المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلم والأنـــــــاة


الشيخ حمود السرهيد
04-03-2009, 09:35 PM
الحلم والأنـــاة

الخطبة الأولى




الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول وأشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له – وأشهد ان نبينا محمد عبده ورسوله لاخير الا دل أمته عليه ولا شر الا نهاهم عنه صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه الى يوم الدين

أما بعـــــد :

أيها المسلمون ,, اتقوا الله تعالى وراقبوه وأحصوا كل الحرص على طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر – ايها الأخوة إن في ديننا من الفضائل مايكفل لنا سعادة الدارين وفي توجيهات نبينا الكريم ما يقضي على جميع إشكالات الحياة ولو اننا سرنا ايها الأخوة على طريقته صلى الله عليه وسلم واستنرنا بسيرته العطرة لانتهت جميع مشكلاتنا وأصبحت مجتمعاتنا يضرب بها المثل – لكن النفس البشرية مع ضعفها يتجاذبها الهوى والشهوة من جهة والشيطان من جهة وتتلاطم حولها أمواج الفتن وتموج بها مراكب الإغراء والإغواء فالسعيد الموفق هو ذلك الذي يتحكم بمجاديفها ويعمل على ترسيتها على بر الأمان مستعيناً بالله مقبلاً عليه , فاعلاً الأسباب ..
أيها الأخوة في الله ,, ان من السمات الأخلاقية والصفات الإيمانية التي ينبغي ان يتحلى بها المسلم صفة الحلم التي لا يتصف بها الا صاحب فهم وعقل وبصيرة وأناة وتثبت في الأمر ,,
ويستطيع الإنسان الموفق ان يدرب نفسه على الحلم والأناة وقد جاء في الأثر (إنما الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم ) .. وهناك ارتباط وثيق بين العقل والحلم لأن العقل السوي هو الذي يمنع صاحبه عن الاندفاع وراء عواطفه وغرائزه وانفعالاته التي قد تؤدي الى مالا تحمد عقباه – ولذ كان الذي يتحكم في انفعالاته هو القوي الشجــاع في نظر الإسلام يقول عليه الصلاة والسلام : (ليس الشديد بالصرعة لكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) ..والحلم والأناة من الصفات البشرية التي يحبها الله تعالى فيجدر بالمسلم ان يحرص عليها ليكون قريبا من الله تعالى يقول ابن عباس رضي الله عنهما _ قال صلى الله عليه وسلم : لأشج عبد القيس (إن فيك خصلتان يحبهما الله : الحلم والأناة ) .. رواه مسلم وأبو داوود و الترمذي و ابن ماجه ...

وقد كانت صفة الحلم ظاهره على خلقه الكريم صلى الله عليه وسلم وقد رأى ذلك الصحابة الكرام بعينهم وسمعوه بأذانهم حينما دخل إعرابي المسجد ثم بال في ناحية منه – كان منظراً شنيعاً وعملاً فضيعاً اراد الصحابة ان يوقعوا في الأعرابي لكنه صلى الله عليه وسلم أعطاهم درساً عملياً في الحلم فأمرهم ان يتركوه الى ان ينتهي ثم دعاه صلى الله عليه وسلم وقال له ( ان هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر انما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القران – ثم أمر رجلاً فجاء بدلو من ماء فصبه على المكان الذي بال فيه الإعرابي ) ....

وهذه القصة ايها الأخوة تدل على حلمه صلى الله عليه وسلم ,,كما تدل على حسن سياسته وتعليمه للجاهل وتربيته لصحابته ، وللحلم في حياته سر عظيم في مواقف عظيمه لا يطبقها أحد من البشر فقد بلغ به الأذى صلى الله عليه وسلم من قريش مبلغاً عظيماً ومع ذلك لما جاءه ملك الجبال عارضاً عليه ان يهلكهم ويطبق عليهم الاخشبين وهما جبلان عظيمان في مكة قال عليه الصلاة والسلام : (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ) ..رواه البخاري ومسلم ..
قال الله عز وجل : (والكاظمين الغيظ والعفين عن الناس والله يحب المحسنين ) .. ويقول عز وجل : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة فأنه ولي حميم , وما يلّقاها الا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم )...

بارك الله لي ولكم بهدي كتابه واقو قولي هذا وأستغفر الله ...


الخطبة الثانيــــة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه

أمـا بعد :

يقول صاحب بهجة الناظرين عن تدرج النفس مع الصبر وكظم الغيظ والحلم , (الحلم منزله بين رذيلتين الغضب والبلادة وهو تأني وسكون عند الغضب مع قدرة وقوه وصفح وعقل فالحكيم لا يستفزه الذين لا يعلمون ولا يستخفه الذين لا يعقلون إنما يضبط نفسه عند هيجان الغضب – يبدءا بكظم الغيظ ثم النظر في عواقب الأمور وبوضع الشيء في موضعه مما يدل على صحة العقل وكماله وعلم صاحبه وإرادته القوية التي تبصره في اتخاذ رد الفعل السليم بأتباع أيسر الأمور وأرشدها . ولذلك أيها الإخوة لو سألنا اولئك الذين دخلوا السجون وخضعوا للأحكام القضائية من قضايا القتل فما دونها لأجابوا بأنهم نادمون وإنهم لم يتحملوا الموقف وحدث منهم ما حدث ومن هنا تأتي أيها الأخوة فائدة الحلم فهو ينج بإذن الله من الوقوع في الخطأ ويربي النفس على الشهامة والتسامح وحب الخير قال عليه الصلاة والسلام ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على ا***ف ) .. رواه البخاري ومسلم .
وقال عليه الصلاة والسلام : (إن الرفق لا يكون في شيء الا زانه ولا ينزع من شيء الا شانه ) رواه مسلم .
وقال عليه الصلاة و السلام (من يحرم الرفق يحرم الخير كله ) رواه مسلم وأحمد وغيره