع .
وضع الرسول صلى الله عليه وسلم قواعد مسئولية الدولة عن جميع رعاياها إما بإعطائهم فرصة كريمة للعمل ، وإما بإعالتهم من بيت المال . جاءه رجل يسأله فأعطاه دراهم وقال له أذهب فاشتر حبلا وفأسا واحتطب وبع ما تحتطب للناس . ثم أمره أن يعود إليه ليخبره بما كان من أمره . وكان يوزع أموال الزكاة والغنائم والفىء على المحتاجين بمقتضى قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} [سورة التوبة 9/60]
{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سورة الأنفال 8/41]
{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [سورة الحشر 59/7]
ورغم قلة الموارد فى أول أيام الدولة الإسلامية فإن المبدأ قد تقرر واضحا محددا وهو أن الدولة مسئولة عن جميع رعاياها بقدر ما تسمح مواردها . وعلى الرغم من أن التكافل فى الإسلام ليس مهمة الدولة وحدها ، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتكافل فى داخل الأسرة وحدد لذلك نظاما دقيقا توزع التركات بمقتضاه ، كما وزع التكاليف داخل الأسرة بحيث تشمل مجموع أفرادها ، كما أمر بالتكافل فى داخل المجتمع، وحض القادرين على كفالة غير القادرين .. على الرغم من ذلك فإن مسئولية الدولة ظلت قائمة ، لا يسقطها عنها وجود التكافل فى داخل الأسرة وفى داخل المجتمع . بل تصل الحساسية فى قلب عمر رضى الله عنه أن يقرر مسئولية الدولة لا عن الآدمين الذين يستظلون بظلها فحسب ، بل عن كل كائن حى ، فيقول قولته الشهيرة : لو عثرت بغلة بالعراق ( أو قال بصنعاء ) لكنت مسؤولا عنها لم لم أسو لها الطريق ! ثم يصل الأمر فى أيام عمر بن عبد العزيز أن يقول يحيى بن سعيد : بعثنى عمر على صدقات أفريقية فاجتبيتها فبحثت عن فقراء أعطيها لهم فلم أجد فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس ! فاشتريت بها عبيدا فأعتقتهم !
وجاء فى كتاب " الأموال " فلإمام الحافظ أبى عبيد القاسم بن سلام المتوفى عام 224 هـ : ( ص 357 – 358) وحدثنى سعيد بن أبى مريم عن عبد الله بن عمر العمرى عن سهيل بن أبى عبد الرحمن – وهو بالعراق – "أن اخرج للناس أعطياتهم " فكتب إليه عبد الحميد : " إنى قد أخرجت للناس أعطياتهم وقد بقى فى بيت مال المسلمين مال " فكتب إليه : " أن أنظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه " فكتب إليه : " إنى قد زوجت كل من وجت وقد بقى فى بيت مال المسلمين مال " . فكتب إليه بعد مخرج هذا : " إن أنظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على أرضه . فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين .
وجاؤ فيه ( ص 738 )
" قال : حدثنى يحيى بن بكير قال : سمعت الليث بن سعد يقول : كتب عمر ابن عبد العزيز : " أن اقضوا عن الغارمين " . فكتب إليه : " إنا نجد له المسكت والخادم والفرس والأثاث " فكتب عمر : " إنه لابد للمرء المسلم من مسكت يسكنه وخادم يكفيه مهنته ، وفرس يجاهد عليه عدوه ، ومن أن يكون له الأثاث فى بيته . نعم ! فاقضوا عنه فإنه غارم ! "
إلى هذه الدرجة العجيبة يصل الإسلام فى تقرير مبدأ مسئولية الدولة عن جميع افرادها ، ويصل التنفيذ العملى فى صدر الإسلام لهذا المبدأ قبل أن يثور الثائرون ويطالبوا بهذه الحقوق بأكثر من ألف عام . وما تزال الديمقراطيات – رغم كل خوفها من الشيوعية ، وكل خوفها من تمرد العمال – لا تصل إلى تقرير هذا الحق كاملا كما قرره الإسلام.
  

وأما حق التعبير عن الرأى فإن الإسلام لم يكفله حقا للناس على حكامهم بل جعله واجبا على الناس لله ! يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة " قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : " لله ورسوله وخاصة المسلمين وعامتهم فجعل إبداء النصيحة واجبا . وإبداء النصيحة هو التوجيه إلى الصواب والنهى عن الخطأ أيا كان الذى وقع الخطأ منه حاكما أو محكوما .. وهذا – فى صورته الدينية – هو هو التعبير عن الرأى الذى سعت الشعوب لانتزاعه انتزاعا من قبضة الحكام الكارهين ، مع فارق رئيسى ، أنه هنا إبداء الرأى مخلصا لله ، لتقويم ما أعوج من أحوال المجتمع ، لا احترافا للتأييد أو احترافا للمعارضة بحسب موقع الحزب الذى ينتمى الإنسان إليه من الحكم ! ولا لهوى شخصى أو بعض شخصى .
ويطلب الإسلام من كل مسلم أن يكون له موقف ويكون له رأى ، ليتمكن مجموع الأمة من القيام بأخطر مهمة تقوم عليها خيرية الأمة واستحقاقها للوجود وللفلاح ، بينما تقع ال***ة على الأمة إن أهملتها ، ألا وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110]
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)} [سورة آل 3/104]
وفى الجانب الآخر :
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [سورة المائدة 5/78-79]
ولذلك يطلب رسول الله صلى الله عليه وسم من المسلم ألا يكون إمعة ، لا رأى له ولا موقف سوى مجاراة " الرأى العام " !! يقول عليه الصلاة والسلام : " لا يكن أحدكم إمعة ، يقول إذا أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت . ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسنوا أو أساءوا ألا تظلموا
وهذا كله بطبيعة الحال ضد مصلحة " الحكام " ما لم يستقيموا على النهج !
فليس من مصلحة الحكام أن تكون شعوبهم متيقظة لأعمالهم . مبادرة بنقد الخاطئ منها عن طريق " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " ولكن الإسلام لا يعمل لمصلحة الحكام كما تعمل الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية لصالح الرأسمالية رغم كل المسرحية الطريفة – مسرحية الحرية ! – إنما يعمل الإسلام لمصلحة كل الناس ، لأنه نزل لهداية كل الناس ، وليقوم الناس كلهم بالقسط .
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد 57/25]
بل يشدد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن توجيه النصح للحكام – لا مجرد إبداء الرأى من أجل إبداء الرأى فحسب كما تصنع الديمقراطية فى أكثر أحوالها – فيقول صلى الله عليه وسلم : " لا والذى نفسى بيده حجتى تأطروهم على الحق أطرا
ويقول صلى الله عليه وسلم : " سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله "
وهكذا يتبين أن ما جعلته الديمقراطية حقا مكتسبا وناضلت الشعوب من أجله ، جعله الإسلام واجبا ، وقرره قبل الديمقراطية بأكثر من ألف عام ، وقرره على طريقة أفضل وأصدق وأعمق .. ككل شئ قرره الإسلام .
ولكن الإسلام أعطى هذه الضمانات والحقوق كلها مع المحافظة التامة . على إنسانية الإنسان . وهنا مفرق الطريق بين الإسلام والجاهليات جميعا ، ومن بينها هذه الديمقراطيات !
لقد كرم الله الإنسان ابتداء كما أسلفنا :
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)} [سورة الإسراء 17/70]
وكل ما فرضه الإسلام منه الفرائض والتكاليف ، وكل ما قرره من الحقوق والواجبات منظور فيه إلى " تزكية " الإنسان ، وهى جزء من التكريم المراد للإنسان ، بل هى قمة ذلك التكريم .
فعبادة الله وحده دون شريك – فضلا عن كونها حقا لله على عباده – هى فى الوقت ذاته تزكية للإنسان وتكريم . فالإنسان كما قلنا أنفا عابد بطبعه لابد أن يعبد ، ولا يوجد إنسان لا يعبد . إنما الفارق بين إنسان وإنسان يأتى من توجيه العبادة إلى الله الحق ، أو توجيهها إلى إله زائف لا يستحق أن توجه العبادة إليه .
والإنسان فى أعلى حالاته وأكرم حالاته حين يكون عابدا لله الحق ، وهو أسفل سافلين حين ينتكس من عبادة الله إلى عبادة غير الله من الآلهة المدعاة ، التى تهبط بالإنسان من إنسانيته المكرمة ، فيصبح كالدابة التى لا تعى ، بل يصبح أسوأ وأضل :
{لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [سورة الأعراف 7/179]
فعبادة الله الواحد ، وإفراده بالألوهية والربوبية التى يفرضها الإسلام حقا خالصا لله تعالى ، هى فى الوقت ذاته رفعة للإنسان وتكريم ، وفلاح فى الدنيا والآخرة سواء ، وتزكية ترفع الإنسان إلى عليين :
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [سورة البقرة 2/257]
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [سورة الأنعام 6/122]
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [سورة العصر 103/1-3]
{إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22)} [سورة المعارج 70/19-22]
فمن باب رفع الإنسان إلى مقام الإنسانية الكريمة يربط الإسلام قلوب المؤمنين بالله ، ويجعل صيانة العقيدة والمحافظة عليها أول واجبات الإمام المسلم والدولة المسلمة .
ومن باب رفع الإنسان إلى مقام الإنسانية الكريمة كذلك يربى الإسلام المسلمين على الأخلاق الفاضلة التى تنظف المشاعر وتنظف السلوك ، وتنفى عن النفس خبثها ، وتصونها ن التردى إلى مستوى الحيوان ، فيفرض النظافة فى الأعمال كلها : " إن الله كتب الإحسان على كل شئ ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته "
فإذا كان الأمر أمر عبادة موجهة إلى الله فالإسلام يطهرها من الرياء والنفاق . وإن كان أمر معاملات تجرى بين الناس بعضهم وبعض فقد فرض الإسلام فيها النظام الكاملة فى كل شئ .
فى التعامل المالى حرم الربا والاحتكار والسرقة والغصب والنهب والسلب والغش والخديعة وأكل مال الأجير ، كما *** السرف والترف وكنز المال .
فى التعامل الاجتماعى حرم الغيبة والنميمة والغمز واللمز والتجسس ، كما بغض فى الفرقة والتباغض والتحاسد ، واهتمام كل إنسان بنفسه وعدم المبالاة بالآخرين
" من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر
فى التعامل الجنسى حرم الفاحشة بجميع أنواعها وحرم ما يؤدى إلى الفاحشة من خلوة أو تبرج أو تكسر أو خلاعة أو اختلاط بغير موجب .
فى كل شئ هناك أخلاق .ز وهذا هو اللائق بالإنسان ..
وحين يكرم الإسلام الإنسان على هذا النحو ، وينظف مشاعره وسلوكه على هذه الصورة ، فإنه يعطيه ما أعطاه من حقوق وضمانات ، فتكون فى مكانها الطبيعى ، تكملة للتكريم ، وتوكيدا للتكريم ، لا كالذى تصنعه الديمقراطية الليبرالية ، التى تعطى بالفعل الضمانات والحقوق ولكنها تدمر الإنسان كله فى نهاية المطاف !
  

هذا هو الإسلام ، وهذه هى الديمقراطية فى نظر الإسلام ..
ومن ثم فلا سبيل إلى مزج الإسلام بالديمقراطية ! ولا سبيل إلى القول بأن الإسلام نظام ديمقراطى ! أو أنه يتقبل النظام الديمقراطى أو يسايره ، لمجرد وجود شبه عارض فى بعض النقاط !
إن هذا الالتقاء العارض بين الديمقراطية والإسلام فى الحقوق والضمانات وفى مبدأ الشورى لا يجوز أن ينسينا حقيقتين مهمتين :
الحقيقة الأولى : أنه لا ينبغى لنا – من الوجهة العقيدية – أن نقرن النظام الربانى إلى نظام جاهلى ، فضلا عن أن نحاول سند النظام الربانى بنسبته إلى النظام الجاهلى ، أو أ، نتصور أننا نمتدح النظام الربانى بأن نقول إنه يحمل نقط التقاء مع النظام الجاهلى !
إنها الهزيمة الداخلية تندس إلى أفهامنا دون أن نحس ، وتجعلنا نعتقد أن النظام الربانى فى حاجة إلى دفاعنا نحن عنه وتبريره ! كما تجعلنا نعتقد أننا نمتدح النظام الربانى بأن نقول للناس إنه يحتوى على الفضائل التى تحتوى عليها النظم السائدة اليوم !
إنها الهزيمة التى أصابت المسلمين فى مواجهة الغرب الظافر المتغلب . الذى غلب على بلاد الإسلام . وما كانت لتوجد فى نفوسنا لو أننا واثقون فى أنفسنا مستعلون بالإيمان كما وجهنا الله :
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)} [سورة آل 3/139]
الهزيمة التى نشأت فى الحقيقة من الخواء الذى أصاب المسلمين فى القرون الأخيرة .. الخواء من حقيقة الإسلام .. فلما جاءت الهزيمة العسكرية أمام الغرب كانت كالضربة القاضية التى بهرت المهزومين وهزتهم من الأعماق . وما كانوا لينبهروا – رغم الهزيمة العسكرية – لولا ذلك الحواء الداخلى من حقيقة الإسلام
إنه لا ينبغى لنا من الوجهة العقيدية أن نقرن الإسلام إلى الجاهلية فى أى صورة من صورها ، إلا إذا قلنا كما قال الله فى كتابه المنزل :
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [سورة المائدة 5/50]
والحقيقة الثانية : أن هذا الشبه العارض فى بعض النقاط لا يجوز أن ينسينا الفارق الضخم فى القاعدة ، إن القاعدة التى يقوم عليها الإسلام تختلف اختلافا جذريا عن القاعدة التى تقوم عليها الديمقراطية
فى الإسلام يعبد الله وحده دون شريك ، وتحكم شريعة الله عنوانا على التوحيد ، وتحقيقا له فى عالم الواقع . وفى الديمقراطية يعبد غير الله ، وتحكم شرائع البشر عنوانا على عبادة غير الله وتوكيدا لها فى عالم الواقع .
وفى الإسلام يزكى الإنسان ليحتفظ بانسانيته فى أحسن تقوين ، وفى الديمقراطية ينكس الإنسان فيهبط أسفل سافلين .
تلك فروق جوهرية فى القاعدة ، فما قيمة اللقاء العارض فى بعض النقاط أيا كانت القيمة الذاتية لتلك النقاط ؟!
على أننا – من الوجهة التاريخية البحتة – لا يجوز أن نقرن الإسلام إلى الديمقراطية وهو سابق على تلك الديمقراطية بأكثر من ألف عام ! إنما ينبغى – إن أردنا ! _ أن نقول إن الديمقراطية هى التى تحمل بعض المشابه من الإسلام فى بعض النقاط ، لا أن الإسلام هو الذى يحمل مشابه من الديمقراطية .. فاللاحق هو الذى يلحق بالسابق فى عرف التاريخ !
* * *
وفى العالم الإسلامى كتاب ومفكرون ودعاة مخلصون مخدوعون فى الديمقراطية . يقولون نأخذ ما فيها من خير ونترك ما فيها من شرور .
يقولون نقيدها بما أنزل الله . ولا نبيح الإلحاد ولا نبيح التحلل الخلقى والفوضى الجنسية !
إنها إذن لن تكون الديمقراطية .. إنما ستكون الإسلام !!
إن الديمقراطية هى حكم الشعب بواسطة الشعب . إنها تولى الشعب سلطة التشريع . فإذا ألغى هذا الأمر أو قيد بأى قيد فلن تكون هى الديمقراطية التى تقوم اليوم بهذا الاسم .
واسألوا الديمقراطيين ! قولوا لهم : نريد أن نحكم بما أنزل الله ، ولا يكون للشعب ولام ممثليه حق وضع القوانين إلا فيما ليس فيه نص من كتاب أو سنة ولا إجماع من علماء المسلمين !
قولوا لهم : نريد أن ننفذ حكم الله فى المرتد عن دينه ، وحكم الله فى الزانى والسارق وشارب الخمر ..
قولوا لهم : نريد أن نلزم المرأة بالحجاب . ونمنع التبرج ، ونمنع العرى على الشواطئ وفى الطرقات . ونريد فى الوقت ذاته أن نكون ديمقراطيين !
اسألوهم وانظرا ماذا يقولون !
سيقولون على الفور : إن هذه ليست الديمقراطية التى نعرفها .. ففى الديمقراطية يشرع الناس فى جميع الأمور لا يلتزمون فى شئ منها بغير ما يريده الشعب ( نظريا على الأقل ! وإن كانت الحقيقة كما أسلفنا أن الرأسماليين هم الذين يشرعون من وراء الستار ! )
سيقولون إن الديمقراطية لا تتدخل فى " الحرية الشخصية " للأفراد ! فمن شاء أن يرتد عن دينه فهو حر ! ومن شار أن يتخذ صديقة أو خليفة فهو حر . ومن شاءت أن تكشف عن صدرها أو ظهرها أو ساقيها فهى حرة ! ومن شاءت أن تخون زوجها فهى حرة ما لم يشتك الزوج !
سيقولون : ابحثوا عن اسم آخر لما تريدون . . اسم غير الديمقراطية !
فإذا كان كذلك فلماذا نصر نحن على تسمية نظامنا الذى نريده باسم الديمقراطية ؟ لماذا لا نسميه الإسلام؟!
  

ويقول بعض الناس مخلصين : إنما نريد أن يلتزم الحاكم – المسلم – برأى الشعب فيما ليس فيه نص .. وهذا هو لب الديمقراطية الذى نريد أن نطعم به الحكم الإسلامى ، لنمتع طغيان الحكام !
وما نريد هنا أن ندخل فى الخلاف الفقهى القائم حول الشورى فى الإسلام وهل هى ملزمة لولى الأمر أم غير ملزمة .. فهذا يخرج بنا عن موضوع الكتاب إنما نقول فقط أن هذا أمر اجتهادى ليس فيه نص .. فالنص يلزم بالشورى ذاتها ، ولكن لا يوجد نص يقول إن الشورى ملزمة او غير ملزمة . ولذلك اختلف الفقهاء .
وما دام الأمر اجتهاديا فمن حق أى جيل من أجيال المسلمين أن ينظر فيه ، وينظر فى وجه المصلحة فيه .. فيوم نكون جادين فى تطبيق الإسلام ، فعندئذ يجتمع علماء الأمة وينتظرون فى الأمر ، ويقررون على ضوء الظروف القائمة وقتها إن كانت المصلحة تقتضى جعل الشورى ملزمة أو غير ملزمة .. وتلتزم الأمة وحكامها بما يراه علماؤها المجتهدون ، فإذا رأى علماء الأمة أن المصلحة تتحقق بالتزام الحاكم بنتيجة الشورى كان هذا الاجتهاد ملزما لأولياء الأمور .
أما أن نستعير " ترسا " من آلة أجنبية عن الإسلام لنركبه فى النظام الإسلامى لمجرد ظننا انه صالح ومفيد ، فليس هذا هو التفكير السديد . إن الإسلام نظام متكامل . وحاجات المسلمين ومصالحهم تتحقق من داخل النظام لا من خارجه . فلنعزم أولا أن نكون مسلمين حقا ، ملتزمين بما أنزل الله ، ثم لننظر بعد ذلك ما يفتح الله به علينا من الحلول :
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [سورة ا***كبوت 29/69]
  

البيان
10-18-2007, 08:11 PM
وينظر أناس إلى البغى والطغيان القائم فى بلاد الإسلام فيقولون : أليست الديمقراطية خيرا من هذا البغى ؟ على الأقل نستطيع أن نتنفس ونحن آمنون ! لا يجئ حاكم فيعتقل من يعتقل ، ويعذب من يعذب ، ويقتل من يقتل دون أن يجرؤ أحد على معارضته بسبب عدم وجود نظام ديمقراطى ، فلو أننا اتخذنا الديمقراطية – مع تحكيم شريعة الله – أمنا من طغيان الحكام .
ويبدو هذا القول وجيها لأول وهلة .. ففى النظم الديمقراطية القائمة فى الغرب لا يطغى الحكام بهذه الصورة ، ولا يعتقلون الناس بعشرات الألوف ، ولا يعذبونهم فى السجون ، ولا يقتلون أحدا بالتعذيب داخل الأسوار ، مما تعرض له الدعاة المسلمون فى أكثر من مكان فى العالم الإسلامى .
ولكن القضية إذا أنعمنا النظر فيها لا تبدو بهذه الوجاهة التى تبدو عليها الوهلة الأولى .
فلا يوجد نظام فى الأرض – حتى النظام الربانى – يعمل من تلقاء نفسه دون قيام البشر على حراسته ، أو يعطى الضمانات للناس دون أن يحرص الناس على التمسك بهذه الضمانات .
والديمقراطية ليست نظاما آليا يحمل ضماناته فى طياته ويطبقها من ذات نفسه ! إنما هى – ككل نظام – تعتمد على البشر الذين يقومون بالتطبيق .
وانظر إلى تاريخ الديمقراطية فى بلادهم التى تطبقها وتتمتع بضماناتها . إنه تاريخ نضال مستمر وثورات ودماء! والذى أعطى الضمانات – كما أشرنا أكثر من مرة فى هذا الفصل – لم يكن هو الديمقراطية فى ذاتها ، إنما كان نضال الشعب وثورته على الظلم ن وتحمل التضحيات والضحايا فى سبيل الحصول على حقوقه . وبهذا النضال نال الشعب ما نال من حقوق وضمانات .
ولكن تعال الآن فحاول تطبيق الديمقراطية فى بلاد لم تناضل ولم تتجه للنضال من أجل الحريات والضمانات والحقوق . فماذا تفعل الديمقراطية للناس ؟! هل تصون لهم حقوقهم وتعطيهم ضماناتهم ؟
إن الديمقراطية ليست ثوبا يشترى جاهزا ويلبس ، إنما ينبغى أن يفصل تفصيلا على قد لابسه ! لابد من " المعاناة " التى تعطى ثمرة التجربة !
حيث ثار المصريون ثورتهم " الوطنية عام 1919 ، كان تشرشل وزيرا فى وزارة المحافظين القائمة يومئذ فى بريطانيا ، فجاءت أخبار الثورة فى الصحف فسأل تشرشل : ماذا يريدون ؟ ( يعنى المصريين ) قالوا له : يريدون دستورا وبرلمانا ! فقال تشرشل : أعطوهم لعبة يتلهون بها Give them a toy to play with وكانت كلمة صادقة من ذلك الداهية الساخر المتغطرس الخبيث .
ولست أقول أن النظم الطغيانية التى حلت محل تلك الديمقراطيات المزيفة هى خير منها ! كلا ! وألف مرة كلا ! فالطغيان الذى يعتقل عشرات الألوف ويعذبهم أبشع تعذيب عرفته البشرية ، ويقتل منهم من يقتل فى محاكمات صورية أو داخل الأسوار بالتعذيب ، هو شر خالص لا خير فيه .
ولكنى أقول فقط إن البديل ليس هو الديمقراطية .. إنما هو الإسلام !
فإذا كانت العودة إلى الإسلام اليوم تحتاج إلى جهاد طويل وتضحيات ، وإلى تربية جادة على حقائق الإسلام ، فإن الديمقراطية كذلك ! إنها لن تعطى ثمارها – فى الجانب الخير منها – إلا بجهاد وتضحيات ، وتربية جادة تربى جيلا من الناس يحرص على حريات الديمقراطية وضماناتها ، ويأبى أن تزيف إرادته التزييف الغليظ الذى كان يحدث باسم الديمقراطية فى بلادنا . وإلا فستظل لعبة يتلهى بها الناس كما قال ذلك الخبيث .
فإذا كان لابد من التربية فى الحالتين ولابد من الجهاد والتضحيات فى الحالتين ، أفليس الأولى أن يكون الجهد فى سبيل الخير الحقيقى ، الخير الذى لا يعود على المسلمين وحدهم إنما يعود على البشرية جمعاء ، وهو خير الدنيا والآخرة فى ذات الوقت ؟ !
ولقائل أن يقول ، إن التاريخ السياسى الإسلامى ملئ بالمظالم ، وهو يحمل اسم الإسلام .
ونقول نعم ! إن هذا صحيح !
ولكن ما سببه على وجه التحديد ؟!
ظلم من الحكام .. نعم .. ولكن أين كانت الأمة الإسلامية ؟ ولماذا سكتت على الظلم ، ولم تأطر حكامها على الحق أطراكما أمرها زعيمها وقائدها صلى الله عليه وسلم ؟
إنها استنامت للظلم تفريطا فى حقوقها وواجباتها التى قررها الإسلام ..
أفلو كانت الديمقراطية هى الحاكمة بدلا من الإسلام كان المفرطون لا يفرطون ؟!
وهل الأمة التى ضيعت الإسلام كانت ستحافظ على الديمقراطية ؟!
إن القضية أن هذه الأمة تحتاج أن تربى من جديد على حقيقة الإسلام .. وبغير ذلك لا ينصلح حالها ولا يستقيم .
ومن كان يرى أن مشوار الإسلام مشوار طويل ، وأن مشوار الديمقراطية أقصر منه وأيسر ، فنحن نقول له إن الديمقراطيات ذاتها فى سبيلها إلى الانهيار ، بما تحمل فى طياتها من عوج وانحراف قائم فى أصل النظام .
وسيبقى الإسلام ..
سيبقى لأنه دين الحق ..
ولأن الله تكفل بحفظه .
ولأنه هو الشئ الوحيد الذى يمكن أن ينقذ البشرية كلها من ضلالها البعيد الذى لجت فيه ..
ولأن هناك مؤمنين بهذا الدين يجاهدون لتكون كلمة الله هى العليا ، والله هو الذى وعدهم بالتمكين :
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [سورة النــور 24/55]









الشيوعية
أولا : المادة الجدلية
ثانيا : المادة التاريخية
ثالثا : المذهب الاقتصادى بين النظرية والتطبيق

تمهيد
ليست الشيوعية مذهبا اقتصاديا بحتا كما يتبادر إلى ذهن كثير من الناس حين يسمعون لفظة الشيوعية ، وإن كان لها ولا شك مذهب اقتصادى محدد متميز ، إنما هى تصور شامل للكون والحياة والإنسان لقضية الألوهية كذلك ، وعن هذا التصور الشامل ينبثق المذهب الاقتصادى . ثم إنها من جهة أخرى مذهب اقتصادى واجتماعى وسياسى وفكرى مترابط متشابك لا يمكن فصل بعضه عن بعض .
ومن ثم فلا يمكن عزل المذهب الاقتصادى وحده بعيدا عن التصور الشامل الذى ينبثق عنه ، أو بعيدا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية المصاحبة له .
وسواء كان الوضع الاقتصادى وحده هو الأصل الأصيل والأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية المصاحبة له مجرد انعكاس له كما تقول النظرية الشيوعية ، أم كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية أصيلة فى صدروها عن التصور الشامل كأصالة الوضع الاقتصادى كما نزعم نحن ..
ففى جميع الحالات لا يمكن فصل المذهب الاقتصادى وحده ، وعزله عن التصور الشامل الذى انبثق عنه ، ولا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية المصاحبة له ، كما أنه لا يمكن تركيبه على تصور آخر . ولا على أوضاع سياسية واجتماعية وفكرية مغايرة . وليس هذا خاص بالشيوعية إنما هو من طبيعة كل تصور ، وكل أوضاع ناشئة عن ذلك التصور .
وليس معنى هذا أن التصور الواحد لا يمكن أن ينبثق عنه إلا صورة اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية واحدة محددة السمات والتفصيلات ، فسوف نرى فى أثناء العرض والمناقشة أن ذلك غير صحيح . ولكن الذى نعنيه أن هناك اتجاهات عامة تربط بين المذهب الاقتصادى السياسى الاجتماعى الفكرى وبين التصور الذى ينبثق عنه ذلك المذهب . وإن هذه الاتجاهات العامة لابد أن توجد فى كل صورة من الصور الاجتماعية السياسية الاقتصادية الفكرية التى يمكن أن تنبثق عن ذلك التصور ، وإن اختلفت فيما بينها فى الدرجة أو فى التفصيلات والسمات الخاصة .
وبديهى أن التصور الشيوعى للألوهية والكون والحياة والإنسان هو تصور مادى بحت .. فهم يسمون نظريتهم العام " المادية الجدلية " ويسمون تفسيرهم للتاريخ " التفسير المادى للتاريخ " ومن أقوالهم :
لا إله . والكون مادة .
وحدة العالم تنحصر فى ماديته .
المادة سابقة فى الوجود على الفكر .
لم يكن هناك وقت لم تكن المادة موجودة فيه ، وليس هناك وقت لا تكون المادة موجودة فيه . .
الإنسان نتاج المادة .
الفكر نتاج الدماغ والدماغ مادة .. الخ
  

وحين نتكلم عن الشيوعية فلابد أن نتكلم عن أمور ثلاثة رئيسية هى المادة الجدلية ، والمادية التاريخية ، والمذهب الاقتصادى الشيوعى مع الأوضاع السياسية والاجتماعية المصاحبة له .
ولكنا نحب أن نشير فى هذا التمهيد إلى أن ماركس – أو الشيوعيين بصفة عامة – ليسوا هم الذين ابتدعوا الاتجاه المادى . وإنما الحق أنهم قمته ومنتهاه .
وليسوا هم الذين ابتدعوا " الجدلية " تفسيرا للحياة البشرية أو الوجود عامة بما فيه الكون المادى والحياة البشرية ، إنما " الجدلية المادية " أو " المادية الجدلية " هى التى يمكن أن تعتبر ابتداعهم الخاص .
الاتجاه المادى قديم فى الحياة الأوروبية قدم النهضة الأوروبية إن لم نقل إن له جذورا أعمق من ذلك فى بعض اتجاهات الفلسفة الإغريقية القديمة واتجاهات الحياة الرومانية قبل المسيحية .. وقد قامت النهضة الأوروبية كما سبق أن بينا على أساس معاد للدين .. كما أنها رجعت إلى الأصول الإغريقية الرومانية تستمد منها ، بلاد من الأصول الدينية المسيحية التى كانت منسلخة منها منقلبة عليها ..
وحين قامت النهضة انقلب اتجاه التفكير فى أوروبا من ناحيتين اثنتين على الأقل ، كلتاهما تعضد الأخرى . فقد كان الفكر الأوربى فى فترة المسيحية الكنسية قائما على أصول دينية – بصرف النظر عما وقع فيها من تحريف عن الأصل الصحيح – أى أن مصدرها – فى حسهم – هو الله والوحى الربانى ! ثم إن هذا الفكر كان متجها إلى الآخرة على أساس أن الخلاص الحقيقى هناك ، وأنه لا خلاص فى الحياة الدنيا .. أما فكر النهضة فقد كان " إنسانية " من جهة ، وموجها إلى الحياة الدنيا من جهة أخرى . إنسانى لا بمعنى أنه مشغول بالقيم العليا الإنسانية ، أو " بالإنسان " كما ينبغى أن يكون فى صورته الكريمة اللائقة بإنسانيته ، ولكن بمعنى أن الإنسان – وليس الله – هو الذى ينبغى أن يكون مصدر المعرفة . وأن الفكر الإنسانى – لا الوحى الربانى – هو المرجع الذى يرجع إليه الإنسان فى النظر إلى أمور حياته ومتطلباتها . وفى والوقت ذاته كان هذا الفكر موجها إلى النظر فى الحياة الدنيا ومقتضياتها لا إلى الآخرة ومقتضياتها .
يقول رايوبرث عن عصر النهضة :
" وامتاز ذلك العصر بشعور الإنسان فيه بشخصيته المطلقة وبمعارضته للسلطة وذويها ، وذهابه شوطا بعيدا فى اعتبار العالم كله وطنا له .. وقد أعلت النهضة شأن الطبيعة الإنسانية والحياة الدنيوية مخالفة فى ذلك طريقة التفكير فى القرون الوسطى .. ولذلك يسمى العلماء الذين خصصوا أنفسهم لدراسة آداب اليونان والرومان والعلوم عند القدماء " الإنسانيين " .. وكان من خير ما أحدثه هؤلاء الإنسانيون " نمو الفردية " أعنى الرأى القائل بأن الإنسان ينبغى أن يفكر بنفسه لنفسه . وهو رأى كان قد أهمل فى عصر عبودية العقل
ويقول جرين برينتون عن الحركة الإنسانية وفنونها :
" إنه طالما كانت العصور الوسطى فى الواقع عصورا دينية ، وطالما أن عصر النهضة يعنى على الأقل محاولة العودة إلى الوثنية اللادينية إن لم نقل الزندقة ، فإن فن العصور الوسطى يرتبط بالكنيسة ، أما فن عصر النهضة فيتمتع بحرية بوهيمية ..
هذا الاتجاه المنسلخ من الدين ، المتجه إلى المادية ، لم يقفز دفعة واحدة من الروحانية الدينية إلى المادية اللادينية ، ولا استقام نحو هدفه فى طريق واحد خال من الذبذبات . ولكنه كان فى كل قفزة يتجه إلى المادية أكثر ، ويبعد عن الله أكثر ، وإن عاد فهى عودة مؤقتة سرعان ما يتخلص منها ويمضى مبعدا فى الطريق المنسلخ عن الدين . فقد انفصلت الفلسفة عن الدين بادئ ذى بدء ونبذت البحث فيما " وراء الطبيعة " كما كانوا يطلقون على أمور الغيب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى وخلقه لهذا الكون ، والغاية من هذا الخلق ، والوحى الربانى المتضمن للقيم الدينية التى ينبغى أن يتبعها الإنسان من أجل الخلاص فى الآخرة . واتجهت الفلسفة إلى دراسة " الطبيعة " والكون المادى ، والإنسان باعتباره كائنا موجودا فى الطبيعة ، لا بوصفه كائنا قد خلقه الله لغاية معينة وهدف يؤديه . وكان التقدم العلمى الذى حدث منذ بدء النهضة أحد العوامل الهامة التى ساعدت على اتجاه الفكر الأوربى ذلك الاتجاه من خلال المذهب العقلى والتجريبى .
يقول برينتون عن المذهب العقلى :
" فالمذهب العقلى يتجه إلى إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون ، ومن الوجهة التاريخية فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلى نحو الكون ..
ويقول الدكتور محمد البهى عن المذهب التجريبى :
" إن تحصيل الإنسان للحقائق الكونية ومعرفته بها لا يكون إلا بالتجربة الحسية وحدها ، ومعنى ذلك أن الحس المشاهد لا غيره هو مصدر المعرفة الحقيقية اليقينية .. ففى العالم الحسى تكمن حقائق الأشياء . أما انتزاع المعرفة مما وراء الظواهر الطبيعية الحسية ، والبحث عن العلة فى هذا المجال ، فأمر يجب أن يرفض . ولهذا تكون كل نظرية أو كل فكرة عن وجود له طابع الحقيقة فيما وراء الحس نظرية أو فكر مستحيلة
وهذا يتفق المذهب العقلى مع المذهب التجريبى فى البعد عن الله وتجنب البحث عن الغاية من الخلق ، والنظر فى " الطبيعة " بدلا من النظر فيما وراء الطبيعة أى فى عالم الجس بدلا من عالم الغيب .
ثم كان نيوتن ونظرياته خطوة دافعة على الطريق ‍!
فقد اكتشف نيوتن بعض ما سمى عندهم " قوانين الطبيعة " التى يجرى الكون المادى بمقتضاها . وكشف عما يسمى عندهم " قانون السببية " أى القانون الذى يفسر ظواهر الطبيعة بردها إلى أسبابها الظاهرة . وقد كان هذا فى أوروبا ذريعة لنفى الأسباب غير الظاهرة وغير المحسوسة ، أى نفى الأسباب الغيبية
يقول برينتون :
" إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة فى هذا العالم " . ويمضى فيقول : " الإله فى عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة . ولكن صانع هذه الساعة الكونية – ونعنى بها الكون – لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد ، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد . أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها . وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذا الساعة الكونية الضخمة ، الذى لا يستطيع إذا ما أراد التدخل فى شئون عمله
ويقول :
" ولكن ثمة أناس ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا فكرة الإله فكرة شريرة ، وخاصة إذا ما كان إله الكنيسة الكاثوليكية . وأطلقوا على أنفسهم بكل فخر اسم الملحدين . وهم يعتقدون ان ليس ثمة وجود لمسيح أو لإله المسيحية ، ويقولون إن الكون ليس إلا مجموعة متحركة ذات نظام معين يمكن فهمه باللجوء إلى السببية المعتمدة على أساس العلوم الطبيعية
ويقول راندال :
" إنه لأقرب إلى الطبيعى والمعقول أن نشتق من صور المادة كل شئ موجود لأن كل حاسة من حواسنا تبرهن على وجودها ، ونختبر كل لحظة نتائجها بأنفسنا . ونراها فاعلة متحركة ، تنقل الحركة وتولد القوة دون انقطاع ، من أن نعزو تكون الأشياء لقوة مجهولة ولكائن روحى لا يستطيع أن يخرج من طبيعته ما ليس هو بذاته ، كائن بعجز بحكم الجوهر المنسوب إليه أن يفعل أى شئ أو أن يحرك أى شئ
هكذا سار الاتجاه المادى المادى الملحد بخطوات حثيثة حتى جاء القرن التاسع عشر ، فظهرت الفلسفة الوضعية التى تقول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل ، واعتبارها هى الأصل الذى ينبثق عنه كل شئ .. والذى يبعث الأفكار فى العقل البشرى ، وكان من أهم فلاسفتها " أوجست كومت " و " فرباخ "
ويذكر الدكتور محمد البهى فى تلخصيه الجيد للفكر الغربى فى تلك الفترة فى كتابه " الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى " أن هذه الفلسفة تدعو إلى سيادة الطبيعة ، إن لم نقل عبادتها ، قد قامت فى جو معين حيث تولدت الرغبة فى نفوس كثير من العلماء والفلاسفة لمعارضة الكنيسة التى كانت تملك نوعا خاصا من المعرفة تستغله فى معارضة خصومها وهى المعرفة الدينية ، فقام هذا الفريق من العلماء والفلاسفة بالهجوم الشديد عليها باسم العلم ، وقامت هذه الفلسفة الوضعية على أساس تقدير الطبيعة وحدها مصدرا للمعرفة اليقينية .. ثم يقول : " ومعنى تقديرها للطبيعة على هذا النحو أن الطبيعة فى نظرها هى التى تنقش الحقيقة فى ذهن الإنسان ، وهى التى توحى بها وترسم معالمها .. هى التى تكون عقل الإنسان . والإنسان – لهذا – لا يملى عليه من ذاته الخاصة .. إذ ما يأتى من ( ما وراء الطبيعة ) خداع للحقيقة وليس حقيقة ‍‍!! وكذا ما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة وليس حقيقة أيضا ! !
" وبناء على ذلك يكون " الدين " وهو وحى ( أى ما بعد الطبيعة خداعا ‍! هو وجى ذلك الموجود الذى لا يحدده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة .
" هو وحى الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية . وكذلك " المثالية العقلية " وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعى . إذ هى تصورات الإنسان من نفسه من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة التى يعيش فيها وتدور حوله
" إن عقل الإنسان فى منطق هذه الفلسفة – أى ما فيه من معرفة – وليد الطبيعة التى تتمثل فى الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية .ز إنه مخلوق ، ولكن خالقه هو الوجود الحسى . إنه يفكر ، ولكن عن تفاعل مع الوحود المحيط به . إنه مقيد مجبر ، وصانع القيد والجبر هو حياته المادية . ليس هناك عقل سابق على الوجود المادى ، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان عن طريق الوحى .. عقل الإنسان ومعرفته يوجد أن تبعا لوجود الإنسان الماى . هما انطباع لحياته الحسية المادية التى يتنفسها "
  

أما الجدلية فقد سبق إليها " فيشته " و " هيجل "
وقد كان الأصل فى التفكير الجدلى " الدياكتيكى " هو البحث عن تصور فلسفى يسمح بوجود المتناقضات فى الكون والحياة ويفسرها . ذلك أن المنطق اليونانى القديم ( الذى يسمى المنطق الصورى Formal logic ) ينفى وجود التناقض فى الكون والحياة ، ويقيم تفكيره على أساس أن الشئ ونقيضه لا يمكن أن يجتمعا . فوجود أى شئ هو ذاته نفى قاطع لوجود نقيضه .
ولكن الفكر الأوروبى منذ عصر النهضة – وأن كان قد رجع إلى الفكر الإغريقى يستمد منه – كانت له التفاتات مختلفة عنه فى مجالات متعددة . حتى إذا كان النصف الثانى من القرن الثامن عشر الميلادى – عصر سيادة العقل فى الفكر الأوربى المسمى عندهم " بعض التنوير " – قام فلاسفة يشيرون إلى وجود التناقض فى الكون والحياة ويحاولون تفسيره ، من أبرزهم " فيشته " و " هيجل " . فأما فيشته " 1762 – 1814 م " – كما يقول الدكتور محمد البهى فى كتابه السابق الذكر – فقد استخدم مبدأ النقيض كى يدعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة مقابل الدين والطبيعة .. وأما " هيجل " " 1770 – 1831 " فيستخدم مبدأ النقيض لتأكيد قيمة العقل من جهة ، ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد ، وتأكيد الوحى كمصدر أخير للمعرفة ، يعتبر الله سبحانه عقلا
واستخدم هيجل مصطلحات خاصة به . هى الدعوى ومقابل الدعوى وجامع الدعوى ومقابلها ن وتصور أن هناك فكرة مطلقة أطلق عليها اسم العقل المطلق – وهو الله عنده – انبثقت عنه الطبيعة وهى تغايره تماما ، لأنها مقيدة ومتفرقة وهى عنده العقل المقيد . ثم انتقلت الفكرة من الطبيعة أو العقل المقيد إلى جامع يلتقى فيه الشئ ونقيضه وهو العقل المجرد الذى هو نهاية الطبيعة المحدودة وغايتها ، وهو جامع الدعوى ومقابلها .
وهذا العقل المجرد يتمثل فى القانون والأخلاق ، وفى الفن والدين والدولة والجماعة والفلسفة . إذن فالعقل المجرد الذى يتحقق فى أى وحدة من هذه القيم العاملة المذكورة جامع للمتقابلين : جامع للفكرة فى العقل المطلق وهو الله ، وللفكرة فى العقل المقيد وهو الطبيعة .. ذلك أنه ليس له إطلاق العقل المطلق ولا تحديد عقل الطبيعة ، بل فيه إطلاق بالنسبة إلى الطبيعة وتقييد بالنسبة للعقل المطلق ولذا يعتبر جامع الدعوى ومقابل الدعوى
وأما المنبع الثالث لفكر ماركس بعد الجدلية التى أخذها من هيجل ، والمادية التى أخذها من كومت فهو دارون ونظرية التطور .
جاء داريون يؤله الطبيعة ويقول عنها إنها تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق . ويؤكد أن الإنسان هو نهاية سلسلة التطور الحيوانية . وأن التطور ذاته – الذى أنشأ الحياة المادية الميتة أول مرة ، ثم تدرج بها من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان – هو نتيجة أسباب مادية بحتة ، وأنه يتم مستقلا عن إرادة الكائن الحى ، وبصورة حتمية لا يملك الكائن الحى الخروج عليها ولا معارضتها ولا الوقوف فى طريقها .
  

ماذا بقى من فكر ماركس لم يسبق إليه ؟!
ومع ذلك فلم يكن عمل ماركس هو مجرد التجميع للأفكار السابقة والمعاصرة فلقد أنشأ فلسفة مترابطة متكاملة – أيا كانت مصادرها الأولية – تشمل كل القضايا المحيطة بالإنسان ، وتشملها جملة وتفصيلا على نحو غير مسبوق فى الفكر الغربى . وليس هنا مجال تقويم هذه الفلسفة فى جملتها وتفصيلاتها ولا مجال السؤال عن كونها – فى صورتها التى قدمها بها ماركس – كانت قمينة أن يتلفت إليها ويحتفى بها ، أم تترك " لتمر " كما مرت فلسفات كثيرة من قبل ، لتصبح فيما بعد " كلاما " يدرسه طلاب الفلسفة فى الجامعات . أم تهاجم الذى يقضى عليها ويجبها من منبتها .. لولا ذلك السند الضخم الذى لقيته من ا***اصر التى سعت لإقامة الشيوعية فى الأرض والدعاية لها فى الآفاق .
إنما نحن هنا فى مجال تقديم الشيوعية كما قدمها أصحابها ، من خلال الموضوعات الثلاثة الرئيسية : المادية الجدلية والمادية التاريخية والمذهب الاقتصادى بين النظرية والتطبيق .
  


أولا : المادية الجدلية
المادية الجدلية تصور خاص لقضايا الأولهية والكون والحياة والإنسان يقوم على أساس مادى بحت ، على أساس أن المادة هى الشئ الوحيد الأصيل فى هذا الكون ، وأن كل ما فى الكون ومن فيه منبثق من المادة ومحكوم بقوانين المادة ، ولا وجود له خارج نطاق المادة . كما يقوم هذا التصور من جهة أخرى على أساس وجود التناقض فى طبيعة المادة ، ومن ثم فى كل ما ينبثق عنها من مخلوقات ومن كيانات بما فى ذلك الكيان الإنسانى ، فهو كيان مادى من جهة ، ومحكوم بصراع المتناقضات من جهة أخرى . وتلك هى حقيقة كل أفكاره ومشاعره ، وكل نظمه ومؤسساته ، وكل قيمة ومبادئه ، وكل حركته خلال التاريخ .
وقد قلنا فى التمهيد السابق إن ماركس لم يكن هو مبتدع الجدلية أو التفكير الجدلى على العموم ، فقد أخذ هذا التفكير عن هيجل ، ولكنه خالفه فيه مخالفة أساسية ، إذا قال هيجل إن الفكرة هى الأصل وهى سابقة فى وجودها على المادة ومسيطرة عليها ، وقال ماركس إن المادة هى الأصل وهى سابقة على على الفكرة ومسيطرة عليها .
يقول ماركس : " لا يختلف منهجى الجدلى فى الأساس عن منهج هيجل فقط ، بل هو نقيضه تماما ، إذ يعتقد هيجل أن حركة الفكر التى يجسدها باسم الفكرة ، هى مبدعة الواقع الذى ليس سوى الصورة الظاهرية للفكرة، أما أنا فأعتقد على العكس ، أن حركة الفكر ليست سوى انعكاس حركة الواقع وقد انتقلت إلى ذهن الإنسان
ومن ثم سميث جدلية هيجل الجدلية المثالية وجدلية ماركس الجدلية المادية أو المادية الجدلية .
أما أصل التسمية – فى لغتها الأصلية – فهى مأخوذة عن الإغريقية ، ومستمدة من الحوار الفلسفى الإغريقى Dialogos الذى كان يمثل وجهتى نظر مختلفتين تتجادلان حتى تتبين الحقيقة من خلال الجدل . وغالبا ما تكون الحقيقة مزيجا من وجهتى النظر المختلفتين ، ولكن يظهر جليا فى أثناء الحوار ( أو الجدل ) أن إحدى وجهتى النظر تأخذ فى التراجع المؤدى إلى التسليم ، بينما تأخذ وجهة النظر الأخرى فى التفوق حتى تتغلب فى نهاية الأمر ، وإن كانت فى غلبتها لا تلغى الأخرى تماما بل تبقى منها بقايا تظهر فى الحقيقة النهائية .
والمادية الجدلية – كما سنبين فيما بعد – تتصور الأحداث – سواء كانت طبيعة ( مادية ) أو بشرية – على هذا النحو ذاته ،حيث تكون هناك قوة فى اتجاه معين وقوة أخرى مناقصة لها فى الاتجاه المضاد ، ثم يحدث الصراع الذى ينتهى بانهزام القوة الأولى – وإن كانت لا تزول تماما – وتغلب القوة الثانية وإن كانت غلبتها ليست تامة . ومن ثم فإن استعارة " الجدل " من ذلك الحوار الفلسفى مناسبة لذلك التصور ومعبرة عنه .
يقول ستالين فى تعريف الجدلية " الديالكتيك " :
" أخذت كلمة " ديالكتيك " من الكلمة اليونانية " دياليجو " ومعناها المحادثة والمجادلة . وكان الديالكتيك يعنى فى عهد الأولين : فن الوصول إلى الحقيقة باكتشاف المتناقضات التى يتضمنها استدلال الخصم ، وبالتغلت عليها . وكان بعض الفلاسفة الأولين يعتبرون أن اكتشاف تناقضات الفكر والمصادمة بين الآراء هما خير وسيلة لاكتشاف الحقيقة . فهذا الأسلوب الديالكتيكى فى التفكير ، الذى طبق فيما بعد على حوادث الطبيعة ، أصبح هو الطريقة الديالكتيكية لمعرفة الطبيعة .
" إن حوادث الطبيعة بموجب هذه النظرية هى متحركة متغيرة دائما وأبدا ، وتطور الطبيعة هو نتيجة تطور تناقضات الطبيعة نتيجة القوى المتضادة فى الطبيعة
ويقول كاريوهنت : " الجدلية إذن هى فكرة ونقيضها ، ثم تألف النقيضين ، فالفكرة تؤيد القضية ، والنقيض ينكرها ، أو بتعبير هيجل ينفيها . أما تألف النقيضين فيحتضن ما هو حقيقى : الفكرة ونقيضها ، وبهذا يقربنا خطوة نحو الحقيقية . ولكن حالما يتعرض تألف النقيضين إلى فحص أدق ، نجدها هى أيضا ناقصة . وهكذا تعود العملية فتبدأ من جديد بفكرة أخرى بنفيها ونقيضها ، ثم يجرى التوفيق بينها بتألف جديد للنقيضين .
" وبهذه الطريقة المثلثة يمضى الفكر حتى يصل فى النهاية إلى المطلق . وعندئذ يمكننا أن نواصل التفكير إلى مالا نهاية دون أن نشهد أى تناقض . وعلى هذا يطلق اصطلاح الجدلية على عملية التنازع والتوفيق التى تجرى ضمن الواقع ذاته داخل الفكر البشرى بشأن الواقع
وسنعرف هنا الخطوط العريضة للمادية الجدلية كما قدمها أصحابها من خلال النقطتين التاليتين :
أولا : المادة : أزيلتها وأبديتها ,اسبقيتها فى الوجود على الفكر .
ثانيا : قوانين المادة التى تحكم " الطبيعة " وتحكم الحياة البشرية كذلك .
  

أولا : المادة : أزيلتها وأبديتها وأسبقيتها فى الوجود على الفكر :
جاء فى كتاب " أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية لسبركين وياخوت " ( ترحمة محمد الجندى ص 39 من الترجمة العربية )
" . فليس للكون نهاية ولا حدود . العالم أبدى وليس له أى بداية ولن يكون له أى نهاية ومن هنا فأى عالم " غيبى " غير مادى غير موجود ولا يمكن أن يوجد . وفى واقع الأمر إنه إذا لم يوجد شئ غير المادة فلا يوجد غير عالم مادى واحد . وهذا يعنى أنه عند الأشياء والظواهر المختلفة فى العالم المحيط بنا ، هناك خاصية واحدة توحدها هى ماديتها .
ويقول ستالين فى كتابه " المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " ( ص 29 من الترجمة العربية ) :
" وتقوم المادية الفلسفية على مبدأ آخر ، وهو أن المادة والطبيعة والكائن ، هى حقيقة موضوعية موجودة خارج الإدراك أو الشعور وبصورة مستقلة عنه ، وإن المادة هى عنصر أول ، لأنها منبع الاحساسات والتصور والإدراك ، بينما الإدراك هو عنصر ثان مشتق ، لأنه انعكاس المادة ، انعكاس الكائن ، وأن الفكر هو نتاج المادة لما بلغت فى تطورها درجة عالية من الكمال . أو بتعبير أدق : إن الفكر هو نتاج الدماغ ، والدماغ هو عضو التفكير . فلا يمكن بالتالى فصل الفكر عن المادة دون الوقع فى خطأ كبير " .
وجاء كذلك فى كتاب " أسس المادية الديالكتيكية والمادة التاريخية " ( ص 43 من الترجمة العربية ) .
" وجدت الطبيعة ليس فقط قبل الناس وإنما عموما قبل الكائنات الحية ، وبالتالى مستقلة عن الإدراك . وهى الأولية . أما الإدراك فلم يستطع التواجد قبل الطبيعة فهو ثانوى "
وجاء فيه كذلك ( ص 30 – 31 من الترجمة العربية ) :
" يقول لوموسوف : إنه فى الطبيعة لا ينشأ شئ من لا شئ . ولا يختفى أبدا بلا أثر . ولكن إذا كان الأمر كذلك فإن المادة ( الطبيعة ) قد وجدت دائما ، لأننا إذا سلمنا بأن فى وقت من الأوقات لم يكن هناك شئ فى العالم ، أى لم تكن توجد مادة فمن أين لها أن تشأ ؟ ولكن ما إن توجد المادة فهذا يعنى أنها لم تنشأ فى أى وقت من الأوقات ، بل وجدت دائما وستوجد دائما ، فهى أبدية وخالدة . ولهذا لم يمكن أن تخلق فلا يمكن أن يخلق ما لا يمكن إفناؤه ، وبذلك فالمادة لم تنشأ أبدا بل وجدت دائما وستوجد دائما فهى أبدية
وجاء فى كتاب " المادية التاريخية " تأليف ف . كيلى م . كوفاللزون " ترجمة أحمد داود ومراجعة الدكتور بدر الدين السباعى ( طبع دار الجماهير بدمشق 1970 م ، ص 500 من الترجمة العربية )
" ثم إن العلم إذ يكشف عن الصلات الطبيعية بين ظواهر الطبيعة ، يطرد فى تطوره الإله من الطبيعة ويدحض خطل المثالية ، ويؤيد صحة النظرة المادية إلى العالم . والعلم يتفق مع المادية فى بحثه عن الحقيقة فى الحياة ذاتها وفى الطبيعة ، ويفسر ظواهر الطبيعة والمجتمع معتمدا على القوانين الموضوعية وهذا ما يدل على أن العلم الحقيقى ذو طابع مادى . إن العلم مادى طبيعته وبجوهره ، والمثالية غريبة عنه وعدوة له " .
وجاء فى كتاب " أصول الفلسفة الماركسية " ( تأليف جورج بولتيرز وآخرين ، تعريف شعبان بركات ، إصدار المكتبة العصرية ببيروت ، ج1 ص 206 من الترجمة العربية ) :
" ولقد أثارت النزعة المادية الجدلية هذه الصعوبات ، وفقدت فكرة " الله " كل محتواها ، ولم يعد النقاش حول وجود الله أو عدم وجوده – ذلك النقاش الذى أثار النزعة الإلحادية الساذجة غير الماركسية – يثار كما أثير سابقا ، لقد أصبح الله كما قال لابلاس : فرضية لا نفع فيها ..
" ولا شك فى أن فكرة الله والعواطف الدينية موجودة ، وهى تتطلب تفسيرا ، وبدلا من القول بأن الإنسان كائن " إلها " يجمع فى ذاته ا***صر الطبيعى وا***صر الإلهى ، كما يجمع عنصر الموت والخلود فى هذه الحياة وفى الحياة الأخرى ، يجب القول بأن " الله " والديانة هما ظاهرتان إنسانيتان ، لإن ا***صر الإلهى هو من إبداع الإنسان وليس الإنسان هو من إبداع الله .
ويقول ماركس فى كتاب " بؤس الفلسفة " ( ترجمة أندريه يازجى ، طبع دار اليقظة العربية بسوريا ووكتبة الحياة بلبنان ص 123 – 124 من الترجمة العربية ) :
" إن العزة الإلهية والهدف الإلهى هى الكلمة الكبيرة المستعملة اليوم لتشرح حركة التاريخ . والواقع أن هذه الكلمة لا تشرح شيئا "
ويقول إنجلز فى كتابه " لود فيج فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية " ( إصدار دار التقدم بموسكو ص 16 من الترجمة العربية ) :
" فالطبيعة توجد مستقلة عن كل فلسفة ، فهى الأساس الذى نمونا عليه ، نحن الناس نتاجها أيضا . خارج الطبيعة والإنسان لا يوجد شئ . أما الكائنات العلوية التى ولدت فى مخيلتنا الدينية فليست سوى انعكاس خيالى لوجودنا نحن "
تكفينا هذه النصوص " لبيان الفكرة .
فواضح منها انهم يعتبرون المادة هى الأصل الذى انبثقت منه كل الكائنات ، الحية منها وغير الحية ، بما فى ذلك الإنسان . وإنها جميعا قد انبثقت عنها بطريق الخلق .
أى أن المادى هى الخالق الذى أنشأ الحياة وأنشأ الإنسان . ,أنشأ كل ما يحتوى عليه عالم الإنسان من أفكار ومشاعر .
أما المادة ذاتها فلم تخلق ، إنما كانت دائما موجودة وستظل دائما موجودة . أى أنها أزلية أبدية ، موجودة بذاتها ومنشئة لغيرها .
وأما الله – الأزلى الأبدى الخالق البارئ المصور المريد الفعال لما يريد – فهو عندهم خرافة ابتداعها خيال الإنسان . والحقيقة الوحيدة هى المادة ، والوحدة التى تجمع الكون هى ماديته .
  

ثانيا : قوانين المادة التى تحكم الطبيعة وتحكم الحياة البشرية كذلك :
للمادة عند الماديين قوانين ثابتة تحكمها هى : الترابط والحركة والتطور والتناقض .
1- الترابط فى الطبيعة :
يقول ستالين فى كتاب " المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " ( ص 15 – 16 من الترجمة العربية ) :
" إن الديالكتيك – خلافا للميتافيزقية – لا يعتبر الطبيعة تراكما فرضيا للأشياء ، أو حوادث بعضها منفصل عن بعض ، أو أحداها مستقل عن الآخر ، بل يعتبر الطبيعة كلا واحدا ، ومتماسكا ترتبط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها ارتباطا عضويا ، ويتعلق أحداها بالآخر ويكون بعضها شرطا لبعض بصورة متقابلة .
" لذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن أى حادث من حوادث الطبيعة لا يمكن فهمه إذا نظر إليه منفردا بمعزل عن الحوادث المحيطة به . إذ أن أى حادث فى أى ميدان من ميادين الطبيعة ، يمكن أن ينقلب إلى عبث فارغ لا معنى له إذا نظر إليه بمعزل عن الشروط التى تكتنفه . وعلى العكس ، يمكن فيهم أى حادث من الحوادث وتبريره إذا نظر إليه من حيث ارتباطه ارتباطا لا ينفصم بالحوادث المحيطة به ، أى إذا نظر إليه كما تحدده وتكيفه الحوادث التى تحيط به " .
( ويلاحظ من كلام ستالين فى تعرضه للمتيافزيقيا أن الميتافيزيقيا التى كانت عندهم – والتى كانوا يواجهونها بالمادية الجدلية – كانت تفترض أن كل شئ من الأشياء قائم بذاته ولا صلة له بغيره من الأشياء ، وأنه لا ترابط فى النظام الكونى بين أجزائه المختلفة ) .
2- الحركة فى الطبيعية :
جاء فى كتاب " أصول الفلسفة الماركسية " ( ج1 ص 49 من الترجمة العربية ) :
" وفى الطبيعة لا يلعب الكون الدور الحاسم رغم أنه موجود وإنما تلعب هذا الدور الحركة والتطور والتغير . هذه الحركة ملازمة داخليا للمادة كخاصة جذرية لا تنفصل عنها ، ولا داعى لوضع السؤال التالى : من أين حصلت المادة على هذه الحركة ؟ لأنها موجودة منذ الأزل . ولهذا لا داعى للسؤال الذى يقول : من الذى أكسب المادة الحركة ، ما دامت لا تنفصل عنها ، وتعتبر شكلا من أشكال وجودها "
وجاء فى كتاب " أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " ( ص 34 من الترجمة العربية ) :
" ما قيل يعنى أنه لا يوجد فى العالم ظاهرة واحدة لم تكن نتيجة لحركة المادة وتطورها ، فهى تشمل كل شئ ، وفى كل مكان يمتد فعلها ، ولا يوجد شئ غير المادة المتحركة المتطورة ، وما يتولد عنها ، ولا يمكن أن يوحد . وهذا يعنى أنه لا يوجد غير عالم مادى واحد . ولهذا بالتحديد يشير إنجلز إلى أن وحدة العالم تنحصر فى ماديته . وبعبارة أخرى أن العالم واحد لأنه مادى "
ويقول ستالين فى كتاب " المادية الديالكتيكية " ( ص 16 من التجرمة العربية ) :
" إن الديالكتيك – خلاقا للميتافيزيقيا – لا يعتبر الطبيعة حالة سكون وجمود . حالة ركود واستقرار . بل يعتبرها حالة حركة وتغير دائمين . حالة تجدد وتطور لا ينقطعان ففيها دائما شئ يولد ويتطور شئ ينحل ويضمحل".
ويستشهد ستالين ( ص 17 من الترجمة العربية من الكتاب السابق ) بإنجلز حيث يقول الأخير : " إن الطبيعة من أضأل الأجزاء إلى أكبر الأجسام : من حبة الرمل إلى الشمس ، من البروتوزوا ( الخلية الحية الابتدائية ) إلى الإنسان ، هى فى حركة دائمة من النشوء والاضمحلال ، هى فى مد لا ينقطع فى حركة وتغير مستمرين وأبديين "
3- التطور فى الطبيعة :
يقول ستالين ( ص 18 من الترجمة العربية لكتاب المادية الديالكتيكية ) :
" إن الديالكتيك – خلافا للميتافيزيقية – لا يعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة ، لا تؤدى التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية ، بل يعتبرها تطورا ينتقل من تغييرات كمية ضئيلة وخفية إلى تغييرات ظاهرة وأساسية أى إلى تغييرات كيفية . وهذه التغييرات الكيفية ليست تدريجية بل هى سريعة فجائية ، وتحدث بقفزات من حالة إلى أخرى ، وليست هذه التغييرات جائزة الوقوع ، بل هى ضرورية ، هى نتيجة تراكم تغيرات كمية غير محسوسة وتدريجية ، ولذل تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن من الواجب فهم حركة التطور ، لامن حيث هى حركة دائرية ، أو تكرار بسيط للطريق نفسه ، بل من حيث هى حركة تقدمية صاعدة وانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى حالة كيفية جديدة ، وتطور ينتقل من البسيط إلى المركب . من الأدنى إلى الأعلى " . .
ويستشهد ستالين 0 ص 20 – 21 من الترجمة العربية من الكتاب السالف الذكر ) بقول إنجلز :
" يمكن القول إن الكيمياء هى علم التغيرات الكيفية الناشئة فى الأجسام عن تغييرات كمية . وكان هيجل نفسه يعرف ذلك فى عهده . لنأخذ الأوكسجين فإذا جمعنا فى جزيئة ثلاث ذرات عوضا عن اثنتين كالعادة حصلنا على جسم جديد هو " الأوزون " الذى يختلف اختلافا بينا برائحته وبتأثيراته عن الأوكسجين العادى . وماذا نقول عن مختلف تراكيب الأوكسجين مع الأزوت أو مع الكبريت ؟ إن كل تركيب منها يعطى جسما مختلفة ن حيث الكيفية عن جميع الأجسام التى تعطيها التراكيب الأخرى . "
4- التناقض فى الطبيعية :
يقول ستالين ( ص 22 من الترجمة العربية من الكتاب السابق ذكره ) .
" إن نقطة الابتداء فى الديالكتيك – خلافا للميتافيزيا – هى وجهة النظر القائمة على أن كل أشياء الطبيعة وحوادثها تحوى تنقاضات داخلية ، لأن لها جميعها جانبا سلبيا وإيجابيا ، ماضيا وحاضرا ، وفينا جميعا عناصر تضمحل أو تتطور . فنضال هذه المتضادات ، أى النضال بين القديم والجديد ، بين ما يموت وما يولد ، بين ما يفنى وما يتطور ، هو المحتوى الداخلى لحركة التطور . هو المحتوى الداخلى لتحول التغيرات الكمية إلى تغيرت كيفية . ولذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن حركة التطور من الأدنى إلى الأعلى لا تجرى بتطور الحوادث تطورا تدريجيا متناسقا ، بل بظهور التناقضات الملازمة للأشياء والحوادث ، بنضال الاتجاهات المضادة التى تعمل على أساس هذه التناقضات " .
وجاء فى كتاب " أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " لسبركين وياخوت ( ص 72 من الترجمة العربية ) :
" فينحصر جوهر قانون وحدة صراع الأضداد فى أن جميع الأشياء والعمليات تلازمها جوانب داخلية متناقضة ، موجودة فى وحدة لا تنفصم ، وفى صراع مستمر فى نفس الوقت ، وصراع الأضداد هو بالتحديد المصدر الداخلى والقوة المحركة للتطور "
وجاء فى ص 71 من الترجمة العربية :
" نأخذ مجال الطبيعة الحية . هنا نرى بوضوح دور التناقض الجدلى كمصدر للتطور . من لا يعرف أن الأطفال يشبهون الآباء ولكنهم ليسوا نسخة منهم تماما . فالنمطية والجمود مع ذلك لا وجود لهما . يرجع هذا أولا وقبل كل شئ إلى أن قانون الوراثة يعمل إلى جانب نقيضه – قانون التغير – وهو يضمن " عدم تشابه " و " عدم تكرار " وتغير كل الأجسام وتطورها . والوراثة بدورها تثبت هذه الخواص فى السلالة ، بخلاف ذلك يمكن أن تختفى التغييرات . وهكذا يسوق الصراع الأبدى بين القوتين المتضادتين : القابلية للتغير والوراثة ، عملية تطور الطبيعة الحية . ويحدث اختيار طبيعى نتيجة للصراع بين هذين الضدين . تولد القابلية للتغير قسمات جديدة مفيدة . أما الوراثة فتجمعها فى السلالة . ونتيجة لذلك تتولد أنواع جديدة من الكائنات الحية . وليست القوة الخارجية ولا الرب ، إنما التناقضات الداخلية الطبيعة هى المصدر والمحرك الداخلى لعملية تطور الطبيعة الحية .
تلك هى قوانين المادة .
وليس بنا – سواء هنا فى مجال العرض أو فى مجال المناقشة التى تتلوه – أن نتعرض لهذه القوانين ومدى صحتها من الوجهة العلمية ، إنما الجانب ذى يهمنا أكثر من أى شئ آخر فى مجال بحثنا هو قولهم إن قوانين المادة بحذافرها تحكم الحياة البشرية فى جميع أشكالها وشتى ألوان النشاط فيها .
فأما عن الترابط فقد قالوا إن هناك ارتباطا لا ينفصم بين الأفكار والمشاعر وبين الأوضاع والتغيرات المادية .
يقول ستالين 0 ص 23 وما بعدها من الترجمة العربية لكتاب المادية الديالكتيكية ) .
" فإذا صح أن ليس فى العالم حوادث منعزلة ، إذا صح أن كل الحوادث مترابطة فيما بينها ويكيف بعضها البعض الآخر بصورة متبادلة ، فمن الواضح أن كل نظام اجتماعى وكل حركة اجتماعية فى التاريخ لا ينبغى الحكم عليها من ناحية " العدالة الأبدية " أو من ناحية أية فكرة أخرى مقررة سلفا ، كما يفعل المؤرخون على الغالب . بل ينبغى لنا أن نبنى حكما على أساس الظروف التى ولدت هذا النظام وهذه الحركة الاجتماعية المرتبطين بها . إن نظام الرق يكون فى الظروف الحاضرة خرقا وبدعة مضادة للطبيعة . ولكن نظام الرق فى ظروف المشاعية البدائية الآخذة بالانحلال ، هو حادث مفهوم ومنطقى ، لأنه يعنى خطوة إلى الأمام بالنسبة لنظام الشماعة البدائية .
" إن المطالبة بإقامة الديمقراطية البرجوازية فى ظروف القيصرية والمجتمع البروجوازى مثلا فى روسيا سنة 1905 كانت شيئا مفهوما وصحيحا وثوريا تماما لأن الجمهورية البرجوازية كانت تعنى إذ ذاك خطوة إلى الأمام .. ولكن المطالبة بإقامة الجمهورية الديمقراطية البرجوازية فى ظروف الاتحاد السوفياتى الحاضر ، تكون حرقا ، وشيئا رجعيا ومضادا للثورة ، لأن الجمهورية البرجوازية هى خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى الجمهورية السوفياتية ز كل شئ يتعلق بالظروف ، بالمكان والزمان .
ومن الواضح أن وجود علم تاريخى وتطور هذا العلم شيئان مستحيلان بدون هذا الفهم التاريخى لحوادث الاجتماعية ، فمثل هذا الفهم يمنع علم التاريخ من أن يصبح فوضى احتمالات وكون أخطاء سخيفة .
ويقول ماركس ( ج1 ص 30 من الترجمة العربية لكتابه الأيدلوجية الألمانية ) :
" إن نتاج الأفكار والتصورات والوعى مختلط بادئ الأمر – بصورة مباشرة ووثيقة – بالنشاط المادة والتعامل المادى بين البشر ، فهو لغة الحياة الواقعية . إن التصورات والفكر والتعامل الذهنى بين البشر تبدو هنا على اعتبارها إصرارا مباشرا لسلوكهم المادى ، ينطبق الأمر نفسه على الإنتاج الفكرى كما يمثل فى لغة السياسة ولغة القوانين والأخلاق والدين والميتافيزيا .. إلخ عند شعب بكامله ، فالبشر هم منتجو تصوراتهم وأفكارهم .. حتى الأشباح فى العقل البشرى هى تصعيدات ناتجة بالضرورة عن تطور حياتهم المادية . التى يمكن التحقق منها تجريبيا والتى تعتمد على قواعد مادية ، ومن جراء ذلك فإن الأخلاق والميتافزياء وكل البقية الباقية من الأيدلوجية ، وكذلك أشكال الوعى التى تقابلها ، تفقد فى الحال كل مظهر من مظاهر الاستقلال الذاتى فهى لا تملك تاريخها ، وليس لها أى تطور ، وأن الأمر على النقيض من ذلك ، فالبشر إذ يطورون إنتاجهم المادى وعلاقاتهم المادية ، هم الذين يحولون فكرهم ومنتجات فكرهم على السواء مع الواقع الذى هو خاصتهم ، فليس الوعى هو الذى يعين الحياة ، بل الحياة هى التى تعين الوعى "
ويقول إنجلز ( ص 321 من الترجمة العربية لكتابه : أنتى دوهرنج ) :
" فإنه ينبغى البحث عن الأسباب الأ[خيرة لسائر التبدلات الاجتماعية والثورات السياسية ليس فى أدمغة البشر . ليس فى فهمهم النامى للحقيقة والعدالة الأبديتين ، بل فى التبادلات الطارئة على أساليب الانتاج والمبادلة " .
وأما عن الحركة فقد قالوا إن الحياة البشرية تتحرك لأنها من أشكال المادة :
يقول مؤلفا كتاب " المادة التاريخية ( ص 11 من الترجمة العربية ) :
" والمادية التارخية – خلافا للعلوم الأخرى – لا تدرس فقط هذه القوانين الخاصة أو تلك من قوانين تطور أشكال معينة لحركة المادة . وإنما هى تدرس القوانين العامة الشاملة للحركة المادية ، والمجتمع هو أيضا شكل لحركة المادة " .
أما التطور الذى قالوا إنه يحدث فى المادة فقد بنوا عليه تطورا حتميا فى المجتمع البشرى ، ومن ثم نفوا الثبات فى أى وضع من الأوضاع ولا قيمة من القيم :
يقول ستالين فى كتابه : " المادية الديالكتيكية " ( ص 25 من الترجمة العربية ) :
" وبعد . إذا صح أن العالم يتحرك ويتطور دائما وأبدا . إذا صح أن اختفاء القديم ونشوء الجديد هما قانون للتطور ، أصبح من الواضح أن ليست هناك أنظمة اجتماعية ثابتة " غير قابلة للتغير " ولا مبادئ أبدية للملكية الخاصة والاستثمار ! وليست هناك " أفكار أبدية " عن خضوع الفلاحين لكبار ملاكى الأرض ، والعمال للرأسماليين "
ويقول ( ص 26 – 27 من الترجمة العربية لكتابه المادية الديالكتيكية ) :
" وبعد . إذا صح أن الانتقال من التغيرات الكمية البطيئة إلى تغيرات كيفية وفجائية وسريعة هو قانون للتطور فمن الواضح أن الثورات التى تقوم بها الطبقات المضطهدة هى حادث طبيعى تماما ولا مناص عنه .
" وبالتالى فالانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وتحرر الطبقة العاملة من النير الرأسمالى يمكن تحقيقها لا بتغيرات بسيطة بطيئة ، ولا بإصلاحات ، بل فقط بتغير كيفى للنظام الرأسمالى : أى بالثورة " .
ويقول موريس كورنفورث فى كتاب " مدخل إلى المادية الجدلية " ( ص 107 من الترجمة العربية لمحمد سمتجير مصطفى ) :
ونجد هذا القانون عن تحور التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية فى المجتمع كذلك . فقبل أن يوجد نظام الرأسمالية الصناعية حدثت عملية من تراكم الثروة فى شكل نقود فى أيدى قلة ( عن طريق نهب المستعمرات أساسا ) ومن تكون بروليتاريا لا تملك شيئا عن طريق تسييج الأرض وطرد الفلاحين . وعند نقطة معينة من هذه العملية ، حين تراكمت النقود الكافية لتزويد المنشآت الصناعية برأس المال ، وحين تحول عدد كاف من الناس إلى بروليتاريا لتقديم العمل اللازم ، نضجت الظروف لتطور الرأسمالية الصناعية ، عند هذه النقطة ولد التراكم فى التغيرات الكمية مرحلة كيفية جديدة فى تطور المجتمع .
" وتحدث التغيرات الكيفية عموما بفجائية نسبية – بوثبة . إن شيئا جديدا يولد فجأة ، رغم أن إمكانياته كانت تحويها عملية التحول التدريجى للتغيرات الكمية المستمرة التى حدثت من قبل " .
أما التناقض فقد أثبتوه من قبل للمادة ، وحيث إن حركة المجتمع البشرى جزء من حركة المادة فقد احتوت على التناقص بداهة من منشئها المادة التاريخى ، وجرى التناقض فى كل حركة من حركات البشر على الأرض فى صورة صراع طبقى :
يقول ستالين ( ص 27 من الترجمة العربية لكتاب المادية الديالكتيكية ) :
" إذا صح أن التطور يجرى بانبثاق التناقضات الداخلية وبالنزاع بين القوى المتضادة على أساس هذه التناقضات ، وأن غاية هذا النزاع هى قهر هذه التناقضات ، والتغلب عليها ، فمن الواضح أن اتصال البرولتياريا الطبقى هو حادث طبيعى تماما ولا مناص منه .
" وبالتالى لا ينبغى إخفاء تنقاضات النظام الرأسمالى بل ينبغى إبرازها وعرضها ، ولا ينبغى خنق النضال الطبقى بل ينبغى القيام به إلى النهاية "
" وإذن لأجل اجتناب الخطأ فى السياسة ينبغى اتباع سياسة بروليتارية طبقية حازمة ، لا سياسة إصلاحية تقول بالتناسق بين مصالح البروليتاريا ومصالح البرجوازية ، ولا سياسة تفاهمية تقول بإدماج " الرأسمالية فى الاشتراكية " وهذا ما تقول به الطريقة الديالكتيكية الماركسية لدى تطبيقها على الحياة الاجتماعية . على تاريخ المجتمع " .
إلى هنا كنا نتناول المادية الجدلية ، وقد أوردنا من كلامهم ما يبين وجهة نظرهم بالقدر الذى يكفى لتتبع المناقشة التى ستأتى فيما بعد .
والآن ننتقل إلى الكلام عن المادية التارخية . والحقيقة أن هناك ارتباطا وثيقا بين المادية الجدلية والمادية والتاريخية بحيث يصعب الفصل بينهما . وهم أنفسهم يقولون ذلك .
جاء فى كتاب " المادية التاريخية " ( ص 12 من الترجمة العربية ) :
" إن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية تظهران كعلم واحد ، وكفلسفة متكاملة ، فلا المادية التاريخية معقولة بدون المادية الديالكتيكية ، ولا المادية الديالكتيكية ممكنة بدون المادية التاريخية ، فبماذا نفسر ذلك ؟
" أولا : بأنه لا يمكن وضع نظرة مادية ديالكتيكية علن العالم ككل ، إذا لم يتوفر التفسير المادى للحياة الاجتماعية . إذا لم يكن قد اكتشف أن المجتمع هو أيضا شكل لحركة المادة وخاضع فى تطوره لقوانين موضوعية كقوانين الطبيعة المادية والديالكتيكية غير ممكنة بدون المادة التاريخية .
" ثانيا : لأن الإجابة الصحيحة عن المسألة الأساسية فى الفلسفة حول أولوية المادة وثانوية الوعى غير ممكنة بدورها توضيح سبب وكيفية ظهور الوعى الإنسانى والدور الذى لعبه فى ذلك التطبيق العملى الاجتماعى التاريخى للناس ، إذ أن الإجدابة عن هذا السؤال تقدمها المادية التاريخية "
وجاء فى نفس الكتاب ( ص 13 – 14 من الترجمة العربية ) :
" إن تحريف المادية الديالكيتية يؤدى حتما إلى تشويه المادية التاريخية . إن المادية التاريخية لا تتوافق مع أية فلسفة أخرى غير المادية الديالكتيكية . إن الاعتراف بالمادية التاريخية مع نكران المادية الديالكتيكية ليس إلا زيفا خالصا وسفسطة مقززة
  

ثانيا : المادية التاريخية
المادية التاريخية كما هو واضح من التسمية ، محاولة لتفسير التاريخ البشرى على الأسس المادية التى أوردناها فى شرح المادية الجدلية ، أى على أساس أن المادة أزلية أبدية ، وإنها هى الخالقة لكل ما فى الكون من مخلوقات : وأن الإنسان نتاج المادة ، والفكر نتاج المادة ! وإن قوانين المادة هى بذاتها التى تحكم حياة البشر الاجتماعية ، وأن الوضع المادى والاقتصادى هو الذى يكيف شكل الحياة البشرية فى أى وقت من أوقاتها وفى أى طور من أطوارها : وأنه هو الأصل الذى تنبثق منه الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التى ينشئها البشر فى حياتهم ، وأنه يأتى دائما سابقا لها ولا تجئ هى سابقة له بحال من الأحوال ، لأن المادة تسبق الوعى ولا يمكن للوعى أن يسبق المادة ؛ وأن الوضع المادى والاقتصادى فى تطور دائم ، ومن ثم فإن الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التى تنبثق عنه دائمة التطور كذلك ، بحكم ارتباطها بالوضع المادى والاقتصادى وانبثاقها عنه .
وربما يحق لنا أن نبدأ الحديث عن المادية التاريخية من نقطة صلتها بالدروينية ونظرية التطور ن لأن ذلك قد يلقى الضوء على بعض مفاهيمها .
قدم دارون تفسيرا معينا لتطور " الحياة " من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان ، قرر فيه جملة " مبادئ " تأثرت بها المادية الجدلية والمادية التاريخية ، كان من جملتها :
أن " الطبيعة " تخلق كل شئ ولا حد لقدرتها على الخلق .
وأن الطبيعة تخبط خبط عشواء ، أى أنه ليس لها مقصد معين من الخلق ولا غاية .
وأن الظروف المادية المحبطة بالكائن الحى هى التى تحكم حياته كما تحكم تطوره .
وأن الكائن الحى ليس حرا فى اختيار طريقة حياته ولا طريقة تطوره وإنما ذلك مفروض عليه من خارج كيانة من الظروف المادية المحيطة به .
وإن الإنسان ليس خلقا قائما بذاته إنما هو نهاية سلسلة التطور الحيوانى السابق لوجوده .
وإنه فى " تطوره " الأول الذى أوصله إلى حالته الراهنة كان محكوما بذات الظروف المادية التى حكمت خط التطور السابق له .
وأنه لا وجود لشئ " ثابت " فى عالم الأحياء ، لأن قانون " اللتطور " عو الذى يحكم الحياة والأحياء . يحكمها من خارج كيانها ودون خضوع لارادتها ، وبصورة حتمية .
ولعله قد اتضح الآن كم أخذت المادية الجدلية والمادية التاريخية من الداروينية ونظرية التطور ولكن فلننظر فى أقوالهم هم لنرى ماذا يقولون فى هذا الشأن .
يقول كورنفورث ( ص 21 من الترجمة العربية لكتاب " مدخل إلى المادية التاريخية " ) :
" وتقدم المادية التاريخية أساس للعلم الاجتماعى بنفس الطريقة التى تقدم بها نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعى أساسا للعلم البيولوجى . فأيا كان النوع الذى يدرس فإنه قد تطور عن طريق الانتقاء الطبيعى وهذا يحدد كل طبيعته . وبالمثل ، أيا كان المجتمع الذى يدرس فإنه أصبح ما هو عليه بتكيف علاقات الانتاج مع الإنتاج ، والأفكار والمؤسسات مع علاقات الإنتاج " .
وجاء فى كتاب أصول الفلسفة الماركسية ( ج1 ص 37 من الترجمة العربية ) :
" وكان للاكتشافات الثلاثة التالية أثر كبير فى ذلك :
اكتشاف الخلية الحية التى تتطور عنها الأجسام المعقدة .
اكتشاف تحول الطاقة من حرارة وكهرباء ومغناطيس وطاقة كيميائية ، فهى صور مختلفة نوعيا لحقيقة مادية واحدة .
نظرية التحول عند دارون فلقد أظهرت هذه النظرية اعتمادا على الحفريات ، وعلم تربية الحيوان ، أن جميع الكائنات الحية ( ومنها الإنسان ) هى ثمرات التطور الطبيعى " .
وجاء فى كتاس " أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " ( ص 16 من الترجمة العربية ) :
" وبذلك أعد تطور العلم – وخصوصا الاكتشافات الثلاثة فى العلم الطبيعى : قانون حفظ الطاقة ، ونظرية التكوين الحلوى للكائنات الحية ونظرية التطور لداروين – المقدمات العلمية لانتصار النظرية المادية الجدلية عن العالم ، التى وضعها كار ماركس وفردريك إنجلز " .
وسيتناول حديثنا عن المادية التاريخية أمرين : التفسير المادى للتاريخ ، والتفسير المادة للدين والأخلاق والأسرة .

البيان
10-18-2007, 08:12 PM
أولا : التفسير المادى للتاريخ :
منن الطبيعى أن تكون الفلسفة التى يقوم عليها التفسير المادى للتاريخ فلسفة مادية بحتة ، سواء فى نظرتها إلى الإنسان " الذى له ، أو حركة هذا الإنسان على الأرض خلال التاريخ ، والعوالم التى تؤثر فى هذه الحركة .
والحق أن التفسير المادى للتاريخ لا ينكر وجود " القيم " فى الحياة البشرية ، ولا يفسر الحياة طعاما وشرابا وملبسا ومسكنا وجنسا فقط .. لكن الحق إلى جانب ذلك أنه ينفى نفيا قاطعا – كما ورد من كلامهم فيما سبق – أن تكون هذه القيم ثابتة ، أو أن تكون قائمة بذاتها ، أو أن تكون سابقة فى وجودها على الأوضاع المادية والاقتصادية ، أو أن تكون فى أى وقت من الأوقات منشئة لأوضاع مادية واقتصادية لم تكن قائمة من قبل ..
تبدأ النظرية من أن الانتاج المادى هو أساس الحياة البشرية كلها وأساس التاريخ البشرى :
يقول ماركس ( ص 37 من الترجمة العربية لكتابه" الأيدلوجية الألمانية " ) :
" وليس لنا بد مع الألمان المجردين عن أية مقدمات من أن نبدأ بتقرير المقدمة الأولى للوجود البشرى بكامله وبالتالى للتاريخ بأسره ، ألا وهى المقدمة التى تنص على أنه لابد للبشر من أن يكونوا فى مركز يمكنهم من العيش ، كما يكون فى مقدورهم أن يصنعوا التاريخ . بيد أن الحياة تشتمل قبل كل شئ على المأكل والمشرب والمسكن والملبس وأشياء عديدة أخرى . وهكذا فإن العمل التاريخى هو إنتاج الوسائط القمينة بسد هذه الحاجات . إنتاج الحياة المادية بالذات .. وبالفعل فإن هذا العمل عمل تاريخى . شرط أساسى للتاريخ بكاملة . لابد فى اليوم الحاضر مثلما كانت الحال قبل آلاف السنين من تحقيقه يوما فيوما ، وساعة فساعة لمجرد الإبقاء على الحياة الإنسانية "
وقوى الإنتاج المادى من ثم هى أهم عنصر فى الحياة .. وهى المقياس الذى يقاس به كل شئ :
جاء فى كتاب " أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " ( ص 151 من الترجمة العربية ) :
" وهكذا فإن القوى المنتجة تعبر عن علاقات مادية بين المجتمع والطبيعة ، ومستوى تطور هذه القوى دليل على درجة سيطرة البشرية على قوى الطبيعة ، وبدوره يتجدد المستوى نفسه قبل كل شئ بأدوات العمل وتزويد الإنتاج بالطاقة وتنظيم التكنولوجيا العملية الإنتاجية وتطور العلم ، وكذلك بمستوى استخدام المنتجين المباشرين للقيم المادية للمنجزات العلمية " .
والعمل – العمل الذى يؤدى إلى الإنتاج المادى – هو محور الحياة ..
يقول إنجلز " يقول الاقتصاديون إن العمل هو مصدر كل ثروة . وإنه لكذلك فعلا . مع الطبيعة التى تقدم له المادى التى يحولها إلى ثروة ، ولكنه أكثر من ذلك أيضا إلى مالا نهاية . إنه الشرط الأساسى الأول لكل حياة بشرية . وإنه لكذلك إلى درجة ينبغى علينا معها – بمعنى ما – أن نقول " إن العمل قد خلق الإنسان ذاته " ( عن كتاب : نصوص مختار ، فردريك إنجلز ص 123 من الترجمة العربية ) .
وعلاقات الإنتاج هى التى تصور شكل الحياة البشرية فى أى طور من أطوارها .
جاء فى كتاب " المادية التاريخية " ( ص 60 من الترجمة العربية ) :
" وبما أن أسلوب الإنتاج هو الذى يحدد نمط حياة الناس فى هذا المجتمع أو ذاك فإن جميع ظواهر الحياة الأخرى تتعلق بأسلوب الإنتاج وتكون نابعة منه ومشروطة به .
ويقول ماركس فى كتاب " بؤس الفلسفة " ( ص 112 – 113 من الترجمة العربية ) :
" ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الإنتاجية . ولدى تحقيقينا لقوى إنتاجية جديدة يغير الناس نوع الإنتاج ، وعند تغييرهم لنوع إنتاجهم ، وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم ، فإنه يغيرون كل العلاقات الاجتماعية ، إن الطاحونة التى تدار باليد تمثل لك مجتمعا يتحكم فيه السيد الإقطاعى ، وتمثل الطاحونة البخارية مجتمعا تتحكم فيه الصناعة الرأسمالية .
" إن نفس الناس الذين يؤسسون علاقاتهم الاجتماعية لتطابق إنتاجهم المادى ، تراهم ينتجون أيضا المبادئ والأفكار واللوائح لكى تطابق علاقاتهم الاجتماعية ، وهكذا فإن هذه الأفكار وهذه اللوائح ليست أبدية كالعلاقات التى تعبر عنها . إنها إنتاج تاريخى وفترة انتقال " .
ويقول ستالين فى كتاب " المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " ( ص 49 – 50 من الترجمة العربية ) :
" الخاصية الأولى للإنتاج أنه لا يقف أبدا مدة معينة فهو دائما فى حالة تغير ونمو ، وعلاوة على ذلك فإن أسلوب الإنتاج يؤدى بصورة حتمية إلى تغير النظام الاجتماعى بأسره وتغير الأفكار الاجتماعية والآراء والمؤسسات السياسية .
" إن المجتمع ذاته وأفكاره ونظرياته ، وآراءه ومؤسساته السياسية تتعلق من حيث الساس بأسلوب الإنتاج فى المجتمع ، أو بعبارة أبسط كل نمط من المعيشة يطابقه نمط من التفكير .
" ومعنى هذا أن تاريخ تطور المجمع هو قبل كل شئ تاريخ تطور الإنتاد وتاريخ أساليب الإنتاج التى تتعاقب خلال العصور . تاريخ تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج بين الناس " .
ويقول ماركس فى كتابه " الأيديولوجية الألمانية " ( ج 1 ص 39 من الترجمة العربية ) :
" وهكذا فإنه من الجلى تماما منذ البداية أن ثمة رابطة مادية تجمع البشر بعضهم بعضا ، تتحدد بحاجتهم ونمط إنتاجهم ، وهى قديمة قدم البشر أنفسهم ، وإن هذه الرابطة لتتخذ على الدوام أشكالا جديدة ، وبذلك تمثل " تاريخا " حتى دون أن يوجد بعد أى هراء سياسى أو دينى يحقق – علاوة على ذلك – التماسك بين البشر " .
  

ينقسم التاريخ البشرى – بناء على القواعد السالفة الذكر – إلى خمسة أطوار رئيسية :
المشاعية الابتدائية ، والرق ، والإقطاع ، والرأسمالية ، ثم الاشتراكية الممهدة للشيوعية .
فبالنسبة للمشاعية الابتدائية :
جاء ى كتاب المادية التاريخية ( ص 335 من الترجمة العربية ) :
" وهكذا فقد كان القطيع البدائى أول شكل انتقالى للمجتمع الذى حدث فيه تكوين الإنسان . ولقد ظهر هذا القطيع عندما انفصل الإنسان عن عالم الحيوان وبدأ بإنتاج أدوات العمل ، وما زال باقيا ( يقصد وظل باقيا) إلى أن تكونت ملامح الإنسان الحديث نتيجة لتطورها التدريجى البطئ " .
ويقول سيجال فى كتاب " لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ" ( ص 8 – 9 من الترجمة العربية ) :
" لقد كان هذا النظام المشاعى البدائى ضروريا للمجتمع الإنسان فى تلك المرحلة من التطور . فلقد كان من المستحيل على المجتمع لو عاش أفراده حياة منعزلة مبعثرة ا، يخترع الأسلحة والأدوات البدائية وأن يحسنها فيما بعد . ولم يستطع الناس أن يحرزوا انتصاراتهم الأولى فى ميدان الكفاح ضد الطبيعة إلا بفضل حياتهم التعاوين . لقد كان اتحادهم فى بطن مشاعى هو قوتهم الرئيسة " .
ويقول ( ص 15 من الترجمة العربية ) :
" ولا تزال بقايا المشاعية البدائية موجودة حتى أيامنا هذه لدى عدد من الشعوب فى شكل مشاعية بدائية تملك الجماعات الزراعية فيها الأرض ملكا مشتركا ، وتوزع حصصا منها على أعضائها للتصرف فيها بصورة مؤقتة ، وليس يمكن بعد هذا أن يوضع موضع الشك وجود المشاعية البدائية كنقطة بدء فى تطور الشعوب كلها .
ويقول (ص 9 من الترجمة العربية ) :
لقد كان تطور مستوى قوى المجتمع المنتجة هو الذى يحدد ظروف النظام المشاعى البدائى . ومن الخطأ التصور أن الناس البدائيين هم الذين أوجدوا هذا النظام عن وعى منهم ، فلقد تشكل وتطور بصورة طبيعية ودون علاقة بإرادة الناس ووعيهم " .
ثم انحل هذا الطور وانتهى بصورة حتمية .
جاء فى كتاب " المادية التاريخية " ( ص 161 من الترجمة العربية ) :
" ومع ظهور الإنتاج الفردى ظهر التناقض بين الملكية الاجتماعية والطابع الفردى لعملية الإنتاج ، هذا التناقض الذى يحل عن طريق القضاء على الملكية الاجتماعية وظهور الملكية الخاصة لوسائل ومواد الإنتاج ، وهذه هى الأسباب الرئيسة التى أدت إلى القضاء على النظام البدائى كحتمية طبيعية "
وحين انحلت المشاعية البدائية بظهور الزراعة وجدتة الطبقات ، ووجد صراع الطبقات ، الذى هو صراع على المصالح المادية :
يقول كورنفورث فى كتاب " مدخل إلى المادية التاريخية " ( ص 30 – 31 من الترجمة العربية ) :
" إنما صار تاريخ الإنسان فقط هو تاريخ الصراع الطبقى لتغير ظروف الإنتاج مع نشوء الزراعة . ثم التغير الهائل فى المجتمعات الرأسمالية "
وجاء فى كتاب " أسس المادة الديالكتيكية والمادية التاريخية " ( ص 162 من الترجمة العربية ) :
" والمصالح الأساسية للفئات الاجتماعية والطبقات البشرية هى أولا وقبل كل شئ مصالح مادية اقتصادية تحدد فى نهاية الأمر المصالح السياسية والقانونية والأخلاقية والدينية والجمالية والعلمية والفلسفية وغيرها "
ويقول ماركس فى كتاب " الأيديولوجية الألمانية " ( ص 56 من الترجمة العربية ) :
" إن أفكار الطبقة السائدة هى فى كل عصر الأفكار السائد أيضا . يعنى أن الطبقة التى هى القوة المادية السائدة فى المجتمع هى فى الوقت ذاته القوة الفكرية السائدة . إن الطبقة التى تتصرف بوسائل الإنتاج المادى تمل فى الوقت ذاته الإشراف على وسائل الإنتاج الفكرى ، بحيث إن أفكار أولئك الذين يفتقرون إلى وسائل الإنتاج الذهنى تخضع من جراء ذلك لهذه الطبقة السائدة .
من المشاعية البدائية انتقل الناس إلى الرق :
يقول إنجلز فى كتاب أنتى دوهرنج ( ص 217 من الترجمة العربية ) :
" وإن تطبيق العبودية فى الظروف التى كانت سائدة فى ذلك الحين قد كان خطوة كبرى إلى الأمام !
ذلك أنه م الحقائق الواقعة أن الإنسان قد انبثق من الحيوان ، وبالتالى فلم يكن له بد من استخدام وسائل بربرية تكاد أن تكون وحشية من أجل تخليص نفسه من البربرية
ونشأ الرق من مبعين أساسيين : الحرب والدين ذلك أن المدين الذى يعجز عن السداد كان يتحول إلى رقيق.
يقول ماركس : " كان الصراع الطبقى فى المجتمع القديم – وبالدرجة الأولى – صراعا بين الدائنين والمدينين ، وقد انتهى فى روما إلى زوال المدين من طبقة العامة وتحوله إلى عبد ( نقلا من كتاب لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ ص 17 من الترجمة العربية ) .
وفى مجتمع الرق ظهرت الدولة ونمت الثقافة وظهرت الفلسفة وتقدمت البشرية تقدما كبيرا يعزوه الماديون إلى الصراع الطبقى !
جاء فى كتاب المادية التاريخية ( ص 163 من الترجمة العربية ) :
" إن تجطور الصراع الطبقى والمعارف النظرية أدى إلى ظهور الفلسفة ، وحدثت اختلافات مهمة على صعيد الدين ، الذى تحول تدريجيا إلى أدة روحية لاستبعاد الجماهير ، وبهذا فإن انقسام المجتمع إلى طبقات يحدث انقلابا جذر يا فى البنيان الفوقى وفى حياة المجتمع الروحية كليها ، وفى المجتمع العبودى بالذات ظهرت لأول مرة كل الأشكال الراهنة للوضع الاجتماعى " .
وكانت معاملة الرقيق فى أوربا بالبشاعة التى يعرفها التاريخ . ولم تفلح ثورات العبيد فى تحسين أحوالهم ولا رفع الرق عنهم . ولكن لأسباب مادية واقتصادية بحتة بدأ عهد الرق ينهار .
يقول إنجلز فى كتاب " أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة " ( ص 236 – 237 من الترجمة العربية ) :
" لكن هذه العبودية المشرفة على الموت كانت لا تزال من القوة بحيث تجعل كل عمل من أعمال الإنتاج يبدو وكأنه عمل عبودى وضيع لا يليق بمقام الرومان الأحرار ..
" إن المسيحية ليست مسؤولة قط عن هذا الزوال التدريجى للعبودية القديمة ، إذ هى قد جنت من ثمار العبودية فى الإمبراطورية الرومانية خلال قرون من الزمن ، ولم تفعل فيما بعد شيئا لا لمنع المسيحيين من المتاجرة بالرقيق – سواء الألمان فى الشمال أو تجار البندقية على البحر الأبيض المتوسط – ولا لحظر التجارة بالرقيق الزنوج فى السنين الأخيرة . وإنما زالت العبودية لأنها لم تعد تدرجا قط . لكنها بزوالها خلفت وراءها لسعتها السامة وذلك بوسمها عمل الأحرار فى الإنتاج بميسم الضعة ، فكان ذلك بمثابة الزقاق المسدود الذى وجد العالم الرومانى نفسه فيه ، كانت العبودية مستحيلة من الناحية الاقتصادية وكان عمل الأحرار مستهجنا من الناحية الأخلاقية . لم يعد فى وسع الأول أن يظل أساس الإنتاج الاجتماعى وكان الأخير لا يزال غير قادر على أن يكون أساس لهذا الإنتاج ، لم يكن ينفع فى هذا الحال سوى ثورة كاملة
هذا من جهة .. ومن جهة أخرى كان اختراع المحراث الحديدى أهم تحول أدى إلى ظهور الإقطاع .
يقول سيجال فى كتابه " لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ ( ص 21 من الترجمة العربية ) :
" كان نظام الرق شكلا اجتماعيا ضروريا من أشكال تطور القوى المنتجة فى مرحلة من مراحل التاريخ ولكن هذا التطور كان بدوريه سببا لانحطاط هذا النظام " .
جاء الإقطاع بصورته الأوروبية المعروفة .. وكانت الطبقتان المسيطرتان فيه هما طبقة كبار الملاك وطبقة رجال الدين . وبقية الشعب مسخر لصالح كلتا الطبقتين .. وأخذ الإقطاع جولته التاريخية " الحتمية " حتى تطورت أدوات الإنتاج باختراع الآلة وتعقدت علاقات الإنتاج القائمة وصارت غير مناسبة للمرحلة الاقتصادية الجديدة .
جاء الإقطاع نتيجة ظروف مادية واقتصادية . فمن الناحية المادية كان اختراع المحراث الحديدى وتطور زراعة الأرض نتيجة إدخال أدوات جديدة أكثر صلاحية من أهم السباب التى أدت إلى ظهور الإقطاع ، ومن الناحية الاقتصادية كان لابد من تغيير علاقات الإنتاج بعد أن أصبح الرقيق – بحالته التى كان عليها – عاجزا عن الإنتاج ، أو بعبارة أخرى عاجزا عن تلبية مصالح السيد الاقتصادية ، لكثرة تمرده وهربه نتيجة المعاملة البشعة التى كان يتلقاها من السيد أو وكيله . وفى النظام الإقطاعى يملك السيد الأرض ولكن الفلاح الذى يعمل لحساب السيد يمكن أن يمتلك قطعة صغيرة من الأرض – بالقدر الذى يسمح به الإقطاعى – وله نصيب من الإنتاج – يحدده الإقطاعى كذلك – يعيش منه هو وأسرته .
ولكن نصيب الفلاح – فى مجموعة – كان أضأل من أن يوفر له الحياة الكريمة أو الحياة الصحية ، وكان هو وأسرته يعيشون فى حالة من الضنك الشديد ، وكثيرا ما كان الفلاحون يموتون بالمئات والألوف نتيجة الجوع أو الإصابة بالسل أو نتيجة أوبئة الفتاكة .
وبدأ نضال الفلاحين ضد الإقطاعيين لرفع الظلم الفاحش الواقع عليهم ، ولكنهم كانوا أضعف من أن ينالوا شيئا من الإقطاعيين المحصنين بقلاعهم المزودين بجيوش تحميهم ، كما أنه لم يكن للفلاحين تجمع ذو هدف محدد يخوض معركة منظمة ضد الإقطاعيين ، لذلك باءت ثوراتهم بالإخفاق ، ولكن من خلال التطور المادى والإقتصادى أخذ الإقطاع ينهار لتحل محله الرأسمالية .
نشأت الرأسمالية ( التى يسميها الشيوعيون البرجوازية لنشأتها فى المدينة Bourjois ) نتيجة عدة عوامل أهمها اختراع الآلة التى أخذت تحل بالتدريج محل الإنتاج اليدوى ، كما اتسعت الكشوف الجغرافية وزاد حجم التجارة الأوربية " ، كما أن ظاهرة العمل المأجور – أى تأجير العامل جهد يده من أجل الحصول على مطالب الحياة – كانت قد بدأت توجد فى المدن وإن كان حجمها فى بادئ الأمر لم يكن كافيا لتشغيل الحركة الصناعية الناشئة فقامت الثورة التى أدت إلى تحطيم الإقطاع .
يقول سيجال فى كتاب " لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ " ص 33 من الترجمة العربية ) :
" وهكذا نرى أن الإقطاعية التى كانت متوافقة عند نشأتها مع مستوى القوى المنتجة فى المجتمع صارت متناقضة مع القوى المنتجة المتنامية ، وصار الغاؤها ضرورة تاريخية "
وفى ظل الرأسمالية حدث تقدم عظيم فى مجالات كثيرة منها المجال العلمى والمجال التكنولوجى لأن الرأسمالية تسعى دائما لزيادة الإنتاج من أجل الربح . كما نشأ تنظيم جديد للعمل يتعاون فيه مجموعة كبيرة من الناس فى العمل الواحد بدلا من العمل الفردى . ونشأ تحسين للطرق والمواصلات من أجل تصريف الإنتاج الصناعى فى داخل البلاد وخارجها . كما كان الاستعمال وسيلة للحصول على موارد رخيصة ومجالا لتصريف فائض الإنتاج ونشأت الأمم فى أوربا وحل الحكم الدستورى محل الحكم الملكى المطلق . ولكن هذا كله كان على حساب طبقة العمال المضطهدة ، التى تبذل الجهد الحقيقى فى عملية الإنتاج ولا تنال إلا أقل القليل .
يقول إنجاز فى كتاب " أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة " ( ص 279 من الترجمة العربية ) :
" ولما كان استغلال طبقة من قبل طبقة أخرى هو أساس الحاضرة ، فإن نموها كله يسير فى تناقض مستمر . كل خطوة إلى الوراء فى أحوال الطبقة المضطهدة أى الأكثرية العظمى . كل ما هو خير للبعض لابد أن يكون شرا للآخرين . كل تحرر جديد لإحدى الطبقات يعنى دائما اضطهادا جديا لطبقة أخرى . وأعظم دليل على هذا نجده فى إدخال الآلة ( يقصد الرأسمالية ) التى يعرف العالم بأسره أثارها الآن "
ويقول كور نفورث فى كتاب " مدخل إلى المادية التاريخية " ( ج1 – ص 73 من الترجمة العربية ) :
" والسمة الأساسية لزيادة قوى الإنتاج التى نشأت فى إطار الرأسمالية هى تشريك العمل ( يقصد جعله مشتركا بدلا من أن يكون فرديا ) فلقد حلت محل الإنتاح الفردى الصغير قوة العمل الإجتماعى الذى يتعاون الناس فيه معا فى منشأت إنتاجية كبيرة تستخدم آلات تعمل بالطاقة . لكن هذه السمة تعوقها علاقات الإنتاج الرأسمالية التى تجعل التاريخ ملكا للرأسماليين . وتجبر الإنتاج الاجتماعى على ان يخدم الربح الخاص "
وجاء فى كتاب " المادية التاريخية " ( ص 174 من الترجمة العربية ) :
" إن تغيير علاقات الإنتاج الإقطاعية إلى علاقات رأسمالية يؤدى إلى إعادة تركيب البناء الفوقى الذى يبؤدى بدوره مع ملاءمته للقاعدة الجديدة إلى تغيير وجه المجتمع كله "
وجاء فيه أيضا ( ص 341 – 342 من الترجمة العربية ) :
" إن عصر الرأسمالية الصاعدة هو عصر نشوء الأمم . والماركسيون يذهبون إلى أن الأمة لم توجد قبل الرأسمالية لأن الشروط الاقتصادية اللازمة لنشوئها كانت لا تزال معدومة " إن تكون الشعب من اختلاط مجموعات جغرافية مختلفة اتحدت فى الأرض واللغة والثقافة كان المنطلق لتكوين الأمة ، مع أنه ليس ضروريا أن تتألف الأمة من شعب واحد ، فكل الأمم الحديثة نشأت وتنشأ نتيجة لاتحاد الشعوب المختلفة . وهكذا فإن الأمة كشكل لتجمع الناس نشأت من متطلبات الإنتاج الرأسمالى وتنشأ على أساسه ، وهى تنشأ لأنه ضرورية من أجل تطور الإنتاج الرأسمالى الضخم "2"
وتأخذ الرأسمالية دورهالا ثم يجى التطور الحتمى ..
يقول سيجال فى كتابه " لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ " ( ص 36 – 37 من الترجمة العربية ) :
" غير أن الرأسمالية – عندما تتطور قوى المجتمع المنتجة – تبدو يوما فيوما أقل قدرة على السيطرة عليها . وأجدى برهان على ذلك هو تلك الأزمات التى تأتى على نحو دورى فتزعزع النظام الرأسمالى وتدمر جزءا من القوى المنتجة . وهكذا تصبح الرأسمالية أكثر فأكثر عائقا فى طريق تطور هذه القوى التى ولدتها هى ذاتها ، ومن هنا يتبين أن إلغاء الرأسمالية بالطرق الثورية واستبدالها بالشيوعية ( يقصد استبدال الشيوعية بها لأن الباء تدخل على المتروك ) أى بمجتمع دون طبقات تكون وسائل الإنتاج فيه ملكا مشتركا يصبح ضرورة تاريخية "
والسبب الرئيسى فى ذلك هو التناقض المتزايد بين مصالح الرأسمالية ومصالح العمال ( طبقة البروليتاريا ) الذى يؤدى فى النهاية إلى ثورة طبقة البروليتاريا على طبقة الرأسماليين لنزع السلطة منها وإنشاء مجتمع بلا طبقات ، وتوزيع الإنتاج على الجميع دون استغلال طبقة لطبقة .
ولا يتم ذلك دفعة واحدة . فهناك مرحلة انتقالية ينتقل فيها الناس من الرأسمالية إلى الاشتراكية ، ثم إن المرحلة الاشتراكية تمهد للمرحلة الأخيرة وهى الشيوعية حيث يتحقق مبدأ " من كل حسب طاقته ، ولك حسب حاجته "
تنقضى المرحلة الأولى فى الكفاح لإزالة الطبقة المستغلة والقضاء عليها . حتى يمكن تأصيل المبادئ الجديدة المبنية على إزالة الطبقة وتحويل الملكية من ملكية فردية إلى ملكية جماعية . والعمل على زيادة الإنتاج لكى تتحقق المرحلة الأخيرى التى لا يمكن الوصول إليها إلا بزيادة هائلة فى الإنتاج تمكن كل إنسان أن يأخذ بحسب حاجته فى الوقت الذى يعمل حسب طاقته .
ثانيا : التفسير المادى للدين والأخلاق والأسرة :
يقصد بالتفسير المادى للدين والأخلاق والأسرة أمران فى أن واحد . الأول : أنها ليست " قيما " قائمة بذاتها . ولا يمكن النظر إليها على هذا النحو ، ومن ثم فليس لها ثبات ولا قدسية ، والثانى : أنها فى ذات الوقت انعكاس للأحوال المادية والاقتصادية القائمة فى أى وقت من الأوقات . وكل وضع مادى أو اقتصادى قائم هو الذى ينشئ " الأفكار " المتعلقة بالدين والأخلاق والأسرة ، وتتغير هذه الأفكار تغيرا حتميا كلما تغير الوضع المادى أو الاقتصادى . وإليك أقوالهم فى كل أمر من هذه الأمور الثلاثة :
1- الدين :
يقول إنجلز ( ص 381 من الترجمة العربية لكتاب أنتى دوهرنج ) :
" ومهما يكن من شئ فليس الدين إلا الانعكاس الوهمى فى أذهان البشر لتلك القوى الخارجية التى تسيطر على حياتهم اليومية ، وهو انعكاس تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى فوق طبيعية ( يقصد قوى خارقة ) .
ويقول كذلك ( ص 382 من نفس الكتاب ) :
" من الأزمنة الموغلة فى القدم – إذ وصل الفكر بالناس وهم بعد فى جهل تام ببنياتهم الجسدية الخاصة ، وتحت تأثير أحلامهم ، إلى القول بأن أفكارهم وأحاسيسهم ليست من فعل أجسادهم ذاتها ، بل من فعل روح خاصة تسكن هذا الجسد وتفارقه لحظة الموت – منذ ذلك الحين اضطروا لأن يصطنعوا لأنفسهم أفكار عن علاقات هذه الروح مع المعالم الخارجى .
" وعلى هذا النحو تماما – عن طريق تشخيص القوى الطبيعية – ولدت الآلهة الأولى التى اتخذت خلال التطور اللاحق شكلا غير أرضى أكثر فأكثر ، إلى أن حدث أخيرا عملية تجريد .. فنشأ على نحو طبيعى خلال التطور العقلى أن تولدت فى عقل الناس من الآلهة المعتددين ذوى السلطة الضعيفة والمقيدة بعضهم حيال بعض ، فكرة الآله الواحد المنفرد فى الديانات التوحيدية " .
ويستشهد مؤلفو كتاب " أصول الفلسفة الماركسية ( ج1 . ص 296 – 297 من الترجمة العربية ) بهذه القولة لإنجلز .
" إن الدين يولد من نظريات الإنسان المحدودة . وهذه النظريات محدودة بعجز الناس البدائيين المطلق تقريبا أمام الطبيعة المعادية، التى كانوا لا يفهمونها ، وهى محدودة من ناحية ثانية بتعلقهم الأعمى بالمجتمع الذى لا يفهمونه والذى كان يبدو لهم أنه تعبير عن إرادة سامية . وهكذا كانت الآلهة – وهى الكائنات المهمة الجبارة المسيطرة على الطبيعة والمجتمع – انعكاسا ذاتيا لعجز الناس الموضوعى أمام الطبيعة والمجتمع ، وكان على تقدم العلوم الطبيعية والاجتماعية أن يظهر طابع المعتقدات الوهمى : الاعتقاد بوجود آلهة متعددة ، ثم الاعتقاد بوجود إله واحد .
وجاء فى كتاب " نصوص مختارة ، فردريك إنجلز " ( جمع جان كانابا ، ترجمة وصفى البنى ، ص 177 – 178 من الترجمة العربية )
" أما المجالات الأيدلوجية التى تحوم أعلى فى الفضاء كالدين والفلسفة .. الخ ، فإنها مؤلفة من بقية – تعود إلى ما قبل التاريخ وقد وجدها العهد التاريخى أمامه فالتقطها – لما نسميه اليوم غباء . إن هذه التصورات المختلفة الخاطئة عن الطبيعة . وعن تكوين الإنسان ذاته ، وعن الأرواح ، وعن القوى السحرية ، ليس لها فى الغالب إلا أساس اقتصادى سلبى ، فالتطور الاقتصادى الضعيف لعهد ما قبل التاريخ تكون فيه كتكملة – ولكن كذلك على نحو جزئى كشرك أو حتى كسبب – تصورات خاطئة عن الطبيعة " .
هذا عن نشأة الدين ( أى فى فترة الشيوعية البدائية ) أما عن تطوره نتيجة تغير الأوضاع المادية والاقتصادية فغنه فى عهد الرق والإقطاع استغل لتخدير الكادحين حتى لا يشعروا بالظلم الواقع عليهم ، ولتمنيتهم بنعيم الجنة تعويضا عن عذاب الدنيا .
جاء فى كتاب أصول الفلسفة الماركسية ( ج 2 ، ص 106 – 107 من الترجمة العربية ) :
" لم تحرم الكنيسة الكاثوليكية الرق ، ولذلك وجد رقيق فى أوربا فى العصر الوسيط . ولقد علمت الكنيسة الأرقاء أن يطيعوا سيدهم . واضطرت الأسياد المحاربين حقا إلى احترام " هدنة الله " وهددتهم بالنار الأبدية . ولكنها بهذا الإجراء قد أنقذت قبل كل شئ المزروعات الضرورية لحياة المجتمع ، كما حفظت الإنتاج وأمنت تفشى المجاعة واندلاع نار الثورة وهكذا تحمى فى النهاية الإقطاعية ضد تصرفات الإقطاعيين المغالية
ويقول موريس كورنفورث ( ص117 – 118 من الترجمة العربية لكتابه : " مدخل إلى المادية التاريخية " ):
" وفى أوج الإقطاع فى أوربا الغربية كانت للكنيسة الكاثوليكية مكانة هائلة ، وسادت العقيدة الكاثوليكية الفلسفة والأدب والفنون ، ولقيت هذه العقيدة مساندة السلطة الزمنية – مساندة الحكام الإقطاعيين ودولهم والقوانين – ولا يمكن تفسير الحماس القاسى الذى كانت الكنيسة تلاحق به الهراطقة وتلقى فيه مساندة الحكام بمجرد الهوس الدينى فلماذا وجد هذا الهوس ؟ لقد استقرت العقيدة الكاثوليكية كجزء أساسى فى النظام الاجتماعى وأحست الكنيسة عن حق – كمالك كبير للأرض إلى جانب كبار ملاك الأرض الآخرين – بخطر التمزق الاجتماعى الكامن خلف كل هرطقة .
ويقول إنجلز عن الحروب الدينية التى سادت فى العصور الوسطى ( ص 169 – 170 من الترجمة لكتاب المادية التاريخية ) :
" إن ما يسمى بالحروب الدينية . كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية ، فقد كانت هذه الحروب حروبا طبقية تماما .. ورغم أن الصراعات الطبقية كانت عندئذ مغلفة بشعارات دينية ، ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختلفة خلف شعار دينى ، فلم يبدل هذا شيئا من الأمر ، ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام "
أما فى عصر الرأسمالية فقد ضعف الدين فى أوربا ، وهذا تفسيرهم لهذه الظاهرة :
يقول جورج سول فى كتاب " المذاهب الاقتصادية الكبرى " ( ترجمة الدكتور راشد البراوى ، ص 49 – 51 من الترجمة العربية ) :
" فإذا كانت المصادر القديمة قد أخطأت فى نظراتها إلى العالم الطبيعى أما كانت كذلك مخطئة فى نظراتها إلى السلوك البشرى ؟ أصبح كل شئ موضع التساؤل والشك ، وعلى ذلك سمى العلم فلسفة ، ولم يعد هناك تمييز بين الميادين التى عنى كل منهما بفحصها ، وأخذ الكتاب والمتفلسفون يعيدون البحث فى النظم البشرية تماما كما كانوا يفعلون بالنسبة إلى الأشياء غير البشرية ، وهم فى تصرفهم هذا كانوا يسلمون بأن الإنسان جزء من الطبيعة وليس كائنا منفصلا عن بقية المخلوقات أوجدته ا***اية الإلهية وتولت رعايته .
وأصبح البحث ينصب على تفسير النتائج والأساليب بالنسبة إلى السلوك البشرى – سواء أكان مرغوبا فيها أم غير مرغوب – عن طريق قوانين الطبيعة ، بدلا من البحث عنها فى إرادة الله كما قالت الكتب المقدسة أو المذاهب الكنسية ، ومعنى هذا – بتعبير آخر – أن علينا أن نسترشد فى أعمالنا وتصرفاتنا بالعقل دون سلطة القدامى .
" وصار لزاما على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجوده فى الطبيعة ، أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان – وإن لم يكن فى الواقع كما هو أغلبهم – فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها ، وليس بوسيلة مباشرة ! وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شئ له وجود فحسب ، وإنما هو شئ ينبغى أن يطاع ، وصارت مخالفتها دليلا على نقص التقوى والأخلاق "
ويقول كورنفورث ( ج 2 ، ص 107 من الترجمة العربية لكتاب أصول الفلسفة المراكسية ) :
" ومع ظهور البرجوازية برزت أفكار دينية وفلسفية جديدة . ففى مجال الدين بدأ التأكيد على ضمير الفرد وعلاقة الفرد المباشرة بالله ، ودعا الفلاسفة إلى سيادة العلم والعقل ، ومن هذه الزاوية أخضعوا الأفكار الإقطاعية للنقد المدمر ، ودرسوا من جديد أسس المعرفة ، وحاولوا أن يبينوا كيف يمكن توسيع المعرفة ووضع الإنسانية فى طريق التقدم ، وكانوا فى ذلك يخدمون البرجوازية الجديدة فى التخلص من الإقطاع ودعم الرأسمالية " .
ولكن البرجوازية أحست بأن نبذها للدين خطر عليها فعادت إلى احتضان الدين وتسخيره لمصالحها .
يقول كورنفورث ( ج 2 ، ص 107 – 108 من الترجمة العربية ) :
" ولهذا رأينا البرجوازية حينما شعرت بالتهديد ، أعادت الدين عن قصد وتبنته – بعد أن سخرته لخدمة حاجاتها – فقوته ودعمته وجعلته جزءا لا يتجزأ من البناء الفوقى الرأسمالى ، ثم أعلنت أن التعليم الدينى والتعليم العلمانى يتمم الآخر
أما الشيوعية فموقفها من الدين واضح .
جاء فى كتاب " المادية التاريخية " ( ص 80 من الترجمة العربية ) :
" إن الدين لا يتولد من القاعدة فى الظروف الاشتراكية ، وإنما يوجد كجزء من مخلفات القديم ، كبقية من البنيان الفوقى للتشكيلات السابقة ، وسوف يتم القضاء عليها فى عملية بناء الشيوعية ، ويتضمن البرنامج الجديد للحزب الشيوعى فى الاتحاد السوفيتى تأكيدا على ضرورة استخدام مختلفة وسائل التأثير الفكرى للقضاء على الخرافات الدينية ، ومن أجل نشر تربية علمية "
وجاء فى كتاب " أصول الفلسفة الماركسية ( ج 1 ص 297 من الترجمة العربية ) :
" ولهذا كان الفلاح فى روسيا القديمة – وقد أرهقه الفقر وفقد كل أمل فى المستقبل – يستسلم للإرادة الإلهية . ولقد جاءت الثورة الاشتراكية فوضعت فى يد المجتمع السيطرة على قوى الإنتاج ، ومكنته فى نفس الوقت من إدارة المجتمع بصورة علمية ، كما زادت سيطرته على الطبيعة ، فوجدت عندئذ الظروف الموضوعية لتنمحى من وعى الناس الأفكار الدينية التى ولدتها ظروف موضوعية أخرى " .
" وأخيرا يقول ماركس قولته الشهيرة : " الدين أفيون الشعوب " .
2- الأخلاق :
يقول إنجلز ( ص 114 – 115 من الترجمة العربية لكتابه أنتى دوهرنج ) :
" وهكذا فإننا نرفض كل محاولة لإلزامنا بأية عقيدة أخلاقية مهما كانت على اعتبارها شريعة أخلاقية أبدية ، نهائية ، وثابتة أبدا ، بحجة أن للعالم الأخلاقى أيضا مبادئه الدائمة التى تنهص فوق التاريخ وفوق الفوارق بين الأمم .. إننا ننادى على النقيؤض من ذلك بأن سائر النظريات الأخلاقية قد كانت حتى هذا التاريخ ، فى آخر تحليل ، نتاجا لأوضاع المجتمع الاقتصادية السائدة فى زمنها " .
ويقول ( ص 115 ) :
" وما دام المجتمع قد تطور حتى الوقت الحاضر ضمن التضادات الطبقية ، فإن الأخلاق كانت على الدوام أخلاقا طبقية ، فهى إما أن تبرر سلطة الطبقة الحاكمة ومصالحها ، وإما أن تمثل – حالما تحوز الطبقة المضطهدة ما يكفى من القوة – التمرد على تلك العقيدة ، ومصالح المضطهدين المقبلة فى الوقت نفسه " .
وفى مجال التطور الأخلاقى المرتبط بتطور الأوضاع الاقتصادية تجئ مثل هذه الأقوال :
جاء فى كتاب " النظرية الماركسية اللينينية : فى المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية " تأليف أيرزرين ورفيقه ( ترجمة خيرى الضامن ، ص 439 من الترجمة العربية ) .
" لقد ولدت علاقات الإنتاج الجماعية فى النظام المشاعى البدائى عادات وتقاليد جماعية وأخلاقا جماعية عند الناس البدائيين ، وعندما واجه الناس فى مجرى تطور القوة المنتجة علاقات أصبح فيها التمتع الشخصى ببعض الأشياء أكثر سهولة لعملية الإنتاج ، تغيرت آراء الناس أيضا ، وأصبحت الملكية الشخصية لبعض الأشياء .. وهى الملكية التى كانت تعتبر فى المراحل السابقة لا أخلاقية ، أو غير طبيعية وغير معتادة على أقل تقدير ، أمرا لا ضير فيه ، ولا يتعارض مع المصلحة العامة "
وجاء فى كتاب المادية التاريخية ( ص 457 من الترجمة العربية ) :
" إن أخلاق مجتمع عهد الرق هى أول شكل للأخلاق الطبقية ، فقد كانت أخلاق مالكى الأرقاء هى السائدة فى ذلك المجتمع ، وهى إذا نشأت على أساس العلاقات الاقتصادية للنظام الرقى ، كانت تعكس العلاقات القائمة بين الأرقاء ومالكيهم بالدرجة الأولى . إن الخاصية المميزة لهذه الأخلاق هى أنها كانت لا تعترف بالعلاقات الإنسانية إلا بين الأحرار من الناس . لقد كان الرقيق خارج الأخلاق . وهو سلعة وشئ ، وأداء ناطقة .. ولهذا فقد كانت الأخلاق تسمح بظلمه وجلده وقتله ، ولم تكن تلك المعاملة الوحشية للرقيق لتوقظ أى " تأنيب ضمير " لدى مالكه ، وكانت الأخلاق تبررها ، لكن هذا التبرير لم يكن إلا ضرورة اقتصادية أملتها العلاقات ضرورة اقتصادية أملتها العلاقات الرقية لذلك العصر
وجاء فى نفس الكتاب ( ص 547 – 548 من الترجمة العربية ) :
" ومع الانتقال إلى الإقطاعية صارت الأخلاق الإقطاعية هى السائدة ، فهى لا تنتظر إلى القن كشئ ، وإنما كإنسان من الدرك الأسفل ( العظم الأسود ) بينما كانت تنظر إلى ممثلى الطبقة السائدة كبشر من الصنف الممتاز ( العظم الأبيض ) وإلى جانب هذا فقد كانت الأخلاق الإقطاعية تخفى ظلم الإقطاعيين الوحشى للفلاحين وتقنع الشكل الإقطاعى للاستغلال ، ولقد كانت تصور بنفاق كبير علاقة السيد بفلاحيه كعلاقة الأب ببنيه ، يوجههم ويرعاهم ويتحمل المسئولية عنهم .
" إن دين المجتمع الإقطاعى قام بتفسير الأخلاق السائدة وبوضع الأسس لهالا ، إذ صور مطالبها وحدودها التى تعبر فى الواقع عن مصالح المستغلين كأوامر إلهية . والأخلاق الإقطاعية التى ارتكزت على الدين ساعدت على كبح جماح جماهير الفلاحين المسحوقة السوداء
أما فى ظل الرأسمالية فقد حدث تقدم ظاهرى يخفى المضمون الحقيقى للأخلاق الطبقية الاستغلالية .
جاء فى نفس الكتاب ( ص 458 – 459 من الترجمة العربية ) :
" ومع هذا فقد أحرز التقدم الاجتماعى خطوة إلى الأمام على صعيد الأخلاق ، فالأيديولوجيون البرجوازيون إذ يناضلون ضد الأيديولوجية والأخلاق الإقطاعيتين ، ناضلوا فى سبيل حرية الفكر ، وحرية النشاط من أجل تحرير الفرد من كل القيود الإقطاعية الممكنة ، ولكنه مع انتصار الرأسمالية يتكشف المضمون الحقيقى لأفكار الحرية والمساواة والإنسانية البرجوازية . فالمساواة البرجوازية شكلية ، وهى تخفى تبعية العامل للرأسمالى ، والاستغلال الشديد الوطأة للمنتج المباشر . المقيد اقتصاديا من قبل الرأسماليين بقيود أقوى من أية قيود حديدة أخرى . إن الحرية البرجوازية هى تمتع الرأسماليين بحرية نشاط المؤسسة ، وفى الاستيلاء على عمل الآخرين ، وهى بالنسبة للبرليتارى بيع قوة عمله أو الموت جوعا ، والإنسانية البرجوازية أيضا هى إنسانية مجردة ، فالرأسمالية فى الواقع لا تخلق الشروط الواقعية لتطور وازدهار الشخصية ، وأكثر من ذلك فهى تحول كرامة الإنسان إلى قيمة تبادلية ، والعلاقات بين الناس إلى علاقات نقدية ، قاضية على أى نوع من الصلات بين الناس إلا صلة المصلحة المكشوفة ، صلة الدفع الخالى من العلاقات الإنسانية .
" إن مبدأ الفردية هو السائد فى سلوك البرجوازى إلا أنه ليس من مصلحة البرجوازية أن تعلن عن مصالحها الجشعة بصورة سافرة ومكشوفة ، إن البرجوازى يسعى لتبرير أنانيته وفرديته فى الوعى الأخلاقى ، إذ يصور السعى لبلوغ أهدافه الجشعة كاهتمام بالمصلحة العامة . وهنا تتجلى الفردية الحيوانية " كحرية الفرد " ويتجلى استعمار العمال " كأنقاذ للمحرومين من الجوع و " كتقديم الخبز للجائعين " ويتجلى انتاج السلع من أجل الحصول على الأرباح " كتأمين المواد الضرورية للمجمع " ، ويتبدى استعباد الشعوب الأخرى كعملية " تمدين " لها .
" ولهذا فإن ما يميز الأخلاق البرجوازية هو طابعها المنافق عندما تتقنع شريعة الغاب فى عالم الملكية الخاصة بستار من تعاليم الأيدلوجيين البرجوازيين
وأما أخلاق الشيوعية فلندعهم هو يصفونها بأقلامهم .
جاء فى نفس الكتاب ( ص 471 – 572 من الترجمة العربية ) :
" إن الماركسية تنتقد دونما تحفظ محاولات علماء الاجتماع البرجوازيين ، والبرجوازيين الصغار ، لجعل الاشتراكية قائمة على " أساس أخلاقى " أى بناء نظرية الاشتراكية على أساس المبادئ الخلقية المجردة كالعدالة الخالدة والحق المطلق وغيرهما ، دون أن ينطلقوا من القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعى . وبهذا المعنى فى الواقع ليس فى الماركسية مثقال ذرة من الأخلاق كما يقول لينين .
" إن الظلم وغيره من وجهة النظر الماركسية ليس أساسيا وإنما هو نتيجة للرأسماالية . والاشتراكية لا تحتاج إلى أساس أخلاقى . وإنما إلى أساس علمى " ..
" إن أهم مبادئ الأخلاق الشيوعية نحو العمل ، والاهتمام برعاية وزيادة الأموال الاجتماعية . وفى العلاقة نحو العمل بالذات وقبل كل شئ . يتجلى الإطار الروحى الجديد للناس الذين تربوا فى المجتمع الاشتراكى . وتتلاءم مع الأخلاق الشيوعية تلك العلاقة الشريفة الطيبة نحو العمل . العلاقة نحو العمل كإبداع وكأسمى واجب للفرد تجاه المجتمع .
" إن الأخلاق الشيوعية تدين المهملين والمتقاعسين والطفيليين . إن إرادة العيش على حساب الآخرين تتناقض مع أساس المجتمع الاشتراكى ، ومع أخلاقه " .
ومن ناحية أخرى يقول إنجلز :
" إن الأخلاق التى نؤمن بها هى كل عمل يؤدى إلى انتصار مبادئنا مهما كان هذا العمل منافيا للأخلاق المعمول بها "
ويقول ليبنين :
" يجب على المناضل الشيوعى الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتضليل . فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية " 2 "
ويقول أيضا :
" إذا لم يكن المناضل الشيوعى قادرا على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقا للظروف مهما تطلب ذلك من كذل وتضليل وخداع فإنه لن يكون مناضلا ثوريا حقيقيا
3- الأسرة :
لا يختلف تفسيرهم للأسرة عن تفسيرهم للدين والأخلاق من حيث إنها انعكاس للأوضاع المادية والاقتصادية ، ومن حيث إنها متطورة على الدوام ، وليست " قيمة " ثابتة ولا قائمة بذاتها .
يقول جان فريقيل فى كتاب " المرأة والاشتراكية " ترجمة جورج طرابيشى ( ص 17 من الترجمة العربية ) .
" لا تشكل الأسرة كيانا اجتماعيا خالدا ، ولقد طرأت عليها تبدلات عديدة عبر القرون ، وهذا التطور يتحدد فى التحليل الأخير بالعامل الاقتصادى "
ثم يرسمون خطا تطوريا للأسرة يعتمد فى مراحله الأولى على ما اكتشف من أحوال القبائل المتأخرة فى مختلف قارات الأرض ، أو ما يتصورونه من أحوالها فى بعض الأحيان ( كحديثهم عن أسرة الجيل ) .
ويقسمون أطوار الأسرة إلى : أسرة الجيل ، وأسرة الشركاء ، والأسرة الزوجية والأسرة الوحدانية .
فأما أسرة الجيل ( التى يتصورونها تصورا ) فقد كانت العلاقات الجنسية مباحة فيها بين جميع أبناء الجيل الواحد أى بين الإخوة والأخوات ، ومحرمة فى مادون ذلك أى بين جيل الآباء وجيل الأبناء .
يقول إنجلز فى كتاب " أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة " ( ترجمة أديب يوسف ص 56 – 57 من الترجمة العربية ) :
" فى هذه المرحلة ( أسرة الجيل ) تصنف المجموعات الزواجية تبعا للأجيال ، جميع الأجداد والجدات ضمن حدود الأسرة هم أزواج وزوجات بالتبادل ، وكذلك الأمر فى أولادهم : الآباء والأمهات ، كما أن أولاد هؤلاء يؤلفون هم أيضا حلقة ثالثة من الأزواج والزوجات المشتركين . ويؤلف أولاد هؤلاء أعنى أولاد الأحفاد للأجداد والجدات حلقة رابعة ، وهكذا : فى هذا الشكل من الأسرة يحرم السلف والخلف فقط – الآباء والأولاد – من حقوق وواجبات زواج أحدهم بالآخر .
" إن أسرة الجيل قد انقرضت وحتى أخشن الشعوب التى يتحدث عنها التاريخ لا تمدنا بأمثلة على هذا الشكل يمكن التثبت عنها
ويقول ( ص 53 – 54 من الترجمة العربية ) :
" ولئن كان ثمة أمر أكيد فهو أن الغيرة عاطفة نشأت فى عهد متأخر نسبيا ،وهذا يصدق على مفهوم " المحرم " لأن الأخ والأخت لم يكونا وحدهما يعيشان فى الأصل كما يعيش الزوج والزوجة ، بل إن العلاقات الجنسية بين الآباء والأولاد مسموح بها أيضا لدى شعوب عديدة حتى اليوم وقبل اختراع المحارم ( لأن المحارم اختراع حقا ، بل اختراع ثمين جدا ) لم يكن الوصال الجنسى بين الآباء والأبناء ليثير من الاشمئزاز أكثر مما يثيره الوصال بين أشخاص من أجيال مختلفة – كذلك الذى يحدث فعلا اليوم حتى فى أكثر البلاد تظاهرا بالتزمت – من دون أن يثير النفرة الشديدة " .
ثم يقول ( ص 58 وما بعدها ) :
" إذا كان التقدم الأول يتألف من حرمان الآباء والأولاد من العلاقات الجنسية المتبادلة ، فإن التقدم الثانى يتألف من حرمان الأخوة والأخوات منها .. وقد حدثت هذه الخطوة بالتدريج ، مبتدئة فى أقرب الاحتمالات بحرمان الأخوة والأخوات الطبيعيين ( أى من جهة الأم ) من العلاقات الجنسية ، وذلك فى حالات متفردة فى أول الأمر ، ثم أصبح حرمانهم بالتدريج هو القاعدة ، وتنتهى هذه الخطوة بتحريم الزواج حتى بين الأخوة والأخوات الأباعد " .
" فى جميع أشكال الأسرة الجماعية لا يعرف من هو والد الولد معرفة أكيدة ، أما والدته فتعرف معرفة أكيدة"
" وفى أغلبية الحالات يبدو أن مؤسسة العشيرة قد انبثقت مباشرة من أسرة الشراء "
ويقول عن المرحلة التالية ، مرحلة الأسرة الزوجية ( ص 72 – 73 من الترجمة العربية ) :
" فى هذه المرحلة يعيش الرجل الواحد مع امرأة واحدة ، لكن تعدد الزوجات والخيانة الزوجية يلان من امتيازات الرجال ، وإن لم يكن تعدد الزوجات يمارس إلا نادرا لأسباب اقتصادية فقط ، وفى الوقت ذاته يطلب من المرأة الإخلاص التام طوال فترة العيشة المشتركة ، فإذا زنت عوقبت بقسوة . غير أن رباط الزيجة يمكن حله من قبل أى الطرفين ، فيرجع الأولاد إلى أمهم كما كان الأمر فى السابق "
ثم يقول عن المرحلة الأخيرة – وهى الأسرة الوحدانية – ( مقتطفات من ص 95 – 102 من الترجمة العربية):
" إن الأسرة الوحدانية مبنية على سيطرة الرجل ، وهدفها الصريح إنتاج أول