البيان
07-22-2009, 11:00 PM
كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة
بقلم محمد بن مالك اليماني رحمه الله
الجزء الأول
لا يخفي تغلغل دعاة الباطنية في مختلف الأقطار الإسلامية ونشرهم مذهبهم الداعي إلى الإلحاد والإباحية وهدم وحدة المسلمين. فقد انتقل مؤسس الباطنية ميمون بن ديصان من أصبهان إلى الأهواز ثم إلى البصرة ثم إلى سلمية الشام واتخذها معقلا له, مدعيا الانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق, ومن سلمية بعث دعاته إلى الكوفة واليمن والمغرب .. وقامت دولة العبيديين (التي دعوها بالفاطمية) في المغرب ومصر واليمن حتى جاء الحاكم بأمر الله حيث ادعى الألوهية ... ومن البارزين بين الباطنية حمدان بن الأشعت (الملقب بقرمط) في سواد الكوفة وأخوه ميمون المبعوث إلى خراسان وأبو سعيد حسن بن بهرام الجنابي وابناه أبو طاهر وسعيد ...وقد استولى أبو طاهر على الحجاز وفتك بالحجيج يوم التروية واستولى على الحجر الأسود ...وإن مؤامرات الفرق الباطنية على المسلمين وتأييدهم للصليبين,ودعواهم ألوهية أئمتهم عما هو مشهور لا يحتاج إلى بيان ....
وهذا كتاب نادر في هذا الباب يشرح فيه مؤلفه وهو أحد الفقهاء السنة في القرن الخامس الهجري كثيرا من الأسرار التي استطاع الاطلاع عليها بعد أن تمكن من الاندساس بين الصليحيين - وهم قراطمة اليمن - واطلع على (خفاياهم. وسيرد في آخر الكتاب أن علي بن محمد الصليحي بعد استيلائه على حصن (مسار) في (حراز) فوق مدينة مناخة كتب إلى صاحب مصر مصر المستنصر الفاطمية) سنة 453هـ.
وقد رأت مجلة الجامعة الإسلامية أن تنشر هذا الكتاب لأهميته, وها نحن نقدم الحلقة الأولى.
قال محمد بن مالك رحمه الله "إعلموا أيها الناس المسلمون - عصمكم الله بالإسلام وجنبنا وإياكم طريق الآثام وأصلحكم وأرشدكم ووفقكم لمرضاة وسدّدكم - أني كنت أسمع ما يقال عن هذا الرجل الصليحي كما يسمعون وما يتكلم به عليه من سيّء الإذاعة وقبح الشناعة, فإذا قال القائل: "هو يفعل ويصنع" قلت: "أنت تشهد عليه غداً" فيقول: "ما شهدت ولا عاينت بل أقول كما يقول الناس" فكنت أتعجب من هذا أولا ولا أكاد أصدق ولا أكذب ما قد أجمع عليه الناس ونطقت به الألسن, فتارة أقول: هذا ما لا يفعله أحد من العرب والعجم, ولا سمع به فيما تقدم من سالف الأمم إنما هذه عداوة له من الناس للمآل الذي بلغه من غير أصل ولا أساس, وكنت كثيرا ما أسمعه يقول: "حكم الله لنا على من يظلمنا ويرمينا بما ليس فينا".
فرأيت أن أدخل في مذهبه لأتيقّن صدق ما قيل فيه من كذبه, ولأطلع على سرائره وكتبه, فلما تصفحت جميع ما فيه وعرفت معانيها رأيت أن أبرهن على ذلك ليعلم المسلمون عمدة مقالته وأكشف لهم عن كفره وضلالته نصحة لله وللمسلمين وتحذيرا ممن يحاول بغض هذا الدين, والله موهن كيد الكافرين.
فأول ما أشهد به وأشرحه وأبينه للمسلمين وأوضحه أنّ له نوابا يسميهم الدعاة المأذونين, وآخرين يلقبهم المكلبين تشبيها لهم بكلاب الصيد لأنهم ينصبون للناس الحبائل ويكيدون لهم بالغوائل, وينقضون على كل عاقل, ويلبسون على كل جاهل, بكلمة حق يراد بها الباطل يحضونه على شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام, كالذي ينثر الحب للطير ليقع في شركه فيقيم فيه أكثر من سنة يمضون به وينظرون صبره, ويتصفحون أمره, ويخدعونه بروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم محرفة, وأقوال مزخرفة, ويتلون عليه القرآن على خير وجهه, ويحرفون الكلم عن مواضعه, فإذا رأوا منه الانهماك والركون والقبول والإعجاب بجميع ما يعملونه والانقياد بما يأمرونه قالوا حينئذ: اكشف عن السرائر ولا ترضى لنفسك, ولا تقنع بما قد قنع به العوام من الظواهر وتدبر القرآن ورموزه واعرف مثله وممثوله واعرف الصلاة والطهارة وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالرموز والإشارة دون التصريح في ذلك والعبارة فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة لممثولات محجوبة, فاعرف الصلاة وما فيها وقف على باطنها ومعانيها لأن العمل بغير العلم لا ينتفع صاحبه به فيقول: عم أسأل ؟ فيقول: قال الله تعالى: {َأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}.. فالزكاة المفروضة في كل عام مرة وكذلك الصلاة من صلاها مرة في السنة فقد أقام الصلاة بغير تكرار, وأيضا فالصلاة والزكاة لهما باطن لأن الصلاة صلاتان, والزكاة زكاتان, والصوم صومان, والحج حجان, وما خلق الله سبحانه من ظاهر إلاّ وله باطن, يدل على ذلك {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}, و{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }, ألا ترى أن البيضة لها ظاهر وباطن, فالظاهر ما تساوي به الناس وعرفه الخاص والعام, وأما الباطن فقصر علم الناس به عن العلم به فلا يعرفه إلاّ القليل, من ذلك قوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}, وقوله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}, فالأقل من الأكثر الذين لا عقول لهم.
والصلاة والزكاة سبعة أحرف دليل على محمد وعلى صلى الله عليه وسلم عليهما لأنهما سبعة أحرف فالمعنى بالصلاة والزكاة ولاية محمد وعلي, فمن تولاهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة, فيوهمون على من لا يعرف لزوم الشريعة والقرآن وسنن النبي صلى الله عليه وسلم فيقع هذا من ذلك المخدوع بموقع الاتفاق والموافقة لأنه مذهب الراحة والإباحة يريحهم مما تلزمهم الشرائع من طاعة الله ويبيح لهم ما حظر عليهم من محارم الله فإذا قبل منهم ذلك المغرور هذا قالوا له: قرب قربانا يكون لك سلما ونجوى ونسأل لك مولانا يحط عنك الصلاة ويضع عنك هذا الإصر, فيدفع اثني عشر دينار فيقول ذلك الداعي: "يا مولانا! إنّ عبدك فلان قد عرف الصلاة ومعانيها فاطرح عنه الصلاة وضع عنه هذا الإصر", وهذا نجواه اثنا عشر دينار, فيقولك "اشهدوا أني قد وضعت عنه الصلاة, ويقرأ له {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.
فعند ذلك يقبل عليه أهل هذه الدعوة يهنئونه ويقولون: "الحمد لله الذي وضع عنك {وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ}, ثم يقول له ذلك الداعي الملعون بعد مدة: "قد عرفت الصلاة وهي أول درجة, وأنا أرجوا أن يبلغك الله إلى أعلى الدرجات فاسأل وابحث", فيقول: "عم أسأل؟" فيقول له: "سل عن الخمر والميسر اللذين نهى الله تعالى عنهما أبو بكر وعمر لمخالفتهما على علي وأخذهما الخلافة من دونه, فأما ما يعمل من ا***ب والزبيب والحنطة وغير ذلك فليس بحرام؛ لأنه مما أنبتت الأرض ويتلوا عليه {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} إلى آخر الآية.
ويتلو عليه {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى آخر الآية, والصوم الكتمان فيتلو عليه {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه}, يريد كتمان الأئمة في وقت استتارهم خوفاً من الظالمين ويتلو عليه {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً}, فلو كان عني بالصيام ترك الطعام, لقال: "فلن أطعم اليوم شيئا فدل على أن الصيام الصوت".
فحينئذ يزداد ذلك المخدوع طغيانا وكفرا, وينهمك إلى قول ذلك الداعي الملعون؛ لأنه أتاه بما يوافق هواه والنفس الأمارة بالسوء.
ثم يقول له: "أدفع النجوى تكون سلما ووسيلة حتى نسأل مولانا يضع عنك الصوم" فيدفع اثني عشر دينارا فيمضي به إليه فيقول: "يا مولانا.. عبدك فلان قد عرف معنى الصوم على الحقيقة فأبح له الأكل برمضان" فيقول له: "قد وثقته وأمنته على سرائرنا؟" فيقول له: "نعم" فيقول: "قد وضعت عنك ذلك", ثم يقيم بعد مدة فيأتيه ذلك الداعي الملعون فيقول له: "لقد عرفت ثلاث درجات فاعرف الطهارة وما هي؟ وما معنى الجنابة ما هي في التأويل؟" فيقول: "فسر لي ذلك؟" فيقول له: "اعلم أن معنى الطهارة طهارة القلب, وأن المؤمن طاهر بذاته, والكافر النجس لا يطهره ماء ولا غيره, وأن الجنابة هي موالاة الأضداد, أضداد الأنبياء والأئمة, فأما المني فليس بنجس منه خلق الله الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة, وكيف يكون نجسا وهو مبدأ خلق الإنسان وعليه يكون أساس البنيان, فلو كان التطهير منه من أمر الدين لكان الغسل من الغائط والبول أوجب لأنهما نجسان, وإنما معنى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا}, معناه فإن كنتم جهلة بالعلم الباطن فتعلموا واعرفوا العلم الذي هو حياة الأرواح كالماء الذي هو حياة الأبدان.
قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ}.. وقوله: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ, خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}, فلما سماه الله بهذا دل على طهارته", ويوهمون ذلك المخدوع بهذه المقالة, ثم يأمره ذلك الداعي أن فيدفع اثني عشر دينارا ويقول: "يا مولانا... عبدك فلان قد عرف معنى الطهارة الحقيقة, وهذا قربانه إليك" فيقول: "اشهدوا أنني قد أحللت له ترك الغسل من الجناة".
ثم يقيم مدة فيقول له الداعي الملعون: "قد عرفت أربع درجات وبقي لك الدرجة الخامسة فاكشف عنها فإنها منتهي أمرك وغاية سعادتك ويتلو عليه {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} فيقول له: "ألهمني إياه ودلني عليه؟ فيتلو عليه {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}, ثم يقول له: "أتحب أن تدخل الجنة في الحياة الدنيا؟" فيقول: "وكيف لي بذلك؟" فيتلو عليه {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى}, ويتلو عليه {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}, والزينة هاهنا ما خفي على الناس من أسرار النساء, لا يطلع عليها إلا المخصصون بذلك, وذلك قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ}, والزينة مستورة غير مشهورة, ثم يتلو عليه {وَحُورٌ عِينٌ, كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}, فمن لم ينل الجنة في الدنيا لم ينلها في الآخرة؛ لأن الجنة مخصوص بها ذوو الألباب وأهل العقول دون الجهال؛ لأن المستحسن من الأشياء ما خفي, ولذلك سميت الجنة جنة لأنها مستجنة, وسميت الجن جنا لاختفائهم عن الناس, والمجنة المقبرة لأنها تستر من فيها, والترس المجن لأنه يستتر به, فالجنة هاهنا ما استتر عن هذا الخلق المنكوس الذي لا علم لهم ولا عقول, فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكا, ويقول لذلك الداعي الملعون: "تلطف في حالي وبلغني إلى ما شوقتني إليه", فيقول: "ادفع النجوى اثني عشر دينارا تكون لك قربانا وسلما" فيمضي به ويقول" يا مولانا.. عبدك فلان قد صحت سريرته وصفت حبرته وهو يريد أن تدخله الجنة, وتبلغه جد الأحكام, وتزوجه حور العين؟" فيقول له: "وقد وثقته وأمنته؟" فيقول: "يا مولانا قد وثقته وآمنته وخبرته فوجدته على الحق صابرا ولأنعمك شاكرا" فيقول: "علمُنا صعب مستصعب لا يحمله إلاّ نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان, فإذا صح عندك حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه وبينها" فيقول: "سمعا وطاعة لله ولمولانا", فيمضي به إلى بيته فيبيت مع زوجته حتى إذا أصبح الصباح قرع عليهما الباب وقال: "قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس", فيشكر ذلك المخدوع ويدعوا له, فيقول: "هذا ليس من فضلي, هذا من فضل مولانا", فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة فلا يبقى منهم أحد إلاّ بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعي الملعون, ثم يقول له: "لابد أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا فادفع قربانك" فيدفع اثني عشر دينارا ويصل به ويقول: "يا مولانا.. إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم وهذا قربانه", حتى إذا جن الليل ودارت الكؤوس وحميت الرؤوس وطابت النفوس أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم فيدخلن عليهم من كل باب وأطفأوا السرج والشموع, وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه يده, ثم يأمر المقتدي زوجته أن تفعل كفعل الداعي الملعون وجميع المستبين, فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل, فيقول له: "هذا ليس من فضلي هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين, فاشكروه ولا تكفروه, ما أطلق من وثاقكم ووضع عنكم أوزاركم وحط عنكم أثقالكم وأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم جهّالكم {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
قال محمد بن مالك رحمه الله تعالى: "هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم, والله تعالى لهم بالمرصاد, والله تعالى عليّ شهيد بجميع ما ذكرته مما اطلعت عليه من فعلهم وكفرهم وجهلهم, والله يشهد على جميع ما ذكرته, عالم به, ومن تكلم عليهم بالباطل فعليه ***ة الله و***ة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين, وأخزي الله من كذب عليهم, وأعد له جهنم وساءت مصيرا, ومن حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حول الله وقوته إلى حول الشيطان وقوته, فأديت هذه النصيحة إلى المسلمين حسب ما أوجبه الله علي من حفظ هذه الشهادة ومراعاتها وأدائها إلى من لم يسمعها قال الله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ}. والله أسأله أن يتوفّانا مسلمين, ولا ينزع عنا الإسلام بعد إذ آتانا الله بمنه ورحمته.
الجزء الثاني :
وقد رأيت أيها الناس وفقنا الله وإياكم للصواب وجنبنا وإياكم طرق الكفر والارتياب أن أذكر أحبال هذه الدعوة الملعونة لئلا يميل إلى مذهبهم مائل ولا يصيبو إلى مقالتهم لبيب عاقل ويكون في هذا القدر من الكلام في هذا الكتاب إنذار لمن نظره، وأعذار لمن وقف عليه واعتبره.
باب: اعلموا يا إخواني في الإسلام أن لكل شيء من أسباب الخير والشر والنفع والضر والداء والدواء أصولا، وللأصول فروعا، وأصل هذه الدعوة الملعونة التي استهوى بها الشيطان أهل الكفر والشقوة ظهور (عبد الله[1] بن ميمون القداح) في الكوفة، وما كان له من الأخبار المعروفة والمنكرات المشهورة الموصوفة، ودخوله في طرق الفلسفة واستعماله الكتب المزخرفة، وتمشيته إياها على الطغام ومكيدته لأهل الإسلام.
وكان ظهوره في سنة ست وسبعين ومائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ}، وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيرا ولكل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويلا، وزخرف الأقوال وضرب المثال، وجعل لآي القرآن شكلا يوازيه ومثلا يضاهيه. وكان الملعون عارفا بالنجوم معطلا لجميع العلوم {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. فجعل أصل دعوته التي دعاها وأساس بِنْيَتِه التي بناها الدعاء إلى الله وإلى الرسول ويحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثوله والاختصاص لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة بالسب والأذى، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "*** الله من سب أصحابي"[2]. وقال عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"[3]. وقال صلى الله عليه وسلم: "من سب أصحابي[4] فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله على وجهه في النار". فأفسد بتمويهه قلوب الجهال وزين لهم الكفر والضلال وله شرح يطول فيه الخطاب غير أني أختصر. وفيما أشرحه كفاية واعتبار لأولي الألباب والأبصار. وكان هذا الملعون يعتقد اليهودية ويظهر الإسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة بالشام يقال لها سلمية[5]، وكان من أحبار اليهود وأهل والفلسفة الذين عرفوا جميع المذاهب وكان صائغا يخدم (شيعة) إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه. وكان حريصا على هدم الشريعة المحمدية لما ركب الله في اليهود من عداوة الإسلام وأهله والبغضاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يروجها يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد خرج في أيام قرمط[6] البقار - وكان اسمه أو لقبه لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى[7]- ولذلك نسب أهل مذهبه ومذهب بن ميمون إلى قرمط لأنهما اجتمعا وعملا ناموسا يدعوان إليه وكانا يعرفان النجوم وأحكام الزمان فدلهما الوقت على تأسيس ما عملاه فخرج ميمون إلى الكوفة وأقام بها مدة وله أخبار يطول شرحها مما كان منه ومن علي بن فضل والمنصور صاحب مسور وأبي سعيد الجنابي وأنا أشرح ذلك عند انتهائي إليه إن شاء الله تعالى وأما قرمط البقار فإنه خرج إلى بغداد وقتل هناك لا رحمه الله.
باب ذكر ما كان من القداح وعقبه ***ه الله وتعلق بسببه ودخل ضلالته ومذهبه:
و كان أول أولاده "عبيد"[8] وهو "المهدي" ثم "محمد" وهو "القائم" ثم "الطاهر" إسماعيل المنصور ثم "المعز" ثم "العزيز" ثم "الحاكم" ثم "الظاهر" ثم "معد المستنصر"[9] هؤلاء الذين ينسبون إليه إلى عصرنا هذا فانتسبوا إلى ولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وانتحالهم انتحال كاذب وليس لهم في ذلك برهان وأهل الشرف ينكرون ذلك فإنهم لم يجدوا لهم في الشرف أصلا مذكورا ولا عرفوا لهم في كتاب الشجرة نسبا مشهورا بل الكل يقصيهم عن الشرف وينفيهم عن النسب إلا من دخل معهم في كفرهم وضلالتهم فإنه يشهد لهم بالزور ويساعدهم في جميع الأمور وقد زعموا أنهم ولد محمد إسماعيل بن جعفر الصادق وحاش لله ما كان لمحمد إسماعيل من ولد ولا عرف ذلك من الناس أحد بل هم {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}.
الدليل على ذلك وعلى بطلان ما ذكروه أنهم يقولون معد المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وهو عبيد [10] بن ميمون ثم يقولون ابن الأئمة المستورين من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق فإذا سألهم سائل عن هؤلاء المستورين حادوا عن الجواب [11] وكان للسائل لهم الارتياب. وقالوا هم أئمة قهروا فتستروا ولم يؤمروا بإظهارهم ولا ذكرهم لأحد وهذا من أعظم الشواهد على بطلان ما ذكروه وانتسبوا إليه.
والدليل على أنهم من أولاد اليهود استعمالهم اليهود في الوزارة والرياسة وتفويضهم إليهم تدبير السياسة ما زالوا يحكِّمون اليهود في دماء المسلمين وأموالهم وذلك مشهور عنهم يشهد بذلك كل أحد.
باب خروج ميمون القداح من سلمية إلى الكوفة:
و قد ولد له عبيد وهو الذي يسمونه عبيد الله المهدي فأقاما بالكوفة مدة طويلة حتى تهيأ لهما ما كانا يطلبان وإلى أن أجابهما إلى ذلك تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون منهم علي بن فضل الجدني اليماني، وأبو القاسم ابن زاذان الكوفي المسمى المنصور عند كونه باليمن في مسور وأبو سعيد الجنابي صاحب الأحساء والبحرين وأبو عبد الله الشيعي صاحب كتامة في المغرب والحسن [12] بن مهران المسمى بالمقنع الخارج فيما وراء النهر من خرسان ومحمد بن زكريا الخارج في الكوفة ولا بد أن أذكر أصح خبر كل منهم مختصرا إن شاء الله تعالى:
باب في ذكر أبي سعيد الجنابي ***ه الله:
كان فيلسوفا ملعونا ملك البحرين واليمامة والأحساء وادعى فيها أنه المهدي القائم بدين الله فاستفتح...[13] ودخل مكة وقتل الناس في المسجد الحرام ومنع الناس من الحج واقتلع الركن وراح به إلى الأحساء وقال في ذلك شعرا:
و لو كان هذا البيت لله ربنا
لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية
مجللة لم نبق شرقا ولا غربا
و إنا تركنا بين زمزم والصفا
جنائز لا تبغي سوى ربها ربا
وله ***ه الله أشعار في ذلك تركتها اختصارا وكان دخوله مكة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاث عشر ألفا عليه ***ة الله.
باب ذكر الحسن بن مهران المعروف بالمقنع:
خرج فيما وراء النهر وله أخبار شنيعة وكان حكيما فيلسوفا ملعونا ذكروا أنه عمل قمرا بالطلسم يطلع في السنة أربعين ليلة ولقد كنت أكذب ذلك حتى صححه لي جماعة من أهل خراسان وذكروا أنه بنى حصنا وعمل فيه لولبا فكان المسلمون إذا أتوا لقتاله قذفوا بالحجارة ولا يدرون من أين يقذفون فمال إليه خلق كثير حتى بعث الله عليهم بغلام حكيم فأمر المسلمين أن يحفروا حول الحصن فوقعوا على اللوالب فأخرجوها ودخلوا عليه فقتلوه وقيل إنه أحرق نفسه قبل دخولهم عليه فأمكن الله سبحانه وتعالى منه.
باب ذكر محمد بن زكريا ***ه الله:
أحسب أن اسمه زكرويه بن مهرويه القرمطي وكان قد خرج بالكوفة فخرج إليه المكتفي أمير المؤمنين من بني العباس فقتله ***ه الله ولا رحمه.
صدقة مقبولة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل: لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق. فقال: الهم لك الحمد على سارق؟. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد على زانية؟. لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني. فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني؟؟. فأتي فقيل له: أمَّا صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأمَّا الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأمَّا الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله".
متفق عليه..
-------------------------------------------------
[1] المصنف يذكر ميمونا مرة وابنه أخرى كما هنا وقد جارينا على الأصل في ذلك، وفيما يسوقه من أنبائهما هنا بعض المخالفة لما ذكره عبد القهار في (الفرق) وابن النديم في (الفهرست) والمقريزي في (الخطط) وغيرهم فكل منهم دوَّن ما بلغه من الأنباء وفي تمحيص ذلك كله طول.
[2] ولفظ الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "من سب أصحابي فعليه ***ة الله والملائكة والناس أجمعين". وفي سنن الترمذي: "إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقالوا: ***ة الله على شركم". وفي الباب أحاديث يعضد بعضها بعضا.
[3] أخرجه رزين وله طرق ضعيفة.
[4] ولفظ أم سلمة عند أحمد: "من سب عليا فقد سبني".
[5] سلمية: بليدة بالشام من أعمال حمص.
[6] قرمط: وهو حمدان بن الأشعث وكان خروجه سنة 264 كما يذكره بن المهذب. وكان ظهور الجنابي بالبحرين سنة 286.
[7] يعني يقارب بين خطواته. ومنهم من يقول إنه كان أحمر البشرة فلقب بقرمط و(كرمت) الآجر في اللغة الرومية فعرب وقيل قرمد ثم قرمط.
[8] إليه تنسب دولتهم فيقال الدولة العبيدية بمصر ويتورع أهل التحري من تلقيب دولتهم بالفاطميين حيث لم يثبت نسبهم المزعوم كما حققه أهل التحري من ثقات المؤرخين.
[9] والمستنصر هذا توفي سنة 487هـ فيكون المؤلف من أواسط القرن الخامس.
[10] لم أر من جعل عبيد بن ميمون مباشرة والمشهور أنه سعيد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون، خرج سعيد هذا متنكرا إلى مصر ثم إلى المغرب فادعى هناك أنه علوي فاطمي بعد أن ادعى قبل ذلك أنه عقيلي وتسمى هناك أيضا عبيد الله وتلقب بالمهدي حتى تم له ما هو مشروح في التواريخ.
[11] ومن المعروف عند المؤرخين أن المعز العبيدي لما قرب إلى مصر بعد فتحها بمعرفة قائده وخرج الناس تلقائه اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له أحدهم: "إلى من ينتسب مولانا؟". فقال له المعز: "سنعقد مجلسا ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا". فلما استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم وقال لهم: "هل بقي من رؤسائكم أحد؟". فقالوا: "لم يبقى معتبر". فسل عند ذلك نصف سيفه وقال: "هذا نسبي". ونثر عليهم ذهبا كثيرا وقال: "هذا حسبي". فقالوا جميعا: "سمعنا وأطعنا". وفي المحضر الذي أصدره أهل العلم ببغداد سنة 402هـ "... أنهم أدعياء لا نسب لهم في ولد علي رضي الله عنه.." ومن جملة من وقَّع عليه الشريفان الرضي والمرتضى وأبو محمد الأكفاني القاضي أبو محمد الإسفرايني، وأبو حسين القدوري وغيرهم من كبار الأئمة. وهذا حكم شرعي يجب أن يخضع له ولو أعطي أحد هؤلاء الدنيا بحذافيرها لما حكم بما يخالف الحق والصدق عندهم كما لا يخفى على من درس سيرهم، والشعر المنسوب إلى الشريف الرضي غير متصور ثبوته عنه، ولم يكن القادر بالله بقادر على إكراههم على خلاف ما يرونه، وكلمة بن خلدون عن هوى خاص وكذا توهم المقريزي كما هو مبسوط في ((الإعلان بالتوبيخ)) للسخاوي.
[12] وله عدة أسماء عطاء وحكيم.
[13] هنا بالأصل نقص ولعل الناقص (ثم قتله خادم له صقلبي راوده في الحمام سنة 301هـ وتولى بعده ابنه الأكبر سعيد فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان بن الحسن بن بدان الجنابي حنى استفحل أمره.
الجزء الثالث :
باب ذكر علي بن فضل الجدني ***ه الله:
من ذرية جدن و(الأجدون) من سبأ صهيب وأصله من جيشان[1]، وكان في أوله ينتحل الإثني عشرية فخرج للحج ثم زار[2]، قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم مضى إلى الكوفة لزيادة قبر الحسين بن علي - رضي الله عنه - فلما وصل إلى الكوفة وزار قبر الحسين - رضي الله عنه - بكى على القبر بكاء شديدا وجعل ينوح ويقول بأبي أنت يا ابن الزهراء المضرح بالدماء الممنوع من شرب الماء وكان ميمون القداح على القبر وولده عبيد فلما بصرا به سرهما وطمعا به وعلما أنه ممن يميل إليهما ويدخل في ناموسهما فقال: ميمون أيها الشاب ما كنت تفعل لو رأيت صاحب هذا القبر؟ قال: إذا والله أضع له خدي وأجاهد بين يديه حتى أموت شهيدا، فقال ميمون: أتظن أن الله قطع هذا الأمر؟ قال له علي بن فضل: لا ولكن لا اعلم ذلك فهل عندك منه خبر أيها الشيخ؟ فقال أخبرك به إن شاء الله عند الإمكان ثم قام ميمون فتعلق به؛ قال ميمون: تقف بهذا المسجد إلى غد، فوقف أياما فلم ير له خبرا، فودع أصحابه وقال لهم: أما أنا فلا أبرح هاهنا حتى أتنجز وعدا قد وعدته، فأخذ له من المؤونة ما يكفيه فوق أربعين يوما وميمون وولده يرمقانه من حيث لا يعلم بهما، فلما رأى ميمون صبره أعجبه، وعلم أنه لا يخالفه في شيء من دعوته والميل إلى كفره وضلالته؛ فأتاه عبيد فوثب إليه فاعتنقه، وقال: سبحان الله يا سيدي وعدني الشيخ وعدا فأخلفني فقال: لم يخلفك، وإنما قال: أنا آتيك غدا إن شاء الله، وله في هذا مخرج على ضميره، ثم جلسا وجرى بينهما الكلام، وقال له: يا أخي اعلم أن ذلك الشيخ أبي وقد سره ما رأى من صبرك وعلو همتك وهو يبلغك محبوبك إن شاء الله، ثم أخذه بيده فأوصله إلى الشيخ؛ فلما رآه قال: الحمد لله الذي رزقني رجلا نحريرا مثلك استعين به على أمري وأكشف له مكنون سري، ثم كشف له أمر مذهبه ***هما الله؛ فأصغى إليه واشرأب قلبه وتلقى كلامه بالقبول، وقال له علي: والله إن الفرصة ممكنة في اليمن، وإن الذي تدعو إليه جائز هناك وناموسنا يمشي عليهم وذلك لما أعرف فيهم من ضعف الأحلام وتشتيت الرأي وقلة المعرفة بأحكام الشريعة المحمدية، فقال له ميمون: أنا موجهك إلى المنصور الحسن بن زاذان، وكان ينسب إلى ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكان أبوه ممن ينتحل مذهب الشيعة الإثنى عشرية، وكان من أهل الضلالة، وكان من أهل الكوفة، فلما دخل ميمون الكوفة وظفر بالحسن بن زاذان علم أنه مسعود وأنه ينال ملكا وشرفا، وذلك من طريق معرفته بالنجوم والفلسفة، فجعل ميمون يلطف به ويرفق فيكشف له مذاهب الفلسفة ومقالهم، فلم يزل به حتى قبل منه وركن إلى قوله، وما زال به حتى مال إلى معتقده وصار من دعاته الذين يدعون إليه وإلى ولده.
فعند ذلك قال ميمون: يا أبا القاسم إن الدين يماني والحكمة يمانية وكل أمر يكون مبدأه من قبل اليمن فإنه يكون ثابتا ثبوت نجم النجم، وذلك أن إقليم اليمن أعلى أقاليم الدنيا، ولابد من خروجك إلى هنالك أنت وأخوك علي بن فضل اليماني فسيكون لكما شأن وملك وسلطان في اليمن، فكونا على أهبة.
فقال له: الأمر إليك يا سيدي، قال المنصور، فكنت أنا وعلي بن فضل وعبيد لا نزال نكثر المذاكرة في مجلس الشيخ، وكان يقول عند تمام الوقت ومضى ستة أدوار من الهجرة المحمدية أبعثكما إلى اليمن تدعوان إلى ولدي هذا فسيكون له ولذريته عز وسلطان.
وأخذ عليّ وعلى علي بن فضل العهود والمواثيق لولده، فلما كان أوان خروجنا، قال لنا ميمون: هذا هو الوقت الذي كنا ننتظره، فاخرجا في هذا الموسم ثم وجهنا بالحج وعهد إلينا، ثم خلا بي وأوصاني بالاستتار حتى أبلغ مرادي، وقال لي الله الله بصاحبك فاحفظه وأكرمه بجهدك، ومره بحسن السيرة في أمره فإنه شاب ولا آمن نبوته، وخلا بعلي بن فضل وقال: الله بصاحبك وقره واعرف له حقه ولا تخالفه فيما يراه لك إنه اعرف منك، وإنك إن خالفته لم ترشد.
قال المنصور فلما صرت في بعض الطريق لحقني كمد عظيم لحال الغربة وإذا بحاد يقول:
يا أيها الحادي المليح الزجر
نشر مطاياك بضوء الفجر
تدرك ما أملته من أمر
قال: فلما سمعت ذلك سررت به واستبشرت فوصلت مكة مع الحاج وذلك في أيام محمد بن يعفر الحوالي[3]، ثم أقبلنا نسأل عن أخبار اليمن، فقيل لنا: إن الأمير محمد بن يعفر رد المظالم واعتزل عن الناس ورجع إلى التنسك والعبادة، فقلنا: ولم فعل ذلك؟
فقيل لنا: إنه قيل له أن في هذه السنة يخرج عليه خارجي فيكون زوال أمره على يديه، ويقال إنه رد في يوم واحد ألف دينار، وكان في بني حوال رجل يقال له إبراهيم فقال:
يا ذا حوال يا مصابيح الأفق
تداركوا عزكم لا ينفتق
فتطلبون رتق مـالا يرتتـق
فأيكم قام بها فقد سبق
فقام ولد محمد بن جعفر.
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله:
فلما خرج علي بن فضل مع الحاج هو والمنصور وصارا في (غلافقة)[4]، افترقا وقال كل واحد منهما لصاحبه: أعلمني بأمرك وما يكون منك فوصل المنصور إلى (الجند)[5]، وصاحب الأمر علي بن فضل إلى ناحية (جيشان).
فأما يومئذ جعفر بن إبراهيم المناخي وخرج المنصور فإن ميمونا كان قال له: لا يظهر أمرك إلا من موضع يقال له: (عدن لاعة)[6]، فإنه أقوى لأمرك وأمضى لناموسك، وإنما دله على ذلك الفلسفة وعرف ما سطره في كتبهم من تسمية الأقاليم والبلدان وتقويم الكواكب السبعة، فلما صار المنصور إلى الجند سأل عن ( عدن لاعة ) ؟ فقالوا: لانعرف إلا (عدن أبين)[7]، بتجارة تصلح لعدن كما يفعل التجار، فأقام أياما فيها يسأل عن ( عدن لاعة ) مدة بقائه هنالك فبصر به شيخ من تجار عدن فأنكره فسأله عن حاله؟ فقال: أنا رجل من أهل العراق وكنت حاجا في هذه السنة، قال: فهل عندك خبر؟ فقال: لست صاحب أخبار وعما تريد أن أخبرك عنه؟ قال له العدني: هل حدثت في الشام أحداث؟ فقال: لا علم لي بشيء، فلم يزل به حتى أعلمه ما في ضميره، فعاهده المنصور على كتمان سره، وسأله عن (عدن لاعة)؟ فقال: هي معروفة ولا يزال أهلها من التجار يصلون إلينا وأنا أعلمك بهم إذا وصلوا.
يقال: إن هذا العدني جد بني الوزان فاسدي المذهب، وبنوا الوزان إلى اليوم رفضة شيع.
فلما وصل التجار من (عدن لاعة)، ومن عيان[8]، فسألهم عن الموضع فأخبروه عنه وأنه في ناحية بلادهم، وهي قرية صغيرة، فمن أعلمك من الناس بها؟، قال: الناس يسمعون بذكر البلدان، فلما عزموا على الرحيل تأهب للخروج معهم وقال: أنا رجل من أهل العلم، وقد رغبت بالخروج معكم إلى بلدكم، ففرحوا به وأكرموه، وقالوا: مرحبا بك نحن أحوج إلى من يبصرنا في أمر ديننا، ونحن نكفيك المئونة، ونحملك؛ فأثنى عليهم وشكرهم وقال: لا حاجة لي فيما عندكم، وإنما أردت وجه الله تعالى، فارتحل معهم فكان يسامرهم ويروي لهم أحسن الأخبار، فأحبوه وأصغوا إليه وإلى قوله؛ فكانوا يحدقون به إكراما له وتبجيلا حتى قدموا (لاعة)، فادعى الفقه في مذهب السنة والجماعة فتسامع به الناس وأقبلوا إليه من كل ناحية وهو مستعمل الورع وحسن السيرة حتى مالت إليه مخاليف المغرب (لاعة واردان[9] وحجة وعيان وبلدان بياض[10])، فأمرهم بجمع الزكاة عن أموالهم فاستعمل عليهم منهم ثقات وعدولا يقبضون أعشار أموالهم على ما يوجبه الفقه.
فأقام سنتين بعد قتل (محمد بن يعفر)، واختلاف بني حوال فيما بينهم، فقال لهم: قد رأيت أن تبنوا موضعا منيعا يكون لبيت مال المسلمين، فعزموا على ذلك ولم يخالفوه فيما أمرهم به فأجمعوا على بناء موضع يقال له: (عبر محرم)، وهو جبل تحت مسور وهو موضع بني العرجي قوم من سلاطين المغرب همدان، فلما بنى الجبل وحصنه حمل إليه كل ما يحتاج إليه بعد أن ساعده إلى إرادته خمسمائة رجل، وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم إنه بعد ذلك ارتكب الحصن هو و أصحابه ونقلوا حريمهم وأموالهم بعد أن أخرج الحوالي عسكرا في جنح الليل إلى موضع كانوا فيه يقال له: (الحيفة) في ناحية (لاعة) فقتل من أصحاب المنصور اثنى عشر وارتكب الجبل (عبر محرم) بمعاملة لبني العرجي، وأنكر الناس أمره وأضرموا النار لحربه؛ فكتب إليهم أني ما طلعت هذا الجبل إلا لأحصن به نفسي من السلطان، فلم يقبلوا منه وجاسوا إليه فقاتلوه فهزمهم وقتل منهم بشرا كثيرا, فعظم حينئذ شأنه وشاع إلى جميع العشائر ذكره، وبلغ الأمير ذلك فكتب إلى جميع العشائر حوله يحرضهم على قتاله فقاتلوه مرارا وهو ينتصر عليهم.
ثم استنجدوا عليه رجلا من سلاطين شارو يقال له: أبو إسماعيل، وبالحوالي صاحب صنعاء فأمدهم بالعساكر الكثيرة فهزمهم وقتل منهم قتلا كثيرا فازداد بذلك ذكره وعظم أمره ودخل في طاعته من كان حوله طوعا وكرها واستعمل الطبول والرايات وأظهر مذهبه ودعا إلى عبيد بن ميمون وكان يقول: والله ما أخذت هذا الأمر بمالي ولا بكثرة رجالي وإنما أنا داعي المهدي الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فانهمك إليه عامة الناس ودخلوا في بيعته ثم سمت به همته إلى ارتكاب جبل مسور حصن يقال له: فاير[11] فيه خمسمائة رجل ومأمور للحوالي، فلم يزل الملعون يتلطف حتى عامل مع عشرين رجلا منهم فارتكب الجبل بالليل فأصبح في رأسه وقصد من كان في بيت (فاير) وفتحوا له العشرون الذين عاملوه وقالوا: (ادخلوها بسلام آمنين)، فقال: المنصور اخرجوا منها فإنا داخلون.
وسأل صاحب الحصن الأمان على نفسه ومن معه فأمنهم، فلما رأى المنصور صاحب الحصن مقبلا نزل عن دابته ومشى إليه واعتنقه فزال عنه الرعب، وقال له: إن معي مالا للسلطان فمن يقبضه، فقال المنصور ***ه الله: لسنا ممن يرغب في مال السلطان وما طلعت هذا الجبل لأخذ أموال الناس، وإنما طلعت لإصلاح الإسلام والمسلمين، خذ مال صاحبك فأده إليه.
فذكروا أنه ***ه الله طلع جبل مسور في ثلاثة آلاف رجل ومعه ثلاثون طبلا، فكانت طبوله إذا ضربت سمعت إلى المواضع البعيدة من المغرب.
ثم إنه بعد ذلك حصن الحصن ودربه وبنى فيه دار الإمرة وهو بيت ريب وهو أول من أسسه وجعل فيه من يثق به من أهل مذهبه، ثم بنى بيت ريبة ودرب الجبل من كل ناحية وجعل له بابين، وبنى بيت الريبة قصرا وسماه دار التحية فعند ذلك أحل ما حرم الله وكان يجمع أصحابه في ذلك القصر ونسائهم ويرتكبون الفواحش، وأقام يحارب من حوله من القبائل ويبعث إليهم بالعساكر، فأبادهم وأخذ أموالهم وقتل رجالهم حتى دخلوا في طاعته كارهين ذلك، واستولى على جميع مخاليف المغرب قهرا، واستعمل عليهم رجلا من أهل مذهبه يقال له: أبو الملاحف، فأقام بناحية جبل (تيس) واليا للمنصور، وخرج بنفسه وعساكره إلى بلاد (شارو) فاستفتحها وحاصر صاحبها أبا إسماعيل الشاوري سبعة إلى مسور ثم خرج إلى ناحية (شبام) أشهر حتى استنزله من حصنه ورجع حمير[12] فأقام يحاربهم لمدة طويلة وخرجت عساكره إلى ناحية المصانع من بلدة حمير فاقام هناك في مراكز الحمير فتحموا عليه وقتلوا جماعة من عسكره فانهزموا إلى مسور، فغفل عنهم أياما يسيرة وعامل رجلا يقال له: الحسين بن جراح وكان في الضلع (ضلع شبام) واليا على أن يعضده على شبام ويكون أمرها إليه فعاقده على ذلك وخرج بنفسه وعساكره وقام معه الحسين بن جراح ففتح (شبام الأهجر) فأخرج منها بني حوال وحمل إلى مسور جميع ما غنمه من مسالك بني حوال وأموالهم.
وأقام شهرا، وندم ابن الجراح على ما كان منه في معاملته وخاف على نفسه وحالف رجلا يقال له: ابن كبالة من قواد بني حوال كان واليا على صنعاء؛ فجاش ابن كبالة بقبائل حمير وهمدان وخالف ابن جراح القرمطي فصاروا في وجهه وابن كبالة يقابله على درب شبام، فضاق حال الملعون القرمطي وخرج منهزما بالليل هو وأصحابه إلى مسور فذكرا أنّه ما خرج إلا بنفسه، وترك خيله وأقام في شبام حتى رجع لها القرمطي ثانية، وذلك عند دخول علي بن فضل صنعاء، وأنا أذكر ما كان منهما ***هما الله.
وقد كان المنصور كتب قبل أن يختلف هو وعلي بن فضل إلى ميمون وولده يخبره بما فتح من البلاد، ووجه إليهما بهدايا وطرف من طرف اليمن، وكان ذلك سنة تسعين ومائتين، فلما وصلت هديته إلى القداح وولده سرهما ذلك، وقال لولده: هذه دولتك قد أقبلت.
ثم إن المنصور أقام في مسور إلى أن جرى بينه وبين علي بن فضل الجدني اختلاف ومحاربة، وأنا أشرح ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكان موت المنصور ***ه الله سنة اثنتين وثلاثمائة، وولي الأمر من بعده عبد الله ابن عباس الشاوري.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] جيشان، والأجدون، وسبأ وصهيب، بلدان في اليمن معروفة إلى اليوم.
[2] لا عجب في قصده القبور للزيارة وهي مخالفة للشرع لأنه باطني زنديق.
[3] بنو يعفر من حمير بقية الملوك التبابعية استبدوا بصنعاء، مقيمين للدعوة العباسية، وكان آخرهم أسعد بن يعفر ثم أخوه محمد، فدخلوا في طاعة بني زياد.
[4] وهي تعرف اليوم بغليفقة بلدة بساحل اليمن كانت من أشهر موانيه.
[5] الجند: مدينة باليمن تبعد عن صنعاء جنوبا بستة أيام، وهي أول موضع ظهرت فيه الدعوة الإسماعيلية باليمن منها قام منصور اليمن، ومنها قام محمد بن الفضل الداعي سنة 340هـ وممن وصل إليها من الدعاة أبو عبد الله الشيعي صاحب الدعوة بالمغرب، وفيها قرأ الصليحي في صباه كما ذكره عمارة.
[6] عدن لاعة: بلدة في غرب صنعاء تبعد عنها مسيرة أيام.
[7] عدن أبين: هي عدن لحج الثغر الطبيعي لليمن.
[8] عيان: بلدة في اليمن بالقرب من عدن لاعة.
[9] لعلها عزان.
[10] بلدان باليمن معروفة إلى اليوم تابعة لقضاء حجة.
[11] حصن من أمنع حصون اليمن إلى يومنا هذا.
[12] شبام حمير: مدينة بأسفل جبل كوكبان وهي غير شبام حضرموت
يتبع >>
بقلم محمد بن مالك اليماني رحمه الله
الجزء الأول
لا يخفي تغلغل دعاة الباطنية في مختلف الأقطار الإسلامية ونشرهم مذهبهم الداعي إلى الإلحاد والإباحية وهدم وحدة المسلمين. فقد انتقل مؤسس الباطنية ميمون بن ديصان من أصبهان إلى الأهواز ثم إلى البصرة ثم إلى سلمية الشام واتخذها معقلا له, مدعيا الانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق, ومن سلمية بعث دعاته إلى الكوفة واليمن والمغرب .. وقامت دولة العبيديين (التي دعوها بالفاطمية) في المغرب ومصر واليمن حتى جاء الحاكم بأمر الله حيث ادعى الألوهية ... ومن البارزين بين الباطنية حمدان بن الأشعت (الملقب بقرمط) في سواد الكوفة وأخوه ميمون المبعوث إلى خراسان وأبو سعيد حسن بن بهرام الجنابي وابناه أبو طاهر وسعيد ...وقد استولى أبو طاهر على الحجاز وفتك بالحجيج يوم التروية واستولى على الحجر الأسود ...وإن مؤامرات الفرق الباطنية على المسلمين وتأييدهم للصليبين,ودعواهم ألوهية أئمتهم عما هو مشهور لا يحتاج إلى بيان ....
وهذا كتاب نادر في هذا الباب يشرح فيه مؤلفه وهو أحد الفقهاء السنة في القرن الخامس الهجري كثيرا من الأسرار التي استطاع الاطلاع عليها بعد أن تمكن من الاندساس بين الصليحيين - وهم قراطمة اليمن - واطلع على (خفاياهم. وسيرد في آخر الكتاب أن علي بن محمد الصليحي بعد استيلائه على حصن (مسار) في (حراز) فوق مدينة مناخة كتب إلى صاحب مصر مصر المستنصر الفاطمية) سنة 453هـ.
وقد رأت مجلة الجامعة الإسلامية أن تنشر هذا الكتاب لأهميته, وها نحن نقدم الحلقة الأولى.
قال محمد بن مالك رحمه الله "إعلموا أيها الناس المسلمون - عصمكم الله بالإسلام وجنبنا وإياكم طريق الآثام وأصلحكم وأرشدكم ووفقكم لمرضاة وسدّدكم - أني كنت أسمع ما يقال عن هذا الرجل الصليحي كما يسمعون وما يتكلم به عليه من سيّء الإذاعة وقبح الشناعة, فإذا قال القائل: "هو يفعل ويصنع" قلت: "أنت تشهد عليه غداً" فيقول: "ما شهدت ولا عاينت بل أقول كما يقول الناس" فكنت أتعجب من هذا أولا ولا أكاد أصدق ولا أكذب ما قد أجمع عليه الناس ونطقت به الألسن, فتارة أقول: هذا ما لا يفعله أحد من العرب والعجم, ولا سمع به فيما تقدم من سالف الأمم إنما هذه عداوة له من الناس للمآل الذي بلغه من غير أصل ولا أساس, وكنت كثيرا ما أسمعه يقول: "حكم الله لنا على من يظلمنا ويرمينا بما ليس فينا".
فرأيت أن أدخل في مذهبه لأتيقّن صدق ما قيل فيه من كذبه, ولأطلع على سرائره وكتبه, فلما تصفحت جميع ما فيه وعرفت معانيها رأيت أن أبرهن على ذلك ليعلم المسلمون عمدة مقالته وأكشف لهم عن كفره وضلالته نصحة لله وللمسلمين وتحذيرا ممن يحاول بغض هذا الدين, والله موهن كيد الكافرين.
فأول ما أشهد به وأشرحه وأبينه للمسلمين وأوضحه أنّ له نوابا يسميهم الدعاة المأذونين, وآخرين يلقبهم المكلبين تشبيها لهم بكلاب الصيد لأنهم ينصبون للناس الحبائل ويكيدون لهم بالغوائل, وينقضون على كل عاقل, ويلبسون على كل جاهل, بكلمة حق يراد بها الباطل يحضونه على شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام, كالذي ينثر الحب للطير ليقع في شركه فيقيم فيه أكثر من سنة يمضون به وينظرون صبره, ويتصفحون أمره, ويخدعونه بروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم محرفة, وأقوال مزخرفة, ويتلون عليه القرآن على خير وجهه, ويحرفون الكلم عن مواضعه, فإذا رأوا منه الانهماك والركون والقبول والإعجاب بجميع ما يعملونه والانقياد بما يأمرونه قالوا حينئذ: اكشف عن السرائر ولا ترضى لنفسك, ولا تقنع بما قد قنع به العوام من الظواهر وتدبر القرآن ورموزه واعرف مثله وممثوله واعرف الصلاة والطهارة وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالرموز والإشارة دون التصريح في ذلك والعبارة فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة لممثولات محجوبة, فاعرف الصلاة وما فيها وقف على باطنها ومعانيها لأن العمل بغير العلم لا ينتفع صاحبه به فيقول: عم أسأل ؟ فيقول: قال الله تعالى: {َأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}.. فالزكاة المفروضة في كل عام مرة وكذلك الصلاة من صلاها مرة في السنة فقد أقام الصلاة بغير تكرار, وأيضا فالصلاة والزكاة لهما باطن لأن الصلاة صلاتان, والزكاة زكاتان, والصوم صومان, والحج حجان, وما خلق الله سبحانه من ظاهر إلاّ وله باطن, يدل على ذلك {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}, و{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }, ألا ترى أن البيضة لها ظاهر وباطن, فالظاهر ما تساوي به الناس وعرفه الخاص والعام, وأما الباطن فقصر علم الناس به عن العلم به فلا يعرفه إلاّ القليل, من ذلك قوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}, وقوله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}, فالأقل من الأكثر الذين لا عقول لهم.
والصلاة والزكاة سبعة أحرف دليل على محمد وعلى صلى الله عليه وسلم عليهما لأنهما سبعة أحرف فالمعنى بالصلاة والزكاة ولاية محمد وعلي, فمن تولاهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة, فيوهمون على من لا يعرف لزوم الشريعة والقرآن وسنن النبي صلى الله عليه وسلم فيقع هذا من ذلك المخدوع بموقع الاتفاق والموافقة لأنه مذهب الراحة والإباحة يريحهم مما تلزمهم الشرائع من طاعة الله ويبيح لهم ما حظر عليهم من محارم الله فإذا قبل منهم ذلك المغرور هذا قالوا له: قرب قربانا يكون لك سلما ونجوى ونسأل لك مولانا يحط عنك الصلاة ويضع عنك هذا الإصر, فيدفع اثني عشر دينار فيقول ذلك الداعي: "يا مولانا! إنّ عبدك فلان قد عرف الصلاة ومعانيها فاطرح عنه الصلاة وضع عنه هذا الإصر", وهذا نجواه اثنا عشر دينار, فيقولك "اشهدوا أني قد وضعت عنه الصلاة, ويقرأ له {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.
فعند ذلك يقبل عليه أهل هذه الدعوة يهنئونه ويقولون: "الحمد لله الذي وضع عنك {وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ}, ثم يقول له ذلك الداعي الملعون بعد مدة: "قد عرفت الصلاة وهي أول درجة, وأنا أرجوا أن يبلغك الله إلى أعلى الدرجات فاسأل وابحث", فيقول: "عم أسأل؟" فيقول له: "سل عن الخمر والميسر اللذين نهى الله تعالى عنهما أبو بكر وعمر لمخالفتهما على علي وأخذهما الخلافة من دونه, فأما ما يعمل من ا***ب والزبيب والحنطة وغير ذلك فليس بحرام؛ لأنه مما أنبتت الأرض ويتلوا عليه {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} إلى آخر الآية.
ويتلو عليه {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى آخر الآية, والصوم الكتمان فيتلو عليه {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه}, يريد كتمان الأئمة في وقت استتارهم خوفاً من الظالمين ويتلو عليه {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً}, فلو كان عني بالصيام ترك الطعام, لقال: "فلن أطعم اليوم شيئا فدل على أن الصيام الصوت".
فحينئذ يزداد ذلك المخدوع طغيانا وكفرا, وينهمك إلى قول ذلك الداعي الملعون؛ لأنه أتاه بما يوافق هواه والنفس الأمارة بالسوء.
ثم يقول له: "أدفع النجوى تكون سلما ووسيلة حتى نسأل مولانا يضع عنك الصوم" فيدفع اثني عشر دينارا فيمضي به إليه فيقول: "يا مولانا.. عبدك فلان قد عرف معنى الصوم على الحقيقة فأبح له الأكل برمضان" فيقول له: "قد وثقته وأمنته على سرائرنا؟" فيقول له: "نعم" فيقول: "قد وضعت عنك ذلك", ثم يقيم بعد مدة فيأتيه ذلك الداعي الملعون فيقول له: "لقد عرفت ثلاث درجات فاعرف الطهارة وما هي؟ وما معنى الجنابة ما هي في التأويل؟" فيقول: "فسر لي ذلك؟" فيقول له: "اعلم أن معنى الطهارة طهارة القلب, وأن المؤمن طاهر بذاته, والكافر النجس لا يطهره ماء ولا غيره, وأن الجنابة هي موالاة الأضداد, أضداد الأنبياء والأئمة, فأما المني فليس بنجس منه خلق الله الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة, وكيف يكون نجسا وهو مبدأ خلق الإنسان وعليه يكون أساس البنيان, فلو كان التطهير منه من أمر الدين لكان الغسل من الغائط والبول أوجب لأنهما نجسان, وإنما معنى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا}, معناه فإن كنتم جهلة بالعلم الباطن فتعلموا واعرفوا العلم الذي هو حياة الأرواح كالماء الذي هو حياة الأبدان.
قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ}.. وقوله: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ, خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}, فلما سماه الله بهذا دل على طهارته", ويوهمون ذلك المخدوع بهذه المقالة, ثم يأمره ذلك الداعي أن فيدفع اثني عشر دينارا ويقول: "يا مولانا... عبدك فلان قد عرف معنى الطهارة الحقيقة, وهذا قربانه إليك" فيقول: "اشهدوا أنني قد أحللت له ترك الغسل من الجناة".
ثم يقيم مدة فيقول له الداعي الملعون: "قد عرفت أربع درجات وبقي لك الدرجة الخامسة فاكشف عنها فإنها منتهي أمرك وغاية سعادتك ويتلو عليه {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} فيقول له: "ألهمني إياه ودلني عليه؟ فيتلو عليه {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}, ثم يقول له: "أتحب أن تدخل الجنة في الحياة الدنيا؟" فيقول: "وكيف لي بذلك؟" فيتلو عليه {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى}, ويتلو عليه {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}, والزينة هاهنا ما خفي على الناس من أسرار النساء, لا يطلع عليها إلا المخصصون بذلك, وذلك قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ}, والزينة مستورة غير مشهورة, ثم يتلو عليه {وَحُورٌ عِينٌ, كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}, فمن لم ينل الجنة في الدنيا لم ينلها في الآخرة؛ لأن الجنة مخصوص بها ذوو الألباب وأهل العقول دون الجهال؛ لأن المستحسن من الأشياء ما خفي, ولذلك سميت الجنة جنة لأنها مستجنة, وسميت الجن جنا لاختفائهم عن الناس, والمجنة المقبرة لأنها تستر من فيها, والترس المجن لأنه يستتر به, فالجنة هاهنا ما استتر عن هذا الخلق المنكوس الذي لا علم لهم ولا عقول, فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكا, ويقول لذلك الداعي الملعون: "تلطف في حالي وبلغني إلى ما شوقتني إليه", فيقول: "ادفع النجوى اثني عشر دينارا تكون لك قربانا وسلما" فيمضي به ويقول" يا مولانا.. عبدك فلان قد صحت سريرته وصفت حبرته وهو يريد أن تدخله الجنة, وتبلغه جد الأحكام, وتزوجه حور العين؟" فيقول له: "وقد وثقته وأمنته؟" فيقول: "يا مولانا قد وثقته وآمنته وخبرته فوجدته على الحق صابرا ولأنعمك شاكرا" فيقول: "علمُنا صعب مستصعب لا يحمله إلاّ نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان, فإذا صح عندك حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه وبينها" فيقول: "سمعا وطاعة لله ولمولانا", فيمضي به إلى بيته فيبيت مع زوجته حتى إذا أصبح الصباح قرع عليهما الباب وقال: "قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس", فيشكر ذلك المخدوع ويدعوا له, فيقول: "هذا ليس من فضلي, هذا من فضل مولانا", فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة فلا يبقى منهم أحد إلاّ بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعي الملعون, ثم يقول له: "لابد أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا فادفع قربانك" فيدفع اثني عشر دينارا ويصل به ويقول: "يا مولانا.. إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم وهذا قربانه", حتى إذا جن الليل ودارت الكؤوس وحميت الرؤوس وطابت النفوس أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم فيدخلن عليهم من كل باب وأطفأوا السرج والشموع, وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه يده, ثم يأمر المقتدي زوجته أن تفعل كفعل الداعي الملعون وجميع المستبين, فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل, فيقول له: "هذا ليس من فضلي هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين, فاشكروه ولا تكفروه, ما أطلق من وثاقكم ووضع عنكم أوزاركم وحط عنكم أثقالكم وأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم جهّالكم {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
قال محمد بن مالك رحمه الله تعالى: "هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم, والله تعالى لهم بالمرصاد, والله تعالى عليّ شهيد بجميع ما ذكرته مما اطلعت عليه من فعلهم وكفرهم وجهلهم, والله يشهد على جميع ما ذكرته, عالم به, ومن تكلم عليهم بالباطل فعليه ***ة الله و***ة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين, وأخزي الله من كذب عليهم, وأعد له جهنم وساءت مصيرا, ومن حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حول الله وقوته إلى حول الشيطان وقوته, فأديت هذه النصيحة إلى المسلمين حسب ما أوجبه الله علي من حفظ هذه الشهادة ومراعاتها وأدائها إلى من لم يسمعها قال الله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ}. والله أسأله أن يتوفّانا مسلمين, ولا ينزع عنا الإسلام بعد إذ آتانا الله بمنه ورحمته.
الجزء الثاني :
وقد رأيت أيها الناس وفقنا الله وإياكم للصواب وجنبنا وإياكم طرق الكفر والارتياب أن أذكر أحبال هذه الدعوة الملعونة لئلا يميل إلى مذهبهم مائل ولا يصيبو إلى مقالتهم لبيب عاقل ويكون في هذا القدر من الكلام في هذا الكتاب إنذار لمن نظره، وأعذار لمن وقف عليه واعتبره.
باب: اعلموا يا إخواني في الإسلام أن لكل شيء من أسباب الخير والشر والنفع والضر والداء والدواء أصولا، وللأصول فروعا، وأصل هذه الدعوة الملعونة التي استهوى بها الشيطان أهل الكفر والشقوة ظهور (عبد الله[1] بن ميمون القداح) في الكوفة، وما كان له من الأخبار المعروفة والمنكرات المشهورة الموصوفة، ودخوله في طرق الفلسفة واستعماله الكتب المزخرفة، وتمشيته إياها على الطغام ومكيدته لأهل الإسلام.
وكان ظهوره في سنة ست وسبعين ومائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ}، وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيرا ولكل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويلا، وزخرف الأقوال وضرب المثال، وجعل لآي القرآن شكلا يوازيه ومثلا يضاهيه. وكان الملعون عارفا بالنجوم معطلا لجميع العلوم {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. فجعل أصل دعوته التي دعاها وأساس بِنْيَتِه التي بناها الدعاء إلى الله وإلى الرسول ويحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثوله والاختصاص لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة بالسب والأذى، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "*** الله من سب أصحابي"[2]. وقال عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"[3]. وقال صلى الله عليه وسلم: "من سب أصحابي[4] فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله على وجهه في النار". فأفسد بتمويهه قلوب الجهال وزين لهم الكفر والضلال وله شرح يطول فيه الخطاب غير أني أختصر. وفيما أشرحه كفاية واعتبار لأولي الألباب والأبصار. وكان هذا الملعون يعتقد اليهودية ويظهر الإسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة بالشام يقال لها سلمية[5]، وكان من أحبار اليهود وأهل والفلسفة الذين عرفوا جميع المذاهب وكان صائغا يخدم (شيعة) إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه. وكان حريصا على هدم الشريعة المحمدية لما ركب الله في اليهود من عداوة الإسلام وأهله والبغضاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يروجها يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد خرج في أيام قرمط[6] البقار - وكان اسمه أو لقبه لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى[7]- ولذلك نسب أهل مذهبه ومذهب بن ميمون إلى قرمط لأنهما اجتمعا وعملا ناموسا يدعوان إليه وكانا يعرفان النجوم وأحكام الزمان فدلهما الوقت على تأسيس ما عملاه فخرج ميمون إلى الكوفة وأقام بها مدة وله أخبار يطول شرحها مما كان منه ومن علي بن فضل والمنصور صاحب مسور وأبي سعيد الجنابي وأنا أشرح ذلك عند انتهائي إليه إن شاء الله تعالى وأما قرمط البقار فإنه خرج إلى بغداد وقتل هناك لا رحمه الله.
باب ذكر ما كان من القداح وعقبه ***ه الله وتعلق بسببه ودخل ضلالته ومذهبه:
و كان أول أولاده "عبيد"[8] وهو "المهدي" ثم "محمد" وهو "القائم" ثم "الطاهر" إسماعيل المنصور ثم "المعز" ثم "العزيز" ثم "الحاكم" ثم "الظاهر" ثم "معد المستنصر"[9] هؤلاء الذين ينسبون إليه إلى عصرنا هذا فانتسبوا إلى ولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وانتحالهم انتحال كاذب وليس لهم في ذلك برهان وأهل الشرف ينكرون ذلك فإنهم لم يجدوا لهم في الشرف أصلا مذكورا ولا عرفوا لهم في كتاب الشجرة نسبا مشهورا بل الكل يقصيهم عن الشرف وينفيهم عن النسب إلا من دخل معهم في كفرهم وضلالتهم فإنه يشهد لهم بالزور ويساعدهم في جميع الأمور وقد زعموا أنهم ولد محمد إسماعيل بن جعفر الصادق وحاش لله ما كان لمحمد إسماعيل من ولد ولا عرف ذلك من الناس أحد بل هم {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}.
الدليل على ذلك وعلى بطلان ما ذكروه أنهم يقولون معد المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وهو عبيد [10] بن ميمون ثم يقولون ابن الأئمة المستورين من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق فإذا سألهم سائل عن هؤلاء المستورين حادوا عن الجواب [11] وكان للسائل لهم الارتياب. وقالوا هم أئمة قهروا فتستروا ولم يؤمروا بإظهارهم ولا ذكرهم لأحد وهذا من أعظم الشواهد على بطلان ما ذكروه وانتسبوا إليه.
والدليل على أنهم من أولاد اليهود استعمالهم اليهود في الوزارة والرياسة وتفويضهم إليهم تدبير السياسة ما زالوا يحكِّمون اليهود في دماء المسلمين وأموالهم وذلك مشهور عنهم يشهد بذلك كل أحد.
باب خروج ميمون القداح من سلمية إلى الكوفة:
و قد ولد له عبيد وهو الذي يسمونه عبيد الله المهدي فأقاما بالكوفة مدة طويلة حتى تهيأ لهما ما كانا يطلبان وإلى أن أجابهما إلى ذلك تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون منهم علي بن فضل الجدني اليماني، وأبو القاسم ابن زاذان الكوفي المسمى المنصور عند كونه باليمن في مسور وأبو سعيد الجنابي صاحب الأحساء والبحرين وأبو عبد الله الشيعي صاحب كتامة في المغرب والحسن [12] بن مهران المسمى بالمقنع الخارج فيما وراء النهر من خرسان ومحمد بن زكريا الخارج في الكوفة ولا بد أن أذكر أصح خبر كل منهم مختصرا إن شاء الله تعالى:
باب في ذكر أبي سعيد الجنابي ***ه الله:
كان فيلسوفا ملعونا ملك البحرين واليمامة والأحساء وادعى فيها أنه المهدي القائم بدين الله فاستفتح...[13] ودخل مكة وقتل الناس في المسجد الحرام ومنع الناس من الحج واقتلع الركن وراح به إلى الأحساء وقال في ذلك شعرا:
و لو كان هذا البيت لله ربنا
لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية
مجللة لم نبق شرقا ولا غربا
و إنا تركنا بين زمزم والصفا
جنائز لا تبغي سوى ربها ربا
وله ***ه الله أشعار في ذلك تركتها اختصارا وكان دخوله مكة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاث عشر ألفا عليه ***ة الله.
باب ذكر الحسن بن مهران المعروف بالمقنع:
خرج فيما وراء النهر وله أخبار شنيعة وكان حكيما فيلسوفا ملعونا ذكروا أنه عمل قمرا بالطلسم يطلع في السنة أربعين ليلة ولقد كنت أكذب ذلك حتى صححه لي جماعة من أهل خراسان وذكروا أنه بنى حصنا وعمل فيه لولبا فكان المسلمون إذا أتوا لقتاله قذفوا بالحجارة ولا يدرون من أين يقذفون فمال إليه خلق كثير حتى بعث الله عليهم بغلام حكيم فأمر المسلمين أن يحفروا حول الحصن فوقعوا على اللوالب فأخرجوها ودخلوا عليه فقتلوه وقيل إنه أحرق نفسه قبل دخولهم عليه فأمكن الله سبحانه وتعالى منه.
باب ذكر محمد بن زكريا ***ه الله:
أحسب أن اسمه زكرويه بن مهرويه القرمطي وكان قد خرج بالكوفة فخرج إليه المكتفي أمير المؤمنين من بني العباس فقتله ***ه الله ولا رحمه.
صدقة مقبولة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل: لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق. فقال: الهم لك الحمد على سارق؟. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد على زانية؟. لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني. فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني؟؟. فأتي فقيل له: أمَّا صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأمَّا الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأمَّا الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله".
متفق عليه..
-------------------------------------------------
[1] المصنف يذكر ميمونا مرة وابنه أخرى كما هنا وقد جارينا على الأصل في ذلك، وفيما يسوقه من أنبائهما هنا بعض المخالفة لما ذكره عبد القهار في (الفرق) وابن النديم في (الفهرست) والمقريزي في (الخطط) وغيرهم فكل منهم دوَّن ما بلغه من الأنباء وفي تمحيص ذلك كله طول.
[2] ولفظ الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "من سب أصحابي فعليه ***ة الله والملائكة والناس أجمعين". وفي سنن الترمذي: "إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقالوا: ***ة الله على شركم". وفي الباب أحاديث يعضد بعضها بعضا.
[3] أخرجه رزين وله طرق ضعيفة.
[4] ولفظ أم سلمة عند أحمد: "من سب عليا فقد سبني".
[5] سلمية: بليدة بالشام من أعمال حمص.
[6] قرمط: وهو حمدان بن الأشعث وكان خروجه سنة 264 كما يذكره بن المهذب. وكان ظهور الجنابي بالبحرين سنة 286.
[7] يعني يقارب بين خطواته. ومنهم من يقول إنه كان أحمر البشرة فلقب بقرمط و(كرمت) الآجر في اللغة الرومية فعرب وقيل قرمد ثم قرمط.
[8] إليه تنسب دولتهم فيقال الدولة العبيدية بمصر ويتورع أهل التحري من تلقيب دولتهم بالفاطميين حيث لم يثبت نسبهم المزعوم كما حققه أهل التحري من ثقات المؤرخين.
[9] والمستنصر هذا توفي سنة 487هـ فيكون المؤلف من أواسط القرن الخامس.
[10] لم أر من جعل عبيد بن ميمون مباشرة والمشهور أنه سعيد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون، خرج سعيد هذا متنكرا إلى مصر ثم إلى المغرب فادعى هناك أنه علوي فاطمي بعد أن ادعى قبل ذلك أنه عقيلي وتسمى هناك أيضا عبيد الله وتلقب بالمهدي حتى تم له ما هو مشروح في التواريخ.
[11] ومن المعروف عند المؤرخين أن المعز العبيدي لما قرب إلى مصر بعد فتحها بمعرفة قائده وخرج الناس تلقائه اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له أحدهم: "إلى من ينتسب مولانا؟". فقال له المعز: "سنعقد مجلسا ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا". فلما استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم وقال لهم: "هل بقي من رؤسائكم أحد؟". فقالوا: "لم يبقى معتبر". فسل عند ذلك نصف سيفه وقال: "هذا نسبي". ونثر عليهم ذهبا كثيرا وقال: "هذا حسبي". فقالوا جميعا: "سمعنا وأطعنا". وفي المحضر الذي أصدره أهل العلم ببغداد سنة 402هـ "... أنهم أدعياء لا نسب لهم في ولد علي رضي الله عنه.." ومن جملة من وقَّع عليه الشريفان الرضي والمرتضى وأبو محمد الأكفاني القاضي أبو محمد الإسفرايني، وأبو حسين القدوري وغيرهم من كبار الأئمة. وهذا حكم شرعي يجب أن يخضع له ولو أعطي أحد هؤلاء الدنيا بحذافيرها لما حكم بما يخالف الحق والصدق عندهم كما لا يخفى على من درس سيرهم، والشعر المنسوب إلى الشريف الرضي غير متصور ثبوته عنه، ولم يكن القادر بالله بقادر على إكراههم على خلاف ما يرونه، وكلمة بن خلدون عن هوى خاص وكذا توهم المقريزي كما هو مبسوط في ((الإعلان بالتوبيخ)) للسخاوي.
[12] وله عدة أسماء عطاء وحكيم.
[13] هنا بالأصل نقص ولعل الناقص (ثم قتله خادم له صقلبي راوده في الحمام سنة 301هـ وتولى بعده ابنه الأكبر سعيد فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان بن الحسن بن بدان الجنابي حنى استفحل أمره.
الجزء الثالث :
باب ذكر علي بن فضل الجدني ***ه الله:
من ذرية جدن و(الأجدون) من سبأ صهيب وأصله من جيشان[1]، وكان في أوله ينتحل الإثني عشرية فخرج للحج ثم زار[2]، قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم مضى إلى الكوفة لزيادة قبر الحسين بن علي - رضي الله عنه - فلما وصل إلى الكوفة وزار قبر الحسين - رضي الله عنه - بكى على القبر بكاء شديدا وجعل ينوح ويقول بأبي أنت يا ابن الزهراء المضرح بالدماء الممنوع من شرب الماء وكان ميمون القداح على القبر وولده عبيد فلما بصرا به سرهما وطمعا به وعلما أنه ممن يميل إليهما ويدخل في ناموسهما فقال: ميمون أيها الشاب ما كنت تفعل لو رأيت صاحب هذا القبر؟ قال: إذا والله أضع له خدي وأجاهد بين يديه حتى أموت شهيدا، فقال ميمون: أتظن أن الله قطع هذا الأمر؟ قال له علي بن فضل: لا ولكن لا اعلم ذلك فهل عندك منه خبر أيها الشيخ؟ فقال أخبرك به إن شاء الله عند الإمكان ثم قام ميمون فتعلق به؛ قال ميمون: تقف بهذا المسجد إلى غد، فوقف أياما فلم ير له خبرا، فودع أصحابه وقال لهم: أما أنا فلا أبرح هاهنا حتى أتنجز وعدا قد وعدته، فأخذ له من المؤونة ما يكفيه فوق أربعين يوما وميمون وولده يرمقانه من حيث لا يعلم بهما، فلما رأى ميمون صبره أعجبه، وعلم أنه لا يخالفه في شيء من دعوته والميل إلى كفره وضلالته؛ فأتاه عبيد فوثب إليه فاعتنقه، وقال: سبحان الله يا سيدي وعدني الشيخ وعدا فأخلفني فقال: لم يخلفك، وإنما قال: أنا آتيك غدا إن شاء الله، وله في هذا مخرج على ضميره، ثم جلسا وجرى بينهما الكلام، وقال له: يا أخي اعلم أن ذلك الشيخ أبي وقد سره ما رأى من صبرك وعلو همتك وهو يبلغك محبوبك إن شاء الله، ثم أخذه بيده فأوصله إلى الشيخ؛ فلما رآه قال: الحمد لله الذي رزقني رجلا نحريرا مثلك استعين به على أمري وأكشف له مكنون سري، ثم كشف له أمر مذهبه ***هما الله؛ فأصغى إليه واشرأب قلبه وتلقى كلامه بالقبول، وقال له علي: والله إن الفرصة ممكنة في اليمن، وإن الذي تدعو إليه جائز هناك وناموسنا يمشي عليهم وذلك لما أعرف فيهم من ضعف الأحلام وتشتيت الرأي وقلة المعرفة بأحكام الشريعة المحمدية، فقال له ميمون: أنا موجهك إلى المنصور الحسن بن زاذان، وكان ينسب إلى ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكان أبوه ممن ينتحل مذهب الشيعة الإثنى عشرية، وكان من أهل الضلالة، وكان من أهل الكوفة، فلما دخل ميمون الكوفة وظفر بالحسن بن زاذان علم أنه مسعود وأنه ينال ملكا وشرفا، وذلك من طريق معرفته بالنجوم والفلسفة، فجعل ميمون يلطف به ويرفق فيكشف له مذاهب الفلسفة ومقالهم، فلم يزل به حتى قبل منه وركن إلى قوله، وما زال به حتى مال إلى معتقده وصار من دعاته الذين يدعون إليه وإلى ولده.
فعند ذلك قال ميمون: يا أبا القاسم إن الدين يماني والحكمة يمانية وكل أمر يكون مبدأه من قبل اليمن فإنه يكون ثابتا ثبوت نجم النجم، وذلك أن إقليم اليمن أعلى أقاليم الدنيا، ولابد من خروجك إلى هنالك أنت وأخوك علي بن فضل اليماني فسيكون لكما شأن وملك وسلطان في اليمن، فكونا على أهبة.
فقال له: الأمر إليك يا سيدي، قال المنصور، فكنت أنا وعلي بن فضل وعبيد لا نزال نكثر المذاكرة في مجلس الشيخ، وكان يقول عند تمام الوقت ومضى ستة أدوار من الهجرة المحمدية أبعثكما إلى اليمن تدعوان إلى ولدي هذا فسيكون له ولذريته عز وسلطان.
وأخذ عليّ وعلى علي بن فضل العهود والمواثيق لولده، فلما كان أوان خروجنا، قال لنا ميمون: هذا هو الوقت الذي كنا ننتظره، فاخرجا في هذا الموسم ثم وجهنا بالحج وعهد إلينا، ثم خلا بي وأوصاني بالاستتار حتى أبلغ مرادي، وقال لي الله الله بصاحبك فاحفظه وأكرمه بجهدك، ومره بحسن السيرة في أمره فإنه شاب ولا آمن نبوته، وخلا بعلي بن فضل وقال: الله بصاحبك وقره واعرف له حقه ولا تخالفه فيما يراه لك إنه اعرف منك، وإنك إن خالفته لم ترشد.
قال المنصور فلما صرت في بعض الطريق لحقني كمد عظيم لحال الغربة وإذا بحاد يقول:
يا أيها الحادي المليح الزجر
نشر مطاياك بضوء الفجر
تدرك ما أملته من أمر
قال: فلما سمعت ذلك سررت به واستبشرت فوصلت مكة مع الحاج وذلك في أيام محمد بن يعفر الحوالي[3]، ثم أقبلنا نسأل عن أخبار اليمن، فقيل لنا: إن الأمير محمد بن يعفر رد المظالم واعتزل عن الناس ورجع إلى التنسك والعبادة، فقلنا: ولم فعل ذلك؟
فقيل لنا: إنه قيل له أن في هذه السنة يخرج عليه خارجي فيكون زوال أمره على يديه، ويقال إنه رد في يوم واحد ألف دينار، وكان في بني حوال رجل يقال له إبراهيم فقال:
يا ذا حوال يا مصابيح الأفق
تداركوا عزكم لا ينفتق
فتطلبون رتق مـالا يرتتـق
فأيكم قام بها فقد سبق
فقام ولد محمد بن جعفر.
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله:
فلما خرج علي بن فضل مع الحاج هو والمنصور وصارا في (غلافقة)[4]، افترقا وقال كل واحد منهما لصاحبه: أعلمني بأمرك وما يكون منك فوصل المنصور إلى (الجند)[5]، وصاحب الأمر علي بن فضل إلى ناحية (جيشان).
فأما يومئذ جعفر بن إبراهيم المناخي وخرج المنصور فإن ميمونا كان قال له: لا يظهر أمرك إلا من موضع يقال له: (عدن لاعة)[6]، فإنه أقوى لأمرك وأمضى لناموسك، وإنما دله على ذلك الفلسفة وعرف ما سطره في كتبهم من تسمية الأقاليم والبلدان وتقويم الكواكب السبعة، فلما صار المنصور إلى الجند سأل عن ( عدن لاعة ) ؟ فقالوا: لانعرف إلا (عدن أبين)[7]، بتجارة تصلح لعدن كما يفعل التجار، فأقام أياما فيها يسأل عن ( عدن لاعة ) مدة بقائه هنالك فبصر به شيخ من تجار عدن فأنكره فسأله عن حاله؟ فقال: أنا رجل من أهل العراق وكنت حاجا في هذه السنة، قال: فهل عندك خبر؟ فقال: لست صاحب أخبار وعما تريد أن أخبرك عنه؟ قال له العدني: هل حدثت في الشام أحداث؟ فقال: لا علم لي بشيء، فلم يزل به حتى أعلمه ما في ضميره، فعاهده المنصور على كتمان سره، وسأله عن (عدن لاعة)؟ فقال: هي معروفة ولا يزال أهلها من التجار يصلون إلينا وأنا أعلمك بهم إذا وصلوا.
يقال: إن هذا العدني جد بني الوزان فاسدي المذهب، وبنوا الوزان إلى اليوم رفضة شيع.
فلما وصل التجار من (عدن لاعة)، ومن عيان[8]، فسألهم عن الموضع فأخبروه عنه وأنه في ناحية بلادهم، وهي قرية صغيرة، فمن أعلمك من الناس بها؟، قال: الناس يسمعون بذكر البلدان، فلما عزموا على الرحيل تأهب للخروج معهم وقال: أنا رجل من أهل العلم، وقد رغبت بالخروج معكم إلى بلدكم، ففرحوا به وأكرموه، وقالوا: مرحبا بك نحن أحوج إلى من يبصرنا في أمر ديننا، ونحن نكفيك المئونة، ونحملك؛ فأثنى عليهم وشكرهم وقال: لا حاجة لي فيما عندكم، وإنما أردت وجه الله تعالى، فارتحل معهم فكان يسامرهم ويروي لهم أحسن الأخبار، فأحبوه وأصغوا إليه وإلى قوله؛ فكانوا يحدقون به إكراما له وتبجيلا حتى قدموا (لاعة)، فادعى الفقه في مذهب السنة والجماعة فتسامع به الناس وأقبلوا إليه من كل ناحية وهو مستعمل الورع وحسن السيرة حتى مالت إليه مخاليف المغرب (لاعة واردان[9] وحجة وعيان وبلدان بياض[10])، فأمرهم بجمع الزكاة عن أموالهم فاستعمل عليهم منهم ثقات وعدولا يقبضون أعشار أموالهم على ما يوجبه الفقه.
فأقام سنتين بعد قتل (محمد بن يعفر)، واختلاف بني حوال فيما بينهم، فقال لهم: قد رأيت أن تبنوا موضعا منيعا يكون لبيت مال المسلمين، فعزموا على ذلك ولم يخالفوه فيما أمرهم به فأجمعوا على بناء موضع يقال له: (عبر محرم)، وهو جبل تحت مسور وهو موضع بني العرجي قوم من سلاطين المغرب همدان، فلما بنى الجبل وحصنه حمل إليه كل ما يحتاج إليه بعد أن ساعده إلى إرادته خمسمائة رجل، وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم إنه بعد ذلك ارتكب الحصن هو و أصحابه ونقلوا حريمهم وأموالهم بعد أن أخرج الحوالي عسكرا في جنح الليل إلى موضع كانوا فيه يقال له: (الحيفة) في ناحية (لاعة) فقتل من أصحاب المنصور اثنى عشر وارتكب الجبل (عبر محرم) بمعاملة لبني العرجي، وأنكر الناس أمره وأضرموا النار لحربه؛ فكتب إليهم أني ما طلعت هذا الجبل إلا لأحصن به نفسي من السلطان، فلم يقبلوا منه وجاسوا إليه فقاتلوه فهزمهم وقتل منهم بشرا كثيرا, فعظم حينئذ شأنه وشاع إلى جميع العشائر ذكره، وبلغ الأمير ذلك فكتب إلى جميع العشائر حوله يحرضهم على قتاله فقاتلوه مرارا وهو ينتصر عليهم.
ثم استنجدوا عليه رجلا من سلاطين شارو يقال له: أبو إسماعيل، وبالحوالي صاحب صنعاء فأمدهم بالعساكر الكثيرة فهزمهم وقتل منهم قتلا كثيرا فازداد بذلك ذكره وعظم أمره ودخل في طاعته من كان حوله طوعا وكرها واستعمل الطبول والرايات وأظهر مذهبه ودعا إلى عبيد بن ميمون وكان يقول: والله ما أخذت هذا الأمر بمالي ولا بكثرة رجالي وإنما أنا داعي المهدي الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فانهمك إليه عامة الناس ودخلوا في بيعته ثم سمت به همته إلى ارتكاب جبل مسور حصن يقال له: فاير[11] فيه خمسمائة رجل ومأمور للحوالي، فلم يزل الملعون يتلطف حتى عامل مع عشرين رجلا منهم فارتكب الجبل بالليل فأصبح في رأسه وقصد من كان في بيت (فاير) وفتحوا له العشرون الذين عاملوه وقالوا: (ادخلوها بسلام آمنين)، فقال: المنصور اخرجوا منها فإنا داخلون.
وسأل صاحب الحصن الأمان على نفسه ومن معه فأمنهم، فلما رأى المنصور صاحب الحصن مقبلا نزل عن دابته ومشى إليه واعتنقه فزال عنه الرعب، وقال له: إن معي مالا للسلطان فمن يقبضه، فقال المنصور ***ه الله: لسنا ممن يرغب في مال السلطان وما طلعت هذا الجبل لأخذ أموال الناس، وإنما طلعت لإصلاح الإسلام والمسلمين، خذ مال صاحبك فأده إليه.
فذكروا أنه ***ه الله طلع جبل مسور في ثلاثة آلاف رجل ومعه ثلاثون طبلا، فكانت طبوله إذا ضربت سمعت إلى المواضع البعيدة من المغرب.
ثم إنه بعد ذلك حصن الحصن ودربه وبنى فيه دار الإمرة وهو بيت ريب وهو أول من أسسه وجعل فيه من يثق به من أهل مذهبه، ثم بنى بيت ريبة ودرب الجبل من كل ناحية وجعل له بابين، وبنى بيت الريبة قصرا وسماه دار التحية فعند ذلك أحل ما حرم الله وكان يجمع أصحابه في ذلك القصر ونسائهم ويرتكبون الفواحش، وأقام يحارب من حوله من القبائل ويبعث إليهم بالعساكر، فأبادهم وأخذ أموالهم وقتل رجالهم حتى دخلوا في طاعته كارهين ذلك، واستولى على جميع مخاليف المغرب قهرا، واستعمل عليهم رجلا من أهل مذهبه يقال له: أبو الملاحف، فأقام بناحية جبل (تيس) واليا للمنصور، وخرج بنفسه وعساكره إلى بلاد (شارو) فاستفتحها وحاصر صاحبها أبا إسماعيل الشاوري سبعة إلى مسور ثم خرج إلى ناحية (شبام) أشهر حتى استنزله من حصنه ورجع حمير[12] فأقام يحاربهم لمدة طويلة وخرجت عساكره إلى ناحية المصانع من بلدة حمير فاقام هناك في مراكز الحمير فتحموا عليه وقتلوا جماعة من عسكره فانهزموا إلى مسور، فغفل عنهم أياما يسيرة وعامل رجلا يقال له: الحسين بن جراح وكان في الضلع (ضلع شبام) واليا على أن يعضده على شبام ويكون أمرها إليه فعاقده على ذلك وخرج بنفسه وعساكره وقام معه الحسين بن جراح ففتح (شبام الأهجر) فأخرج منها بني حوال وحمل إلى مسور جميع ما غنمه من مسالك بني حوال وأموالهم.
وأقام شهرا، وندم ابن الجراح على ما كان منه في معاملته وخاف على نفسه وحالف رجلا يقال له: ابن كبالة من قواد بني حوال كان واليا على صنعاء؛ فجاش ابن كبالة بقبائل حمير وهمدان وخالف ابن جراح القرمطي فصاروا في وجهه وابن كبالة يقابله على درب شبام، فضاق حال الملعون القرمطي وخرج منهزما بالليل هو وأصحابه إلى مسور فذكرا أنّه ما خرج إلا بنفسه، وترك خيله وأقام في شبام حتى رجع لها القرمطي ثانية، وذلك عند دخول علي بن فضل صنعاء، وأنا أذكر ما كان منهما ***هما الله.
وقد كان المنصور كتب قبل أن يختلف هو وعلي بن فضل إلى ميمون وولده يخبره بما فتح من البلاد، ووجه إليهما بهدايا وطرف من طرف اليمن، وكان ذلك سنة تسعين ومائتين، فلما وصلت هديته إلى القداح وولده سرهما ذلك، وقال لولده: هذه دولتك قد أقبلت.
ثم إن المنصور أقام في مسور إلى أن جرى بينه وبين علي بن فضل الجدني اختلاف ومحاربة، وأنا أشرح ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكان موت المنصور ***ه الله سنة اثنتين وثلاثمائة، وولي الأمر من بعده عبد الله ابن عباس الشاوري.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] جيشان، والأجدون، وسبأ وصهيب، بلدان في اليمن معروفة إلى اليوم.
[2] لا عجب في قصده القبور للزيارة وهي مخالفة للشرع لأنه باطني زنديق.
[3] بنو يعفر من حمير بقية الملوك التبابعية استبدوا بصنعاء، مقيمين للدعوة العباسية، وكان آخرهم أسعد بن يعفر ثم أخوه محمد، فدخلوا في طاعة بني زياد.
[4] وهي تعرف اليوم بغليفقة بلدة بساحل اليمن كانت من أشهر موانيه.
[5] الجند: مدينة باليمن تبعد عن صنعاء جنوبا بستة أيام، وهي أول موضع ظهرت فيه الدعوة الإسماعيلية باليمن منها قام منصور اليمن، ومنها قام محمد بن الفضل الداعي سنة 340هـ وممن وصل إليها من الدعاة أبو عبد الله الشيعي صاحب الدعوة بالمغرب، وفيها قرأ الصليحي في صباه كما ذكره عمارة.
[6] عدن لاعة: بلدة في غرب صنعاء تبعد عنها مسيرة أيام.
[7] عدن أبين: هي عدن لحج الثغر الطبيعي لليمن.
[8] عيان: بلدة في اليمن بالقرب من عدن لاعة.
[9] لعلها عزان.
[10] بلدان باليمن معروفة إلى اليوم تابعة لقضاء حجة.
[11] حصن من أمنع حصون اليمن إلى يومنا هذا.
[12] شبام حمير: مدينة بأسفل جبل كوكبان وهي غير شبام حضرموت
يتبع >>