البيان
02-06-2009, 05:13 PM
المقدمة
قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (يوسف:17).
لا شك أن الحقيقة هي ضالة الجميع .. وهي قبل غيره ضالة المؤمن، إليها يصبو ولنيلها يسعى .. ومع أنها قد تندرس زمناً إلا أنها لا ريب تعود لتظهر ثانية بفعلٍ قدري صرف أو بجهد باحثٍ مجد ..
والحقائق عموماً منها ما هو مشرِّف نبيل يسعى أهلها لإعلانها والتعريف بها، ومنها ما هو مخزٍ سقيم يحاول أصحابها جاهدين طمسها وتغييب معالمها .. بل ربما نسبوها إلى غيرهم ورموهم بسوئها، ليسلم لهم ماء الوجه ولتبقَ ساحتهم بعيدة عن مرمى سهام النقد والتقييم ..
وفي حين أن الأولى لا تحتاج إلى طول عناء لإبرازها وإماطة اللثام عنها حتى تبرز معالمها واضحة بعد إهمال، فإن الثانية تحتاج إلى جهد كبير في التنقيب عنها يوازي الجهد المبذول في قبرها وتغييبها ..
ولطالما بقيت غالب معتقدات الشيعة في إطار الثانية خصوصاً ما يتعلق منها بحقيقة معتقدهم تجاه باقي فرق المسلمين عامة وتجاه أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص، حيث أنها ظلَّت ملقاة في جُبّ التغييب والتغريب زمناً طويلاً دون أن يعلم بها السواد الأعظم من المسلمين بل أن الأمر لم ينتهِِ معهم عند هذا الحد، فقد جاؤوا على قميص الحقيقة تلك بدمٍ كذب، وألبسوا غيرهم ثوب جرائمهم، وجاءوا الناس في كل وقت وحين يبكون ويتباكون على الوحدة الإسلامية الضائعة !! ومظلومية المذهب الشيعي مقابل تعنُّت وتجبر المذاهب الإسلامية وقسوتهم في الحكم عليه وعلى أتباعه، فصيَّروا "بإعلانهم الكاذب ومكرهم" الذئب حملاً، والحمل ذئباً .. بل برعوا في تصوير ذلك إلى الحد الذي صدَّقهم فيه أغلب الناس بما فيهم الكثير من أهل السنة أنفسهم !!
وتعبداً مني بالأمر الشرعي القاضي بوجوب تغيير المنكر، وحتى لا يصبح الوهم حقيقة والكذب أصلاً في الأذهان، عمدت إلى خوض غمار الكتابة في هذا الموضوع- رغم ثقله على نفسي- مبيناً الواقع الذي عليه حال معتقد القوم تجاه غيرهم من المسلمين( ) مستناً فيه سابقة في أسلوب الطرح لم يتعرض لها غيري بهذا التفصيل- على حد علمي- والذي اتسم بسمتين أساسيتين أقطع بهما الطريق بوجه المراوغين والمخادعين من علمائهم ودعاتهم هما:
1-اعتمادي على تقريرات فقهية يتعبد بها الشيعة في جميع أنحاء العالم دون الاقتصار على سرد روايات- بالنص أو بالمعنى- مما قد يتيح لهم مجالاً للهرب عن طريق تضعيف أو إنكار تلك الروايات أو تأويل مقاصدها على ما جرت عليه عادتهم من قلب للحقائق وتزوير لها حين كانوا يواجَهون بنصوص ونُقُول تثبت عليهم مثلبة أو تفضح في مذهبهم زيغاً .. وهكذا كان ديدن علماء المذهب هذا في احتراف أسلوب المراوغة والتدليس هو القادح الذهني في اللجوء إلى مثل هذا الطرح الغير مسبوق في عرض موضوعة الكتاب من فقهيات علماء المذهب دون مرويات بما لا يجعل لأحد منهم أدنى فرصة للمراوغة والتحايل، و إلا فليتعبدوا إلى الله تعالى بغير مذهبهم وليتفقهوا بغير فقه علمائهم !!
2-اعتمدت في كتابتي على نفس مؤلفات علماء المذهب ومنظريه من خلال شروحهم وفتاويهم فنقلت منها مباشرةً، ولم ألتفت مطلقاً لما كتبه غيري من ردود على الشيعة، وهذه الطريقة وإن كانت شاقة في سبر غور مؤلفاتهم والوقوف على تقريراتهم الفقهية، إلا أنها الطريقة المثلى في تناول موضوع عقائدي حساس لأنها أقرب إلى الإنصاف معهم، وأيضاً تقطع ما قد يتعلق به بعض دعاة التغرير والخداع منهم بالتظلم والتباكي من كون النقل في تقرير معتقدات الشيعة هو من كلام خصوم الشيعة وليس من نفس مصنفات علمائهم ومصادرهم( ).
وعليه جاءت الدراسة متكاملة ومنصفة في تقرير معتقد الشيعة من خلال أبرز أعلام مذهب الشيعة في العصر الحديث ورمز من أكبر رموزها ألا وهو آيتهم العظمى أبو القاسم الخوئي( ) حيث سطَّر خلاصة مذهب الشيعة في موقفهم من أهل السنة من خلال فقهيات وفتاوي يرجع إليها ويتعبد بها الشيعة من خلال امتثالهم وتطبيقهم لمضمونها، ولا مجال للضبابية فيها إذ الناقل مرجع من أكبر مراجع الشيعة إلا أن يتنكروا له ويصموه بالخصومة مع مذهب الشيعة ولا أراهم فاعلين.
وأخيراً أرجو من القراء والدعاة والعلماء أن لا يستهينوا بهذا المختصر لأنه من الأهمية بمكان، إذ أخرجته من بطون الكتب والحواشي التي يتعذر على المتخصصين الوقوف عليها فضلاً عن باقي القراء، أسأل الله تعالى أن تكون هذه الدراسة سبباً لتبصير المسلمين ورفع الغشاوة عن أعينهم ليعرفوا العدو من الصديق.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه
أجمعين
عبد الملك بن عبد الرحمن الشافعي
التمهيد
لقد أطبق اسم السيد أبو القاسم الخوئي آفاق عالم التشيع، واعتلى منصة الزعامة العلمية والمرجعية العليا للشيعة في العالم سنوات طويلة تزيد على عشرين عاماً وبدون منازع أو منافس - على حد علمي - لأنه تفرد بالأعلمية في المذهب، وربما يعتقد الإمامية بأنه لم يأتِ بعده - لحد الآن - من يوازيه في العلم والإطلاع في أصول المذهب وفروعه وخلافاته وترجيحاته، ومن تتبع الساحة الإمامية سيجد مصداقاً لهذا الأمر، ولذا فان أي تصريح لهذا العالم يكون له صدى واسعاً وتأثيراً عميقاً ،ورغم أنني أرى استغناءاً عن الترجمة له لعلو مكانته العلمية في المذهب، لكن مع هذا قررت أن أنقل بعض ما قاله عنه علماء المذهب ومراجعه لأن البعض من أهل السنة لا يعرفون شيئاً عن وزنه ومكانته في المذهب، فممن ترجم له وأثنى عليه من مراجع المذهب ما يلي:
1- قال عنه الميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي:[ إلى ان القت العلوم الدينية زعامتها وأسندت رئاستها إلى سيدنا واستاذنا علم الاعلام آية الله الملك العلام فقيه العصر وفريد الدهر البحر اللجي واسطة قلادة الفضل والتحقيق محور دائرة الفهم والتدقيق إمام أئمة الاصول وزعيم أساتذة المعقول والمنقول المبين لاحكام الدين والمناضل عن شريعة جده سيد المرسلين قدوة العلماء الراسخين اسوة الفقهاء العاملين المولى الاعظم والحبر المعظم مولانا وملاذنا الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي النجفي ادام الله أيام افاضاته ومتع الله المسلمين بطول بقائه وهو أدامه الله قد تعرض إلى الكتاب أثناء الدراسة الخارجية في الحوزة المقدسة العلوية وأوسعه تهذيبا وتنقيحا وكشف النقاب عن غوامضه وأبان الموارد المعضلة منه وأخذ بتلك المسائل والآراء التي قيلت أو يمكن أن يقال فصهرها في بوتقة خياله الواسع وفكره الجامع وأفرغها في قوالب رصينة وشيدها على أسس متينة وكان النتاج درة لماعة على مفرق التشريع الإسلامي والفقه الجعفري وكنت ممن وفقه الله للاستفادة من محضره الشريف والارتواء من منهله العذب ]( ).
2- قال عنه آيتهم العظمى الميرزا جواد التبريزي:[ وكان من أبرز من حمل راية الشريعة في هذ العصر الامام آية الله في العالمين استاذ الفقهاء والمجتهدين السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي( قدس سره ) الذي تصدى للمرجعية العامة مدة تزيد على عشرين سنة ]( ).
3- ترجم له آيتهم العظمى السيد محمد صادق الحسيني الروحاني الذي يلقبوه فقيه العصر المجاهد:[وبعد فلما كانت رسالة منهاج الصالح فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية افضل علماء العالم آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله جامعة لشتات المسائل المبتلى بها سهلا تناولها ]( ).
4- يقول عنه فقيه المذهب ومحققه الأصولي المدقق محمد إسحاق الفياض:[ مشتمل على ما استفدته من تحقيقات عالية ومطالب شامخة وأفكار مبتكرة من مجلس درس سيدنا الأستاذ الأفخم فقيه الطائفة سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي ، إذ عكفت ضمن المئات من الطلاب على مجلس درسه الشريف في جامعة العلم الكبرى " النجف الأشرف " التي أسندت إليه زعامتها ، وألقت بين يديه مقاليدها، فقام بالعبء خير قيام في محاضراته وبحوثه ، وتربى على يديه الكريمتين جيل بعد جيل من الأفاضل الأعلام ]( ).
5- وأخيراً ترجم له أبرز مراجع المذهب الأحياء وهو آيتهم العظمى علي السيستاني- الذي تتلمذ على يد الخوئي- ، فقال عنه:[ وبعد : ان رسالة المسائل المنتخبة للسيد الأستاذ آية الله العظمى المغفور له السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره لما كانت مشتملة على أهم ما يبلى به المكلف من المسائل الشرعية في العبادات والمعاملات ]( )، وقال عنه أيضاً:[ وبعد . إن رسالة ( منهاج الصالحين ) التي ألفها آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره وقام من بعده آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره بتطبيقها على فتاويه مع إضافة فروع جديدة وكتب أخرى إليها ، لهي من خيرة الكتب الفتوائية المتداولة في الاعصار الاخيرة ، لاشتمالها على شطر وافر من المسائل المبتلى بها في أبواب العبادات والمعاملات ]( ).
وكانت وفاته عام 1413هـ الموافق 1993م
الفصل الأول
الوقوف على معنى مصطلح "المخالفين" فـي كلامهم
إن الخوئي لم يصرح في بحوثه بلفظ أهل السنة عند بيانه لموقفه القاسي منهم، بل أطلق عليهم لفظاً آخر وهو: (المخالفين)، حتى لا يثير انتباه أهل السنة، لذا رأيت من الموضوعية أن نبين معنى مصطلح المخالف عند علماء الإمامية بمن فيهم الخوئي وكما يلي:
معنى المخالفين
إنَّ أدقَّ معنى لتعريف المخالف عندهم هو كل من عدا الشيعي الإمامي من بقية فرق المسلمين، فيدخل في ذلك بالأصالة وبالدرجة الاولى جميع فرق أهل السنة كالمعتزلة والاشاعرة والمتصوفة والمرجئة والسلفية او الوهابية كما يسمونهم، ويدخل فيه ايضا بالتبع جميع فرق الشيعة غير الإمامية كالزيدية والإسماعيلية، ويمكننا أن نقف على هذا التعريف من خلال تصريحات علمائهم أو تلميحاتهم، واليك بيان ذلك من خلال مجموعتين وكما يلي:
المجموعة الأولى
وهي التي صرحوا فيها بمعنى المخالف والذي ينطبق تماماً على أهل السنة بجميع فرقهم ومذاهبهم، فممن صرح بذلك:
1- قال آيتهم العظمى وزعيم الحوزة العلمية محمد رضا الكلبايكاني جواباً على سؤالٍ نصه: [من هو المخالف، هل هو من خالف معتقد الشيعة في الإمامة أو من خالف بعض الأئمة ووقف على بعضهم، فيدخل في ذلك الزيدية وغيرهم، وهل حكم المخالف حكم " الخارج والناصب والغالي " أم لا ؟ فأجاب بقولـه: بسمه تعالى: المخالف في لساننا يطلق على منكر خلافة أمير المؤمنين "عليه السلام" بلا فصل( )، وأما الواقف على بعض الائمة "عليهم السلام" فهو وإن كان معدودا من فرق الشيعة إلا أن أحكام الاثني عشرية لا تجري في حقه]( ).
2- يقول السيد محمد كلانتر محقق كتاب اللمعة الدمشقية: [المخالف وهو غير الاثنى عشري من فرق المسلمين]( ).
3- يقول محدثهم يوسف البحراني: [لأنا لا نعقل من المخالف متى أُطلق إلا المخالف في الإمامة والمُقَدِّم فيها]( )، وقال ايضاً: [ومخالفيه هم الذين لم يأخذوا بأحكامه، ولم يعتقدوا إمامته وعصمته، بل جعلوه من سائر الخلفاء]( ).
4- ويبين آيتهم العظمى محسن الحكيم الذين يشملهم عنوان المخالف بقوله: [ولاينافي الطعن فيه بما سبق، إذ يكون حاله حال جماعة من العامة( )، والفطحية والواقفية وغيرهم من المخالفين للفرقة المحقة]( )، فقد عبَّر عن أهل السنة بالعامة وعدهم من المخالفين للامامية.
5- ان آيتهم العظمى المعاصر الذي يقطن النجف الآن محمد سعيد الحكيم قد صرح بمعنى مصطلحي "العامة" و"المخالفين" بأنهم الذين يتولون الشيخين ـ ابا بكر وعمر رضي الله عنهما ـ ويعتقدون بأن خلافتهما شرعية وصحيحة بمعنى آخر أن المخالفين والعامة هم أهل السنة بجميع فرقهم ومذاهبهم فقال ما نصه:[الظاهر أن المراد بالعامة المخالفون الذين يتولون الشيخين ويرون شرعية خلافتهما على اختلاف فرقهم، لان ذلك هو المنصرف إليه ا***اوين المذكورة في النصوص]( ) .
6- يقول الخوئي:[والمخالف مسلم–غير مضمر للكفر– إلا انه لا يعتقد بالولاية( )]( ).
7- ان الطوسي صرح بما يفهم من كلامه معنى المخالف، حيث قال في معرض حديثه عن عدد تكبيرات صلاة الجنازة : ["وأما ما يتضمن من الأربع تكبيرات محمول على التقية لأنه مذهب المخالفين.."]( )، إذ يفهم من كلامه إطلاق لفظ المخالفين على أهل السنة خاصة لأنهم يكبرون أربع تكبيرات على الجنائز.
فهذه هي المجموعة الأولى التي صرحوا فيها بمعنى المخالف.
المجموعة الثانية
وهي تبين معنى المخالف من خلال خطوتين هما:
الخطوة الأولى:
وهي الوقوف على معنى مصطلح المؤمن في كلامهم إذ مرادهم منه هو الشيعي الإمامي فقط لأنه يؤمن بمعتقدهم في الإمامة والعصمة( )، فممن صرح بذلك:
1- يقول محمد بن علي الموسوي العاملي: [المؤمن هو المسلم الذي يعتقد امامة الأئمة الاثنى عشر]( ).
2- يقول محدثهم يوسف البحراني: [المؤمن وهو المسلم المعتقد لإمامة الأئمة الاثنى عشر]( ).
3- يقول محمد جواد العاملي: [اذ لا خلاف بين الأصحاب في ان من اعتقد معتقد الشيعة الإمامية مؤمن]( ).
4- يقول محمد حسن النجفي: [المؤمن أي الإمامي المعتقد لإمامة الأئمة الاثنى عشر]( ).
5- يقول الخميني: [المراد بالمؤمن الشيعة الإمامية الاثنى عشرية]( ).
6- وأخيراً يقول أبو القاسم الخوئي: [أقول: المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالأئمة الاثنى عشر (ع) أولهم علي بن أبي طالب (ع) وآخرهم القائم الحجة المنتظر (عج)]( )، وذكر ايضاً: [س:لقب المؤمن خاص لشيعة أهل البيت (ع)، هل يقال للشيعي مؤمن حتى لو ترك الواجبات كالصلاة مثلاً،الخوئي: نعم يقال له مؤمن]( ).
فالمراد بالمؤمن حصراً هو الشيعي الإمامي الاثنى عشري كما ظهر ذلك بجلاء من كلام علمائهم.
الخطوة الثانية:
وهي التي نستطيع من خلالها أن نحدد معنى المخالف بأنه كل من عدا الإمامي، وذلك لأنهم غالباً ما يذكرون المخالف في مقابل المؤمن، أي انه غير المؤمن، وبما أن مرادهم من المؤمن هو الإمامي الاثنى عشري كما تقدم في الخطوة الأولى، فالمراد بالمخالف الذي يقابله هو غير الإمامي مطلقاً من المسلمين، فمن أقوالهم في هذا على سبيل المثال ما يلي:
1- يقول علامتهم المعتمد محمد حسن النجفي: [وجوب غسل المؤمن أي الإمامي المعتقد لامامة الأئمة الاثنى عشر ع …… وأما من لم يكن كذلك كالعامة( ) وقد يلحق بهم فرق الامامية المبطلة كالواقفية والفطحية والناووسية]( ).
2- يقول أبو القاسم الخوئي: [تجب الصلاة على كل ميت مسلم، ذكراً كان أم أنثى، حراً أم عبداً، مؤمناً أم مخالفاً]( ).
3- يقول آيتهم العظمى الگلپايگاني: [يعتبر في المصلي أن يكون مؤمناً، فلا تجزي صلاة المخالف فضلاً عن الكافر]( ).
4- يقول الخميني: [الأول: الإيمان، فلا يعطى الكافر ولا المخالف للحق وان كان من فرق الشيعة]( )، وقال أيضاً: [يعتبر في المصلي أن يكون مؤمناً، فلا تجزي صلاة المخالف فضلاً عن الكافر]( ).
5- يقول السيد علي السيستاني: [تجب الصلاة ـ وجوباً كفائياً ـ على كل ميت مسلمٍ ذكراً كان أم أنثى، حراً أم عبداً، مؤمناً أم مخالفاً]( ).
6- يقول محققهم الكركي: [وكتب الحديث والتأريخ مشحونة بذلك من طرق المؤمنين والمخالفين]( ).
وهكذا ظهر لنا من خلال المجموعتين معنى المخالف بدقة وصراحة من كلام علمائهم ومراجعهم بأنه كل من عدا الإمامي والمقصود به أولاً وأصالةً هم أهل السنة، ثم باقي فرق الشيعة من غير الشيعة الإمامية الاثني عشرية ثانياً وتبعاً.
الفصل الثاني
تجويز غيبة أهل السنة وسبِّهم و***هم
وذلك في مبحث طويل أثبت فيه حرمة غيبة المؤمن ـ أي الإمامي ـ وجوَّز غيبة المخالف ـ أي أهل السنة ـ واليك عباراته( ) وكما يأتي:
1- حصر الحرمة بالامامي فقال في معرض شرحه لكتاب المكاسب لشيخهم الأنصاري: [حرمة الغيبة مشروطة بالإيمان قوله: (ثم إن ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن). أقول: المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالائمة الاثنى عشر عليهم السلام: أولهم علي بن ابي طالب " ع "، وآخرهم القائم الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وجعلنا من أعوانه وأنصاره ومن أنكر واحدا منهم جازت غيبته]، وقال أيضاً: [على ان الظاهر من الأخبار الواردة في تفسير الغيبة هو اختصاص حرمتها بالمؤمن فقط وسيأتي].
2- عندما أثبت جواز غيبة المخالفين تعرض للآية التي تحرم الغيبة بين المسلمين لأنهم أخوة وهي قوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (الحجرات: من الآية12)، فصرح بعدم شمولها للمخالف لأنه في نظره ليس بأخٍ للامامي، إذ يرفض الخوئي أي أُخُوَّة مع المخالفين فقال: [أن المستفاد من الآية والروايات هو تحريم غيبة الأخ المؤمن، ومن البديهي انه لا أخوة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين. وهذا هو المراد ايضا من مطلقات أخبار الغيبة]، فهو ينفي أي وجود للتقارب الأخوي مع أهل السنة ـ بل ويجعل هذا النفي أمراً بديهياً ثابتاً ومُسَلَّماً به في المذهب ـ ليفضح المتباكين من الإمامية بأن موقف علمائهم هو المحبة والتآخي مع أهل السنة، كما قال تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً (المجادلة: من الآية2).
3- لقد أعترف بأن الثابت في المذهب بالأخبار والأدعية والزيارات هو *** المخالفين وسبهم والبراءة منهم، فقال: [أنه ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز *** المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم، واتهامهم، والوقيعة فيهم: أي غيبتهم، لأنهم من أهل البدع والريب].
4- صرح بأن السيرة المتفق عليها بين علماء الإمامية وعوامهم هو غيبة المخالفين و***هم وسبهم، فقال: [قيام السيرة المستمرة بين عوام الشيعة وعلمائهم على غيبة المخالفين، بل سبهم و***هم في جميع الاعصار والأمصار، بل في الجواهر أن جواز ذلك من الضروريات].
وهكذا يعلنها الخوئي بكل صراحة من غير تقية ولا مداراة لأهل السنة بأن غيبتهم وسَبِّهم و***هم أمرٌ ثابت مُسَلَّم بعدما ثبت بالأخبار واتفقت عليه سيرة علمائهم وعوامهم حتى عدَّهُ النجفي -في كتاب الجواهر- بأنه من الضروريات في مذهب الإمامية كما اعترف الخوئي بذلك في القول السابق.
الفصل الثالث
تجويز هجاءَ أهل السنة والوقيعة فيهم
واليك فقرات مباحثه( ) في ذلك وكما يلي:
1- من الضروري معرفة معنى الهجاء لنقف على خطورته، فقد عرَّفه الخوئي قائلاً: [أقول: الهجو في اللغة عد معائب الشخص، والوقيعة فيه، وشتمه].
2- أثبت حرمته فقال: [ولا خلاف بين المسلمين في حرمة هجاء المؤمن، وإن اختلفت الشيعة مع غيرهم في ما يراد بكلمة المؤمن].
3- ذكر أن وجه تحريمه هو لكونه مشتمل على الهمز واللمز والإهانة والهتك، فقال: [وقد استدل المصنف على حرمته بالأدلة الأربعة بدعوى أنه ينطبق عليه عنوان الهمز واللمز وأكل اللحم والتعيير و إزاحة الستر،وكل ذلك كبيرة موبقة، وجريمة مهلكة،بالكتاب والسنة والعقل والإجماع]،وقال أيضاً:[وقد دلت الروايات المتواترة على حرمة هتك المؤمن وإهانته، ونطق القرآن الكريم بحرمة الهمز واللمز].
4- بعد أن بيَّن لنا معنى الهجاء وفداحته وشناعته أطلق حكمه الجائر بتحريمه في حق المؤمن- الإمامي- وجَوَّزه في حق من عداه من المخالفين بمن فيهم أهل السنة، فقال:[وأما هجو المخالفين أو المبدعين في الدين فلا شبهة في جوازه، لأنه قد تقدم في مبحث الغيبة أن المراد بالمؤمن هو القائل بإمرة الائمة الاثنى عشر، وكونهم مفترضي الطاعة ومن الواضح أن ما دل على حرمة الهجو مختص بالمؤمن من الشيعة، فيخرج غيرهم عن حدود حرمة الهجو موضوعا، وقد تقدم في المبحث المذكور ما يرضيك في المقام، ويقنعك بتخصيص حرمة الهجو بما ذكرناه].
الفصل الرابع
عند اختلافهم جعلوا الحق دائماً بمخالفة قول أهل السنة
ان الخوئي قد طبَّق الأصل الثابت عندهم وهو:
[ان الإمامية عند اختلافهم في حكم مسالة ما ولم يترجح عندهم قول في ضوء المرجحات المذكورة عند التعارض، فعندها أوجبوا على أنفسهم أن يرجعوا إلى قول أهل السنة لكي يأخذوا بخلافه لاعتقادهم بأن الحق والرشد هو في مخالفة أهل السنة دائماً]( ).
إذ أثبته الخوئي في أكثر من موطن في كتبه، فتارةً يثبته باللفظ وأخرى يطبق معناه بأخذه بما يخالف أهل السنة، وكما يلي:
الموطن الأول:
وهو الذي ذكر فيه الأصل باللفظ، فمن أقواله هي:
1- قال: [وأما ما ذكره من أن تعليل الأخذ بمخالف العامة -بأن الرشد في خلافهم- يدل على لزوم ترجيح كل ما فيه مزية على الأخر…… فلا إشكال في أن الرشد في مخالفة العامة غالبي، حيث إنهم اعتمدوا كثيرا في استنباط الاحكام الشرعية على الاستحسانات والاقيسة، واستغنوا بذلك عن المراجعة الى الأئمة (عليهم السلام) ووقعوا في مخالفة الأحكام الشرعية كثيرا]( ).
2- قال: [إلا ان حكمه يعلم من خبر صحيح رواه الراوندي بسنده عن الصادق (عليه السلام) انه (ع) قال: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه، فان لم تجدوه في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق اخبارهم، فذروه وما خالف اخبارهم فخذوه"]( )، وقد عبَّر عن هذه الرواية ص419 بقوله: [صحيحة الراوندي].
الموطن الثاني:
وهو الذي طبَّق فيه مضمون الأصل، فمن أقواله ما يلي:
1- قال: [والرجوع إلى أصالة الإباحة، بل يقدم ما دل على حرمة الغناء، لكونه مخالفا للعامة، ويترك ما دل على الجواز لموافقته لهم]( ).
2- قال: [إذا لم نقل بذلك وناقشنا في دلالتهما على الطهارة بالمعنى المصطلح عليه كما قدمناه سابقا فلا محالة تصل النوبة إلى المرجح الثاني وهو مخالفة العامة. وقد مر ان المذاهب الأربعة مطبقة على انفعال ماء البئر بالملاقاة وكذا غيرها من المذاهب على ما وقفنا عليه من أقوالهم، فالترجيح أيضا مع ما دل على طهارة البئر لأنها مخالفة للعامة فلا مناص حينئذ من حمل أخبار النجاسة على التقية]( ).
3- قال: [الطائفتان متعارضتان متقابلتان فلابد من علاجها بالمرجحات وهي تنحصر في موافقة الكتاب ومخالفة العامة على ما قدمناه في محله وكلا المرجحين مفقود في المقام: أما موافقة الكتاب فلما مر من انه ليس في الكتاب العزيز ما يدل على نجاسة الخمر أو طهارتها. وأما مخالفة العامة فلان كلا من الطائفتين موافقة للعامة من جهة ومخالفة لهم من جهة فان العامة - على ما نسب إليهم وهو الصحيح - ملتزمون بنجاستها وعليه فروايات الطهارة متقدمة لمخالفتها مع العامة إلا ان ربيعة الرأي الذي هو من أحد حكامهم وقضاتهم المعاصرين لابي عبد الله عليه السلام ممن يرى طهارتها]( ).
4- قال: [فالصحيحة إذا موافقة للعامة ومخالفة العامة من المرجحات وبذلك تحمل الصحيحة على التقية( )]( ).
5- قال: [ومعه تحمل الرواية على التقية لموافقتها لمذهب العامة كما هو الحال في غيرها من الأخبار الواردة بهذا المضمون]( ).
بهذه القسوة جعل الحق في وادٍ وأهل السنة في وادٍ آخر بحيث لا يجتمعان أبداً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفصل الخامس
التصريح بفسق أهل السنة وبطلان عباداتهم
وكأن السب وال*** والوقيعة بأهل السنة لم تشفِ غليله، فزاد عليه بأنهم فساق وان جميع عباداتهم التي يتقربون بها إلى الله تعالى -من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد- باطلة ليس لهم فيها أجر عند الله عز وجل، بل ليس لهم فيها إلا المشقة وا***اء، فمصيرهم كمصير من لم يدخل الإسلام ومن لم يعبد الله طرفة عين، لأن نتيجتهم واحدة وهي الإفلاس من الأجر والثواب يوم القيامة، فمن أقواله الظالمة لأهل السنة في ذلك ما يلي:
1- قال: [أن المخالفين بأجمعهم متجاهرون بالفسق. لبطلان عملهم رأسا، كما في الروايات المتظافرة، بل التزموا بما هو أعظم من الفسق، كما عرفت،وسيجئ أن المتجاهر بالفسق تجوز غيبته]، فهو يعترف بتظافر الروايات ببطلان عمل أهل السنة ثم أشار إلى المصدر الذي وردت به تلك الأخبار فقال: (راجع ج1 الوسائل باب 29 بطلان العبادة بدون ولاية الأئمة من مقدمات العبادات ص 19).
2- قال: [وأما المخالف فليس بكافر قطعا…….…. بل يعاقبون كالكافر ولا يثاب بأعمالهم الخيرية الصادرة منهم في الدنيا كالصلاة وغيرها]( ).
3- قال: [قدمنا في كتاب الطهارة عند التكلم حول غسل الميت اعتبار كون المغسل مؤمنا استنادا إلى الروايات الكثيرة الدالة على ان عمل المخالف باطل عاطل لا يعتد به،وقد عقد صاحب الوسائل بابا لذلك في مقدمة العبادات]( )
4- قال أيضاً: [اشتراط الإيمان في المصلي: للاخبار الدالة على عدم مقبولية عمل غير المؤمن فانها كما تدل على عدم كفاية عمل المخالف في مقام الامتثال، كذلك تقتضي عدم كفايته في الاجزاء فلا يجزي عمله عن المكلفين، وفي بعضها ان الله سبحانه شانع أو يشنع عمل المخالف أي يبغضه فلا يقع مقبولا امتثالا واجزاءا]( ).
5- أكد معتقد الشيعة في بطلان عبادة المخالفين لهم من المسلمين من خلال بحثه لشروط صحة الصيام وإليك ما ذكره بعدة فقرات( ) :
أ- أثبت أن الإسلام والإيمان- بمفهومه عند الشيعة أي الإيمان بالولاية- شرط في صحة الصوم فلا يصح من غير المسلم- الكافر- ولا من غير المؤمن- غير الشيعي من المسلمين- فقال:[ فصل " في شرائط صحة الصوم " وهي أمور : الأولى : الإسلام والإيمان فلا يصح من غير المؤمن ولو في جزء من النهار فلو أسلم الكافر في أثناء النهار ولو قبل الزوال لم يصح صومه وكذا لو ارتد ثم عاد إلى الإسلام بالتوبة، فلا يصح الصوم كغيره من العبادات من الكافر وإن كان مستجمعا لسائر الشرائط، كما لا يصح ممن لا يعترف بالولاية من غير خلاف].
ب- اعترف بأن إجماع الشيعة متحقق على بطلان العبادة من دون الولاية، والنصوص الكثيرة تثبته فقال:[ تكفينا بعد الإجماع المحقق كما عرفت النصوص الكثيرة الدالة على بطلان العبادة من دون الولاية].
ج- أورد رواية كشاهد على عقيدتهم وهي:[ كصحيحة محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كل من دان الله عزوجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله]، ثم استنبط منها عقيدتهم في البطلان فقال:[ فان من يكون الله شانئا لاعماله ومبغضا لافعاله كيف يصح التقرب منه وهو ضال متحير لا يقبل سعيه ، فكل ذلك يدل على البطلان . وفي ذيل الصحيحة أيضا دلالة على ذلك كما لا يخفي على من لاحظها ، فإذا بطل العمل ممن لا إمام له وكان كالعدم ، فمن لا يعترف بالنبي بطريق أولى ، إذ لا تتحقق الولاية من دون قبول الإسلام . ومما ذكرنا يظهر الحال في اعتبار الإيمان في صحة الصوم وانه لا يصح من المخالف لفقد الولاية].
د- أثبت هذه العقيدة في مبحث غسل الميت، حيث قرر فيه أن تغسيل الميت من قبل الكافر ومن المخالف- المسلم الذي لا يؤمن بالولاية- باطل لا يصح فقال:[ وقد تعرضنا لهذه المسألة بنطاق أوسع في بحث غسل الميت ، عند التكلم حول اعتبار الإيمان في الغاسل الذي هو فرع الإسلام ، فلو لم يكن مسلما أو كان ولكن لم يكن بهداية الإمام وإرشاده لم يصح تغسيله فراجع ان شئت].
قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (يوسف:17).
لا شك أن الحقيقة هي ضالة الجميع .. وهي قبل غيره ضالة المؤمن، إليها يصبو ولنيلها يسعى .. ومع أنها قد تندرس زمناً إلا أنها لا ريب تعود لتظهر ثانية بفعلٍ قدري صرف أو بجهد باحثٍ مجد ..
والحقائق عموماً منها ما هو مشرِّف نبيل يسعى أهلها لإعلانها والتعريف بها، ومنها ما هو مخزٍ سقيم يحاول أصحابها جاهدين طمسها وتغييب معالمها .. بل ربما نسبوها إلى غيرهم ورموهم بسوئها، ليسلم لهم ماء الوجه ولتبقَ ساحتهم بعيدة عن مرمى سهام النقد والتقييم ..
وفي حين أن الأولى لا تحتاج إلى طول عناء لإبرازها وإماطة اللثام عنها حتى تبرز معالمها واضحة بعد إهمال، فإن الثانية تحتاج إلى جهد كبير في التنقيب عنها يوازي الجهد المبذول في قبرها وتغييبها ..
ولطالما بقيت غالب معتقدات الشيعة في إطار الثانية خصوصاً ما يتعلق منها بحقيقة معتقدهم تجاه باقي فرق المسلمين عامة وتجاه أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص، حيث أنها ظلَّت ملقاة في جُبّ التغييب والتغريب زمناً طويلاً دون أن يعلم بها السواد الأعظم من المسلمين بل أن الأمر لم ينتهِِ معهم عند هذا الحد، فقد جاؤوا على قميص الحقيقة تلك بدمٍ كذب، وألبسوا غيرهم ثوب جرائمهم، وجاءوا الناس في كل وقت وحين يبكون ويتباكون على الوحدة الإسلامية الضائعة !! ومظلومية المذهب الشيعي مقابل تعنُّت وتجبر المذاهب الإسلامية وقسوتهم في الحكم عليه وعلى أتباعه، فصيَّروا "بإعلانهم الكاذب ومكرهم" الذئب حملاً، والحمل ذئباً .. بل برعوا في تصوير ذلك إلى الحد الذي صدَّقهم فيه أغلب الناس بما فيهم الكثير من أهل السنة أنفسهم !!
وتعبداً مني بالأمر الشرعي القاضي بوجوب تغيير المنكر، وحتى لا يصبح الوهم حقيقة والكذب أصلاً في الأذهان، عمدت إلى خوض غمار الكتابة في هذا الموضوع- رغم ثقله على نفسي- مبيناً الواقع الذي عليه حال معتقد القوم تجاه غيرهم من المسلمين( ) مستناً فيه سابقة في أسلوب الطرح لم يتعرض لها غيري بهذا التفصيل- على حد علمي- والذي اتسم بسمتين أساسيتين أقطع بهما الطريق بوجه المراوغين والمخادعين من علمائهم ودعاتهم هما:
1-اعتمادي على تقريرات فقهية يتعبد بها الشيعة في جميع أنحاء العالم دون الاقتصار على سرد روايات- بالنص أو بالمعنى- مما قد يتيح لهم مجالاً للهرب عن طريق تضعيف أو إنكار تلك الروايات أو تأويل مقاصدها على ما جرت عليه عادتهم من قلب للحقائق وتزوير لها حين كانوا يواجَهون بنصوص ونُقُول تثبت عليهم مثلبة أو تفضح في مذهبهم زيغاً .. وهكذا كان ديدن علماء المذهب هذا في احتراف أسلوب المراوغة والتدليس هو القادح الذهني في اللجوء إلى مثل هذا الطرح الغير مسبوق في عرض موضوعة الكتاب من فقهيات علماء المذهب دون مرويات بما لا يجعل لأحد منهم أدنى فرصة للمراوغة والتحايل، و إلا فليتعبدوا إلى الله تعالى بغير مذهبهم وليتفقهوا بغير فقه علمائهم !!
2-اعتمدت في كتابتي على نفس مؤلفات علماء المذهب ومنظريه من خلال شروحهم وفتاويهم فنقلت منها مباشرةً، ولم ألتفت مطلقاً لما كتبه غيري من ردود على الشيعة، وهذه الطريقة وإن كانت شاقة في سبر غور مؤلفاتهم والوقوف على تقريراتهم الفقهية، إلا أنها الطريقة المثلى في تناول موضوع عقائدي حساس لأنها أقرب إلى الإنصاف معهم، وأيضاً تقطع ما قد يتعلق به بعض دعاة التغرير والخداع منهم بالتظلم والتباكي من كون النقل في تقرير معتقدات الشيعة هو من كلام خصوم الشيعة وليس من نفس مصنفات علمائهم ومصادرهم( ).
وعليه جاءت الدراسة متكاملة ومنصفة في تقرير معتقد الشيعة من خلال أبرز أعلام مذهب الشيعة في العصر الحديث ورمز من أكبر رموزها ألا وهو آيتهم العظمى أبو القاسم الخوئي( ) حيث سطَّر خلاصة مذهب الشيعة في موقفهم من أهل السنة من خلال فقهيات وفتاوي يرجع إليها ويتعبد بها الشيعة من خلال امتثالهم وتطبيقهم لمضمونها، ولا مجال للضبابية فيها إذ الناقل مرجع من أكبر مراجع الشيعة إلا أن يتنكروا له ويصموه بالخصومة مع مذهب الشيعة ولا أراهم فاعلين.
وأخيراً أرجو من القراء والدعاة والعلماء أن لا يستهينوا بهذا المختصر لأنه من الأهمية بمكان، إذ أخرجته من بطون الكتب والحواشي التي يتعذر على المتخصصين الوقوف عليها فضلاً عن باقي القراء، أسأل الله تعالى أن تكون هذه الدراسة سبباً لتبصير المسلمين ورفع الغشاوة عن أعينهم ليعرفوا العدو من الصديق.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه
أجمعين
عبد الملك بن عبد الرحمن الشافعي
التمهيد
لقد أطبق اسم السيد أبو القاسم الخوئي آفاق عالم التشيع، واعتلى منصة الزعامة العلمية والمرجعية العليا للشيعة في العالم سنوات طويلة تزيد على عشرين عاماً وبدون منازع أو منافس - على حد علمي - لأنه تفرد بالأعلمية في المذهب، وربما يعتقد الإمامية بأنه لم يأتِ بعده - لحد الآن - من يوازيه في العلم والإطلاع في أصول المذهب وفروعه وخلافاته وترجيحاته، ومن تتبع الساحة الإمامية سيجد مصداقاً لهذا الأمر، ولذا فان أي تصريح لهذا العالم يكون له صدى واسعاً وتأثيراً عميقاً ،ورغم أنني أرى استغناءاً عن الترجمة له لعلو مكانته العلمية في المذهب، لكن مع هذا قررت أن أنقل بعض ما قاله عنه علماء المذهب ومراجعه لأن البعض من أهل السنة لا يعرفون شيئاً عن وزنه ومكانته في المذهب، فممن ترجم له وأثنى عليه من مراجع المذهب ما يلي:
1- قال عنه الميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي:[ إلى ان القت العلوم الدينية زعامتها وأسندت رئاستها إلى سيدنا واستاذنا علم الاعلام آية الله الملك العلام فقيه العصر وفريد الدهر البحر اللجي واسطة قلادة الفضل والتحقيق محور دائرة الفهم والتدقيق إمام أئمة الاصول وزعيم أساتذة المعقول والمنقول المبين لاحكام الدين والمناضل عن شريعة جده سيد المرسلين قدوة العلماء الراسخين اسوة الفقهاء العاملين المولى الاعظم والحبر المعظم مولانا وملاذنا الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي النجفي ادام الله أيام افاضاته ومتع الله المسلمين بطول بقائه وهو أدامه الله قد تعرض إلى الكتاب أثناء الدراسة الخارجية في الحوزة المقدسة العلوية وأوسعه تهذيبا وتنقيحا وكشف النقاب عن غوامضه وأبان الموارد المعضلة منه وأخذ بتلك المسائل والآراء التي قيلت أو يمكن أن يقال فصهرها في بوتقة خياله الواسع وفكره الجامع وأفرغها في قوالب رصينة وشيدها على أسس متينة وكان النتاج درة لماعة على مفرق التشريع الإسلامي والفقه الجعفري وكنت ممن وفقه الله للاستفادة من محضره الشريف والارتواء من منهله العذب ]( ).
2- قال عنه آيتهم العظمى الميرزا جواد التبريزي:[ وكان من أبرز من حمل راية الشريعة في هذ العصر الامام آية الله في العالمين استاذ الفقهاء والمجتهدين السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي( قدس سره ) الذي تصدى للمرجعية العامة مدة تزيد على عشرين سنة ]( ).
3- ترجم له آيتهم العظمى السيد محمد صادق الحسيني الروحاني الذي يلقبوه فقيه العصر المجاهد:[وبعد فلما كانت رسالة منهاج الصالح فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية افضل علماء العالم آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي مد ظله جامعة لشتات المسائل المبتلى بها سهلا تناولها ]( ).
4- يقول عنه فقيه المذهب ومحققه الأصولي المدقق محمد إسحاق الفياض:[ مشتمل على ما استفدته من تحقيقات عالية ومطالب شامخة وأفكار مبتكرة من مجلس درس سيدنا الأستاذ الأفخم فقيه الطائفة سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي ، إذ عكفت ضمن المئات من الطلاب على مجلس درسه الشريف في جامعة العلم الكبرى " النجف الأشرف " التي أسندت إليه زعامتها ، وألقت بين يديه مقاليدها، فقام بالعبء خير قيام في محاضراته وبحوثه ، وتربى على يديه الكريمتين جيل بعد جيل من الأفاضل الأعلام ]( ).
5- وأخيراً ترجم له أبرز مراجع المذهب الأحياء وهو آيتهم العظمى علي السيستاني- الذي تتلمذ على يد الخوئي- ، فقال عنه:[ وبعد : ان رسالة المسائل المنتخبة للسيد الأستاذ آية الله العظمى المغفور له السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره لما كانت مشتملة على أهم ما يبلى به المكلف من المسائل الشرعية في العبادات والمعاملات ]( )، وقال عنه أيضاً:[ وبعد . إن رسالة ( منهاج الصالحين ) التي ألفها آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره وقام من بعده آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قدس سره بتطبيقها على فتاويه مع إضافة فروع جديدة وكتب أخرى إليها ، لهي من خيرة الكتب الفتوائية المتداولة في الاعصار الاخيرة ، لاشتمالها على شطر وافر من المسائل المبتلى بها في أبواب العبادات والمعاملات ]( ).
وكانت وفاته عام 1413هـ الموافق 1993م
الفصل الأول
الوقوف على معنى مصطلح "المخالفين" فـي كلامهم
إن الخوئي لم يصرح في بحوثه بلفظ أهل السنة عند بيانه لموقفه القاسي منهم، بل أطلق عليهم لفظاً آخر وهو: (المخالفين)، حتى لا يثير انتباه أهل السنة، لذا رأيت من الموضوعية أن نبين معنى مصطلح المخالف عند علماء الإمامية بمن فيهم الخوئي وكما يلي:
معنى المخالفين
إنَّ أدقَّ معنى لتعريف المخالف عندهم هو كل من عدا الشيعي الإمامي من بقية فرق المسلمين، فيدخل في ذلك بالأصالة وبالدرجة الاولى جميع فرق أهل السنة كالمعتزلة والاشاعرة والمتصوفة والمرجئة والسلفية او الوهابية كما يسمونهم، ويدخل فيه ايضا بالتبع جميع فرق الشيعة غير الإمامية كالزيدية والإسماعيلية، ويمكننا أن نقف على هذا التعريف من خلال تصريحات علمائهم أو تلميحاتهم، واليك بيان ذلك من خلال مجموعتين وكما يلي:
المجموعة الأولى
وهي التي صرحوا فيها بمعنى المخالف والذي ينطبق تماماً على أهل السنة بجميع فرقهم ومذاهبهم، فممن صرح بذلك:
1- قال آيتهم العظمى وزعيم الحوزة العلمية محمد رضا الكلبايكاني جواباً على سؤالٍ نصه: [من هو المخالف، هل هو من خالف معتقد الشيعة في الإمامة أو من خالف بعض الأئمة ووقف على بعضهم، فيدخل في ذلك الزيدية وغيرهم، وهل حكم المخالف حكم " الخارج والناصب والغالي " أم لا ؟ فأجاب بقولـه: بسمه تعالى: المخالف في لساننا يطلق على منكر خلافة أمير المؤمنين "عليه السلام" بلا فصل( )، وأما الواقف على بعض الائمة "عليهم السلام" فهو وإن كان معدودا من فرق الشيعة إلا أن أحكام الاثني عشرية لا تجري في حقه]( ).
2- يقول السيد محمد كلانتر محقق كتاب اللمعة الدمشقية: [المخالف وهو غير الاثنى عشري من فرق المسلمين]( ).
3- يقول محدثهم يوسف البحراني: [لأنا لا نعقل من المخالف متى أُطلق إلا المخالف في الإمامة والمُقَدِّم فيها]( )، وقال ايضاً: [ومخالفيه هم الذين لم يأخذوا بأحكامه، ولم يعتقدوا إمامته وعصمته، بل جعلوه من سائر الخلفاء]( ).
4- ويبين آيتهم العظمى محسن الحكيم الذين يشملهم عنوان المخالف بقوله: [ولاينافي الطعن فيه بما سبق، إذ يكون حاله حال جماعة من العامة( )، والفطحية والواقفية وغيرهم من المخالفين للفرقة المحقة]( )، فقد عبَّر عن أهل السنة بالعامة وعدهم من المخالفين للامامية.
5- ان آيتهم العظمى المعاصر الذي يقطن النجف الآن محمد سعيد الحكيم قد صرح بمعنى مصطلحي "العامة" و"المخالفين" بأنهم الذين يتولون الشيخين ـ ابا بكر وعمر رضي الله عنهما ـ ويعتقدون بأن خلافتهما شرعية وصحيحة بمعنى آخر أن المخالفين والعامة هم أهل السنة بجميع فرقهم ومذاهبهم فقال ما نصه:[الظاهر أن المراد بالعامة المخالفون الذين يتولون الشيخين ويرون شرعية خلافتهما على اختلاف فرقهم، لان ذلك هو المنصرف إليه ا***اوين المذكورة في النصوص]( ) .
6- يقول الخوئي:[والمخالف مسلم–غير مضمر للكفر– إلا انه لا يعتقد بالولاية( )]( ).
7- ان الطوسي صرح بما يفهم من كلامه معنى المخالف، حيث قال في معرض حديثه عن عدد تكبيرات صلاة الجنازة : ["وأما ما يتضمن من الأربع تكبيرات محمول على التقية لأنه مذهب المخالفين.."]( )، إذ يفهم من كلامه إطلاق لفظ المخالفين على أهل السنة خاصة لأنهم يكبرون أربع تكبيرات على الجنائز.
فهذه هي المجموعة الأولى التي صرحوا فيها بمعنى المخالف.
المجموعة الثانية
وهي تبين معنى المخالف من خلال خطوتين هما:
الخطوة الأولى:
وهي الوقوف على معنى مصطلح المؤمن في كلامهم إذ مرادهم منه هو الشيعي الإمامي فقط لأنه يؤمن بمعتقدهم في الإمامة والعصمة( )، فممن صرح بذلك:
1- يقول محمد بن علي الموسوي العاملي: [المؤمن هو المسلم الذي يعتقد امامة الأئمة الاثنى عشر]( ).
2- يقول محدثهم يوسف البحراني: [المؤمن وهو المسلم المعتقد لإمامة الأئمة الاثنى عشر]( ).
3- يقول محمد جواد العاملي: [اذ لا خلاف بين الأصحاب في ان من اعتقد معتقد الشيعة الإمامية مؤمن]( ).
4- يقول محمد حسن النجفي: [المؤمن أي الإمامي المعتقد لإمامة الأئمة الاثنى عشر]( ).
5- يقول الخميني: [المراد بالمؤمن الشيعة الإمامية الاثنى عشرية]( ).
6- وأخيراً يقول أبو القاسم الخوئي: [أقول: المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالأئمة الاثنى عشر (ع) أولهم علي بن أبي طالب (ع) وآخرهم القائم الحجة المنتظر (عج)]( )، وذكر ايضاً: [س:لقب المؤمن خاص لشيعة أهل البيت (ع)، هل يقال للشيعي مؤمن حتى لو ترك الواجبات كالصلاة مثلاً،الخوئي: نعم يقال له مؤمن]( ).
فالمراد بالمؤمن حصراً هو الشيعي الإمامي الاثنى عشري كما ظهر ذلك بجلاء من كلام علمائهم.
الخطوة الثانية:
وهي التي نستطيع من خلالها أن نحدد معنى المخالف بأنه كل من عدا الإمامي، وذلك لأنهم غالباً ما يذكرون المخالف في مقابل المؤمن، أي انه غير المؤمن، وبما أن مرادهم من المؤمن هو الإمامي الاثنى عشري كما تقدم في الخطوة الأولى، فالمراد بالمخالف الذي يقابله هو غير الإمامي مطلقاً من المسلمين، فمن أقوالهم في هذا على سبيل المثال ما يلي:
1- يقول علامتهم المعتمد محمد حسن النجفي: [وجوب غسل المؤمن أي الإمامي المعتقد لامامة الأئمة الاثنى عشر ع …… وأما من لم يكن كذلك كالعامة( ) وقد يلحق بهم فرق الامامية المبطلة كالواقفية والفطحية والناووسية]( ).
2- يقول أبو القاسم الخوئي: [تجب الصلاة على كل ميت مسلم، ذكراً كان أم أنثى، حراً أم عبداً، مؤمناً أم مخالفاً]( ).
3- يقول آيتهم العظمى الگلپايگاني: [يعتبر في المصلي أن يكون مؤمناً، فلا تجزي صلاة المخالف فضلاً عن الكافر]( ).
4- يقول الخميني: [الأول: الإيمان، فلا يعطى الكافر ولا المخالف للحق وان كان من فرق الشيعة]( )، وقال أيضاً: [يعتبر في المصلي أن يكون مؤمناً، فلا تجزي صلاة المخالف فضلاً عن الكافر]( ).
5- يقول السيد علي السيستاني: [تجب الصلاة ـ وجوباً كفائياً ـ على كل ميت مسلمٍ ذكراً كان أم أنثى، حراً أم عبداً، مؤمناً أم مخالفاً]( ).
6- يقول محققهم الكركي: [وكتب الحديث والتأريخ مشحونة بذلك من طرق المؤمنين والمخالفين]( ).
وهكذا ظهر لنا من خلال المجموعتين معنى المخالف بدقة وصراحة من كلام علمائهم ومراجعهم بأنه كل من عدا الإمامي والمقصود به أولاً وأصالةً هم أهل السنة، ثم باقي فرق الشيعة من غير الشيعة الإمامية الاثني عشرية ثانياً وتبعاً.
الفصل الثاني
تجويز غيبة أهل السنة وسبِّهم و***هم
وذلك في مبحث طويل أثبت فيه حرمة غيبة المؤمن ـ أي الإمامي ـ وجوَّز غيبة المخالف ـ أي أهل السنة ـ واليك عباراته( ) وكما يأتي:
1- حصر الحرمة بالامامي فقال في معرض شرحه لكتاب المكاسب لشيخهم الأنصاري: [حرمة الغيبة مشروطة بالإيمان قوله: (ثم إن ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن). أقول: المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالائمة الاثنى عشر عليهم السلام: أولهم علي بن ابي طالب " ع "، وآخرهم القائم الحجة المنتظر عجل الله فرجه، وجعلنا من أعوانه وأنصاره ومن أنكر واحدا منهم جازت غيبته]، وقال أيضاً: [على ان الظاهر من الأخبار الواردة في تفسير الغيبة هو اختصاص حرمتها بالمؤمن فقط وسيأتي].
2- عندما أثبت جواز غيبة المخالفين تعرض للآية التي تحرم الغيبة بين المسلمين لأنهم أخوة وهي قوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (الحجرات: من الآية12)، فصرح بعدم شمولها للمخالف لأنه في نظره ليس بأخٍ للامامي، إذ يرفض الخوئي أي أُخُوَّة مع المخالفين فقال: [أن المستفاد من الآية والروايات هو تحريم غيبة الأخ المؤمن، ومن البديهي انه لا أخوة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين. وهذا هو المراد ايضا من مطلقات أخبار الغيبة]، فهو ينفي أي وجود للتقارب الأخوي مع أهل السنة ـ بل ويجعل هذا النفي أمراً بديهياً ثابتاً ومُسَلَّماً به في المذهب ـ ليفضح المتباكين من الإمامية بأن موقف علمائهم هو المحبة والتآخي مع أهل السنة، كما قال تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً (المجادلة: من الآية2).
3- لقد أعترف بأن الثابت في المذهب بالأخبار والأدعية والزيارات هو *** المخالفين وسبهم والبراءة منهم، فقال: [أنه ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز *** المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم، واتهامهم، والوقيعة فيهم: أي غيبتهم، لأنهم من أهل البدع والريب].
4- صرح بأن السيرة المتفق عليها بين علماء الإمامية وعوامهم هو غيبة المخالفين و***هم وسبهم، فقال: [قيام السيرة المستمرة بين عوام الشيعة وعلمائهم على غيبة المخالفين، بل سبهم و***هم في جميع الاعصار والأمصار، بل في الجواهر أن جواز ذلك من الضروريات].
وهكذا يعلنها الخوئي بكل صراحة من غير تقية ولا مداراة لأهل السنة بأن غيبتهم وسَبِّهم و***هم أمرٌ ثابت مُسَلَّم بعدما ثبت بالأخبار واتفقت عليه سيرة علمائهم وعوامهم حتى عدَّهُ النجفي -في كتاب الجواهر- بأنه من الضروريات في مذهب الإمامية كما اعترف الخوئي بذلك في القول السابق.
الفصل الثالث
تجويز هجاءَ أهل السنة والوقيعة فيهم
واليك فقرات مباحثه( ) في ذلك وكما يلي:
1- من الضروري معرفة معنى الهجاء لنقف على خطورته، فقد عرَّفه الخوئي قائلاً: [أقول: الهجو في اللغة عد معائب الشخص، والوقيعة فيه، وشتمه].
2- أثبت حرمته فقال: [ولا خلاف بين المسلمين في حرمة هجاء المؤمن، وإن اختلفت الشيعة مع غيرهم في ما يراد بكلمة المؤمن].
3- ذكر أن وجه تحريمه هو لكونه مشتمل على الهمز واللمز والإهانة والهتك، فقال: [وقد استدل المصنف على حرمته بالأدلة الأربعة بدعوى أنه ينطبق عليه عنوان الهمز واللمز وأكل اللحم والتعيير و إزاحة الستر،وكل ذلك كبيرة موبقة، وجريمة مهلكة،بالكتاب والسنة والعقل والإجماع]،وقال أيضاً:[وقد دلت الروايات المتواترة على حرمة هتك المؤمن وإهانته، ونطق القرآن الكريم بحرمة الهمز واللمز].
4- بعد أن بيَّن لنا معنى الهجاء وفداحته وشناعته أطلق حكمه الجائر بتحريمه في حق المؤمن- الإمامي- وجَوَّزه في حق من عداه من المخالفين بمن فيهم أهل السنة، فقال:[وأما هجو المخالفين أو المبدعين في الدين فلا شبهة في جوازه، لأنه قد تقدم في مبحث الغيبة أن المراد بالمؤمن هو القائل بإمرة الائمة الاثنى عشر، وكونهم مفترضي الطاعة ومن الواضح أن ما دل على حرمة الهجو مختص بالمؤمن من الشيعة، فيخرج غيرهم عن حدود حرمة الهجو موضوعا، وقد تقدم في المبحث المذكور ما يرضيك في المقام، ويقنعك بتخصيص حرمة الهجو بما ذكرناه].
الفصل الرابع
عند اختلافهم جعلوا الحق دائماً بمخالفة قول أهل السنة
ان الخوئي قد طبَّق الأصل الثابت عندهم وهو:
[ان الإمامية عند اختلافهم في حكم مسالة ما ولم يترجح عندهم قول في ضوء المرجحات المذكورة عند التعارض، فعندها أوجبوا على أنفسهم أن يرجعوا إلى قول أهل السنة لكي يأخذوا بخلافه لاعتقادهم بأن الحق والرشد هو في مخالفة أهل السنة دائماً]( ).
إذ أثبته الخوئي في أكثر من موطن في كتبه، فتارةً يثبته باللفظ وأخرى يطبق معناه بأخذه بما يخالف أهل السنة، وكما يلي:
الموطن الأول:
وهو الذي ذكر فيه الأصل باللفظ، فمن أقواله هي:
1- قال: [وأما ما ذكره من أن تعليل الأخذ بمخالف العامة -بأن الرشد في خلافهم- يدل على لزوم ترجيح كل ما فيه مزية على الأخر…… فلا إشكال في أن الرشد في مخالفة العامة غالبي، حيث إنهم اعتمدوا كثيرا في استنباط الاحكام الشرعية على الاستحسانات والاقيسة، واستغنوا بذلك عن المراجعة الى الأئمة (عليهم السلام) ووقعوا في مخالفة الأحكام الشرعية كثيرا]( ).
2- قال: [إلا ان حكمه يعلم من خبر صحيح رواه الراوندي بسنده عن الصادق (عليه السلام) انه (ع) قال: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه، فان لم تجدوه في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق اخبارهم، فذروه وما خالف اخبارهم فخذوه"]( )، وقد عبَّر عن هذه الرواية ص419 بقوله: [صحيحة الراوندي].
الموطن الثاني:
وهو الذي طبَّق فيه مضمون الأصل، فمن أقواله ما يلي:
1- قال: [والرجوع إلى أصالة الإباحة، بل يقدم ما دل على حرمة الغناء، لكونه مخالفا للعامة، ويترك ما دل على الجواز لموافقته لهم]( ).
2- قال: [إذا لم نقل بذلك وناقشنا في دلالتهما على الطهارة بالمعنى المصطلح عليه كما قدمناه سابقا فلا محالة تصل النوبة إلى المرجح الثاني وهو مخالفة العامة. وقد مر ان المذاهب الأربعة مطبقة على انفعال ماء البئر بالملاقاة وكذا غيرها من المذاهب على ما وقفنا عليه من أقوالهم، فالترجيح أيضا مع ما دل على طهارة البئر لأنها مخالفة للعامة فلا مناص حينئذ من حمل أخبار النجاسة على التقية]( ).
3- قال: [الطائفتان متعارضتان متقابلتان فلابد من علاجها بالمرجحات وهي تنحصر في موافقة الكتاب ومخالفة العامة على ما قدمناه في محله وكلا المرجحين مفقود في المقام: أما موافقة الكتاب فلما مر من انه ليس في الكتاب العزيز ما يدل على نجاسة الخمر أو طهارتها. وأما مخالفة العامة فلان كلا من الطائفتين موافقة للعامة من جهة ومخالفة لهم من جهة فان العامة - على ما نسب إليهم وهو الصحيح - ملتزمون بنجاستها وعليه فروايات الطهارة متقدمة لمخالفتها مع العامة إلا ان ربيعة الرأي الذي هو من أحد حكامهم وقضاتهم المعاصرين لابي عبد الله عليه السلام ممن يرى طهارتها]( ).
4- قال: [فالصحيحة إذا موافقة للعامة ومخالفة العامة من المرجحات وبذلك تحمل الصحيحة على التقية( )]( ).
5- قال: [ومعه تحمل الرواية على التقية لموافقتها لمذهب العامة كما هو الحال في غيرها من الأخبار الواردة بهذا المضمون]( ).
بهذه القسوة جعل الحق في وادٍ وأهل السنة في وادٍ آخر بحيث لا يجتمعان أبداً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفصل الخامس
التصريح بفسق أهل السنة وبطلان عباداتهم
وكأن السب وال*** والوقيعة بأهل السنة لم تشفِ غليله، فزاد عليه بأنهم فساق وان جميع عباداتهم التي يتقربون بها إلى الله تعالى -من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد- باطلة ليس لهم فيها أجر عند الله عز وجل، بل ليس لهم فيها إلا المشقة وا***اء، فمصيرهم كمصير من لم يدخل الإسلام ومن لم يعبد الله طرفة عين، لأن نتيجتهم واحدة وهي الإفلاس من الأجر والثواب يوم القيامة، فمن أقواله الظالمة لأهل السنة في ذلك ما يلي:
1- قال: [أن المخالفين بأجمعهم متجاهرون بالفسق. لبطلان عملهم رأسا، كما في الروايات المتظافرة، بل التزموا بما هو أعظم من الفسق، كما عرفت،وسيجئ أن المتجاهر بالفسق تجوز غيبته]، فهو يعترف بتظافر الروايات ببطلان عمل أهل السنة ثم أشار إلى المصدر الذي وردت به تلك الأخبار فقال: (راجع ج1 الوسائل باب 29 بطلان العبادة بدون ولاية الأئمة من مقدمات العبادات ص 19).
2- قال: [وأما المخالف فليس بكافر قطعا…….…. بل يعاقبون كالكافر ولا يثاب بأعمالهم الخيرية الصادرة منهم في الدنيا كالصلاة وغيرها]( ).
3- قال: [قدمنا في كتاب الطهارة عند التكلم حول غسل الميت اعتبار كون المغسل مؤمنا استنادا إلى الروايات الكثيرة الدالة على ان عمل المخالف باطل عاطل لا يعتد به،وقد عقد صاحب الوسائل بابا لذلك في مقدمة العبادات]( )
4- قال أيضاً: [اشتراط الإيمان في المصلي: للاخبار الدالة على عدم مقبولية عمل غير المؤمن فانها كما تدل على عدم كفاية عمل المخالف في مقام الامتثال، كذلك تقتضي عدم كفايته في الاجزاء فلا يجزي عمله عن المكلفين، وفي بعضها ان الله سبحانه شانع أو يشنع عمل المخالف أي يبغضه فلا يقع مقبولا امتثالا واجزاءا]( ).
5- أكد معتقد الشيعة في بطلان عبادة المخالفين لهم من المسلمين من خلال بحثه لشروط صحة الصيام وإليك ما ذكره بعدة فقرات( ) :
أ- أثبت أن الإسلام والإيمان- بمفهومه عند الشيعة أي الإيمان بالولاية- شرط في صحة الصوم فلا يصح من غير المسلم- الكافر- ولا من غير المؤمن- غير الشيعي من المسلمين- فقال:[ فصل " في شرائط صحة الصوم " وهي أمور : الأولى : الإسلام والإيمان فلا يصح من غير المؤمن ولو في جزء من النهار فلو أسلم الكافر في أثناء النهار ولو قبل الزوال لم يصح صومه وكذا لو ارتد ثم عاد إلى الإسلام بالتوبة، فلا يصح الصوم كغيره من العبادات من الكافر وإن كان مستجمعا لسائر الشرائط، كما لا يصح ممن لا يعترف بالولاية من غير خلاف].
ب- اعترف بأن إجماع الشيعة متحقق على بطلان العبادة من دون الولاية، والنصوص الكثيرة تثبته فقال:[ تكفينا بعد الإجماع المحقق كما عرفت النصوص الكثيرة الدالة على بطلان العبادة من دون الولاية].
ج- أورد رواية كشاهد على عقيدتهم وهي:[ كصحيحة محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كل من دان الله عزوجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله]، ثم استنبط منها عقيدتهم في البطلان فقال:[ فان من يكون الله شانئا لاعماله ومبغضا لافعاله كيف يصح التقرب منه وهو ضال متحير لا يقبل سعيه ، فكل ذلك يدل على البطلان . وفي ذيل الصحيحة أيضا دلالة على ذلك كما لا يخفي على من لاحظها ، فإذا بطل العمل ممن لا إمام له وكان كالعدم ، فمن لا يعترف بالنبي بطريق أولى ، إذ لا تتحقق الولاية من دون قبول الإسلام . ومما ذكرنا يظهر الحال في اعتبار الإيمان في صحة الصوم وانه لا يصح من المخالف لفقد الولاية].
د- أثبت هذه العقيدة في مبحث غسل الميت، حيث قرر فيه أن تغسيل الميت من قبل الكافر ومن المخالف- المسلم الذي لا يؤمن بالولاية- باطل لا يصح فقال:[ وقد تعرضنا لهذه المسألة بنطاق أوسع في بحث غسل الميت ، عند التكلم حول اعتبار الإيمان في الغاسل الذي هو فرع الإسلام ، فلو لم يكن مسلما أو كان ولكن لم يكن بهداية الإمام وإرشاده لم يصح تغسيله فراجع ان شئت].