المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحــــــــــــياء


الشيخ حمود السرهيد
04-03-2009, 09:31 PM
الحــــــــــــــــــــــــــــــــتتياء




الخطبة الأولى

الحمد لله الرحيم الرحمن , ذي الفضل والكرم والإحسان , أحمده حمداً يليق بجلاله وعظمته وأشكره على جزيل نعمته – أثنى على خلق نبيه صلى الله عليه وسلم – (وإنك لعلى خلق عظيم) .. فقد كان خلقه القرآن – صلى الله عليه وعلى أصحابة وسلم تسليما كثيرا 0

أمـا بعد :

ايها المسلمون اتقوا الله تعالى حق تقواه وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه – ايها الإخوة في الله لقد دعا هذا الدين العظيم الى حسن الخلق – والخلق هو هيئه راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال الإرادية الاختيارية من حسنه وسيئة وجميله وقبيحة وهي قابله بطبعها لتأثير التربية الحسنه والسيئة فيها فإذا ما رُتّبتٌ هذه الهيئة على إيثار الفضيلة والحق وحب المعروف والرغبة في الخير وروضت على حب الجميل وكراهية القبيح وأصبح ذلك طبعاً لها تصدر عنه الأفعال بسهوله ودون تكلف , قيل فيه خلق حسن ونعتت أفعاله الجميلة بالأخلاق الحسنه وذلك كخلق الحياء والحلم والأناة والصبر والتحمل والكرم والشجاعة والعدل والإحسان وما الى ذلك من الفضائل الخلقية و الكمالات النفسية – كما أنها اذا أهملت ولم تهذب التهذيب اللآئق بها أو ربيت تربية سيئة ولم ترع عناصر الخير الكامنة فيها حتى أصبح القبيح محبوبا لها والجميل مكروها عندها وصارت الرذائل والنواقص من الأقوال والأفعال تصدر عنها بدون تكلف قيل عنها (خلق سيئ) , وسميت تلك الأقوال والأفعال بالأخلاق السيئة وذلك كالخيانة والكذب والطمع والجفاء والغلظة والفحش والحسد وقلة الحياء وغير ذلك من الأخلاق السيئة .

من هنا نوه إسلامنا بالخلق الحسن ودعا الى تربيته في المسلمين وتنميته في نفوسهم – وأثنى الله على نبيه بحسن الخلق فقال : (وانك لعلى خلقً عظيم) ... وأمره بمحاسن الأخلاق فقال : ( ادفع با للتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )..وجعل الأخلاق الفاضلة سببا تنال به الجنة العالية فقال : (وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين , الذين ينفقون في السراء والضراء و الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) وبعث الله نبيه متمما مكارم الأخلاق قال –صلى الله عليه وسلم : (إنما بعثت لإتمم مكارم الأخلاق ) ..وبين صلى الله عليه وسلم محاسن الأخلاق فقال : ما من شي في الميزان أثقل من حسن الخلق ) ,, وقال (البر حسن الخلق) .. وقال: (إن من أحبكم إليَ وأقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ) ..
وسئل – صلى الله عليه وسلم ( أي الأعمال أفضل ؟ فقال حسن الخلق) .. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال : (تقوى الله وحن الخلق)

ايها الأخوة في الله :

لقد عني السلف رضي الله عنهم بحسن الخلق وتمثلوه بسلوكهم وأقوالهم وأفعالهم وقالوا في علامة ذي الخلق الحسن (ان يكون كثير الحياء قليل الأذى وكثير الصلاح صدوق اللسان قليل الكلام كثير العمل قليل الزلل , قليل الفضول براً وصولاً وقوراً صبوراً وقوراً صبوراً شكوراً رضياً حليماً وفياً عفيفاً لا لعاناً ولا سباباً ولا نماماً ولا مغتاباً ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا حسوداً بشاشاً هشاشاً يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في الله ويسخط في الله - ^ ايها الأخوة في الله
ما أحوجنا لحسن الخلق في تعاملنا مع أنفسنا و أولادنا لنغرس فيهم هذه الفضيلة وما أحوجنا له في تعاملنا مع الناس وفي دعوتنا وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وما أحوجنا لإ قامة مجتمع مثالي يتسم بالأخلاق الفاضلة ويقوم على الاحترام المتبادل ويبنى على الصدق في التعامل واحترام ذي ألشيبه والكبير والعالم – والعطف على الصغير والضعيف ما أحوجنا أيها الأخوة الى الحياء الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم (والحياء شعبه من الأيمان ) ..ويقول فيما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (الحياء والإيمان قرناء جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الأخر ) ...فالإيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم ومن التفريط في حق الله تعالى كما يمنع الحياء من قول القبيح أو فعله اتقاءٍ للذم والانتقاد ومن هنا كان الحياء خيراً ولا يأتي الى بخير كما صح عنه صلى الله عليه وسلم قال (الحياء لا يأتي الا بخير ) ..ولو اردنا ايها الأخوة ان نعرف ماهو نقيض الحياء انـــه البذاء – وهو فحش في القول والفعل وجفاء في القول والمسلم لايكون فاحشاً ولا متفحشاً ولا غليظاً ولا جافياً قال عليه الصلاة والسلام ( الحياء من الأيمان والأيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار ) ....رواه أحمد
ولقد كان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها كما روى ذلك البخاري عن سعيد وقال اذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه ).
ان صفة الحياء ايها الأخوة هي صفة كمال وليست صفة نقص وضعف ، فلقد مر صلى الله عليه وسلم برجل يعظ أخاه في الحياء (عن الحياء) فقال صلى الله عليه وسلم له : (دعه فإن الحياء من الايمان ) ..وقد يمنع الحياء صاحبه من استيفاء بعض حقوقه وضياع بعض الحقوق للمرء خير من ان يفقد الحياء الذي هو جزء من إيمانه وميزة إنسانيته ومعين خيريتة ورحم الله امرأة فقدت طفلها فوقفت على قوم تسألهم عن طفلها فقال أحدهم : تسأل عن طفلها وهي منتقبة فسمعته فقالت لئن ارزأ في ولدي خير من ارزأ في حياتي ايها الرجل ,, كما أن خلق الحياء في المسلم غير مانع له من ان يقول حقاً او يطلب علماً أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر .
ولا حياء مع الذنوب والمعاصي أيها الأخوة – يقول ابن القيم رحمه الله : في معرض كلامه عن أثر المعاصي على الحياء – يقول : ( إن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى انه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد الى هذا الحال لم يبق في صلاحه مطمع – ويقول رحمه الله (بين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين وكل منهما يستدعي الأخر ويطلبه حثيثاً ومن يستحي من الله عند معصيته أستحى الله من عقوبته يوم يلقاه ومن لم يستح من معصيته لم يستح من عقوبته ) ..
قال صلى الله عليه وسلم : (استحيوا من الله حق الحياء فقيل يا رسول الله فكيف نستحي من الله عز وجل حق الحياء ؟ قال _ من حفظ الرأس وما وعى , والبطن وماحوى وترك زينة الحياة الدنيا وذكر الموت والبلى فقد أستحى من الله حق الحياء )



الخطبة الثانية

ان الحمد لله نحمده ونستعينة ونستغفره ...

اتقوا الله تعالى وألزموا طريق الحياء فان الحياء لا يأتي الا بالخير . وهو كما قال صلى الله عليه وسلم : نظام الأيمان فإذا انحل نظام الشيء تبدد ما فيه وتفرق ..
أيها الأخوة ,,, وينبغي الحياء من الناس بكف الأذى عنهم والمجاهرة بالقبيح واتقاء شماتتهم وغيبتهم , يقول أحدهم :
ولقد اصرف الفؤاد عن الشيء حياءً وحبة في السواد
امسك النفس بالعفاف وأمسي ذاكراً في غد حديث الأعادي
وهذا النوع من الحياء من كمال المروءة ..
اذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً
وتستحي مخلوقاً فما شئت فا صنعِ
وعلى المسلم ان يستحي من نفسه وذلك بالعفاف وصيانة الخلوات قال بعض الحكماء :
ليكن استحيائك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك ,, ولقد دعا قوم رجلاً كان يألف عشرتهم فلم يجبهم فقال : ( أني دخلت البارحة في الأربعين من عمري وأنا أستحي من سني فماذا يقول ايها الأخوة من دخل الستين والسبعين وهو يعوم في بحر الجهالة والغفلة ويجاري السفهاء ..
أيها الأخوة ,,, والله لو لزم الناس طريق الحياء لحلت المشاكل التربوية والنفسية والصحية والاقتصادية ولتوقف نزيف الكذب والإشاعات والأخبار الملفقة وانحسرت الجرائم وقلت الحوادث بإذن الله – فما من شر يرتكب ولا خير يجتنب إلا كان سببه ضعف الدين والحياء .